بحث عن بحث

القاعدة الثانية عشرة

تفاءل تعش في زمرة السعداء

والتفاؤل: حسن الظن بالله تعالى، وتوقع الخير منه جل وعلا، بعد التوكل عليه والأخذ بالأسباب عند التحرك والعمل في الحياة.

والتفاؤل ركن شديد من أركان المنهجية الصحيحة في الحياة، فلا يستقيم السلوك الإنساني ولا يأخذ طريقه نحو النجاح والتفوق من غير توافر هذا الركن المهم، فلا يمكن أن يقدم الإنسان مشروعًا مفيدًا لنفسه ولأمته، وهو يعاني اليأس والقلق والخوف.

نوعا التفاؤل:  

ومن هنا يمكن تصنيف التفاؤل إلى نوعين:

الأول: التفاؤل الإيجابي: وهو توقع الخير بصورة دائمًا، وهذا يعني حسن الظن بالله تعالى، وقد جاءت الإشارة إلى هذه الصورة في قوله تعالى عن المؤمنين: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ .

وكما قال الشاعر:

أعلل النفس بالآمـال أرقبهـا      ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

فالمريض الذي ابتلاه الله تعالى بمرض معين لا بد أن يتفاءل بالخير وهو الأمل في الشفاء والعافية، وذلك بعد الأخذ بأسباب ذلك، وهو تناول العلاج والتداوي باللازم، يقول عليه الصلاة والسلام: «يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء».

والتفاؤل بالخير وحسن الظن بالله تعالى من العوامل المهمة التي تشكل قاعدة متينة لبناء منهج صحيح ذي أبعاد عميقة نحو تحقيق المصالح والمنافع على الواقع، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: «إن الله يقول: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني».

وقد قال الشاعر:

ألا إنما بشر الحيـاة تفــاؤل          تفاءل تعش في زمرة السعداء

نموذج من التفاؤل:

وإذا أمعن المؤمن في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، سيجد أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يقطع الأمل بربه، ولا يعرف اليأس إلى نفسه سبيلاً، فها هو مع صاحبه في غار ثور في طريق الهجرة إلى المدينة، ويقف المشركون على باب الغار، فيخاف أبو بكر امن أن ينظر أحدهم إلى أسفل قدمه فيراهم، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم  يبعث في نفس صاحبه الأمل بالنجاة والخلاص مما هما فيه، ويقول: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما».

الثاني: التفاؤل السلبي: وهو الخوف والتشاؤم من الحاضر والمستقبل، وعدم توقع الخير في أي عمل أو حركة في الحياة. أي أنه الرؤية المظلمة للأشياء، وقد نهى الله تعالى عن هذه الصفة كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾.

وقد ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم  التشاؤم الذي يرعب الناس ويثبطهم عن الحركة في الحياة بقوله: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر».

وهذا هو التشاؤم المرفوض الذي يجب على المسلم أن يلغيه من منهجية حياته، ويعالج ما يطرأ عليه منه.

آثار التفاؤل الإيجابي:

1 – التعبد الصحيح لله سبحانه وتعالى الذي أمرنا بهذا التفاؤل، والاعتقاد بهذه العقيدة، وعدم خدشها، فقد أمرنا الله بذلك.

2 – الهدوء وعدم القلق، لأن من مصادر القلق التشاؤم الذي يلج منه الشيطان إلى قلب الإنسان، والقلق باب يلج منه كثير من الشرور.

3 – العيش السعيد، لأن الذي يرى الأشياء على حقيقتها يعاملها بمقتضى هذه الحقيقة، فيسعد في حياته، وذلك مثل المصاب الذي يعلم أن الذي قدّر المصائب هو الله سبحانه وتعالى وأمره الله تعالى بالرضا والصبر، فيصبر فتكون له العاقبة الحسنة.

4 – وزن الأشياء بالميزان الصحيح، ومن ثم فالنتائج صحيحة بإذن الله تعالى.

5 – سعادة الحاضر والمستقبل، ولذا جاء في الحديث: «.. فليظن عبدي ما شاء».

6 – النتاج والثمار الطيبة لكل عمل يعمله لأنه بعيد عن القلق الذي يفسد عليه عمله.

عوامل تفعيل التفاؤل الإيجابي:

1 – يقين الإنسان واعتقاده بفهم الحياة، ودوره فيها، فالحياة مبنية على سنة الله تعالى، ومنها: الأسباب والمسببات، والإنسان دوره أن يتعامل مع الأسباب والمسببات، ثم يتوكل على الله تعالى.

2 – استشعار أن الأمور بيد الله تعالى، وقد أحسنت الظن بالله فسيحصل ما فيه الخير بإذن الله.

3 – تنمية العمل بالممكن من الأسباب، فلا أطلب ما لم يكن بقدرتي أو خارجًا عن نظامه لأسباب معينة.

4 – التأمل والنظر في الكون وسائر المخلوقات فهي تقبل وتدبر، وتصغر وتكبر، فليتخذ السعيد منها عبرة ليجعل حياته سعادة.

5 – التأمل في التاريخ وقراءة سير الصالحين والناجحين وعلى رأس السير سيرة الحبيب القدوة عليه الصلاة والسلام، وكيف مرت بهم الأزمات والمحن ومع ذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه من النجاح المستمر.

¡  ¡  ¡

وعليه فليجعل المسلم حياته تفاؤلاً ليعيش سعيدًا في حياته منتجًا في أعماله، ويسعد غيره، وينعم في دنياه وآخرته.