بحث عن بحث

القاعدة الحادية عشرة

مرن نفسك على الحلم والثبات

الحلم من مكونات الشخصية السوية
 

وتمرين النفس على الحلم والثبات من أهم القواعد التي تبني للإنسان المنهجية القويمة في الحياة، والتعجل والتسرع من أهم عوامل الهدم لهذه المنهجية، فالإقبال على أي عمل في الحياة يحتاج أن يكون صاحبه حليمًا يزن الأمور بمنطقية وعقل، ولا ينتظر النتائج المباشرة التي قد تسبب له مشكلات وإحباطات، وقد صدق المثل القائل: في التأني السلامة وفي التعجل الندامة.

فالحلم والثبات في المواقف الصعبة تكوّن الشخصية القوية عند الإنسان، والذي لا يصبر على التحديات والأزمات التي تلاحق مسيرة الإنسان لا يستطيع أن يبني الحياة أو يتقدم فيها خطوة واحدة، لأن الإنسان الذي يعيش عمره في الرخاء الدائم والرفاهية الفاحشة لا يستطيع أن يقف أمام الخطوب التي تهدد حياة البشر في كل لحظة، فكل يوم يمر به الإنسان يحمل معه مفاجآت وأحداثًا جديدة، والتعامل مع هذا الواقع يتطلب التمرين والترويض على الثبات والحلم لمواجهتها بشكل صحيح.

والإسلام علّم أبناءه على اكتساب هذه الصفة وحثهم عليها لتكون لهم زادًا ووقودًا في رحلة الحياة الشاقة والطويلة، وأول من جسّدوا هذه الصفة هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين اتصفوا بالحلم مع أعدائهم وعدم التسرع في اتخاذ القرارات القوية بشأنهم، مع ثباتهم على مبادئ دعوتهم وعدم التنازل عن أية جزئية منها.

القدوة في الحلم والثبات:

والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قدوة عظيمة في الحلم والثبات، مع المحن والأزمات التي كانت تترى عليه من كل جانب، وحادثة الطائف وموقف أهلها منه عليه الصلاة والسلام، تعبّر عن حقيقة الحلم الذي تحلى به صلى الله عليه وسلم  وثباته على المضي طريق الدعوة وتبليغ الرسالة إلى الناس، فقد  جاءه ملك الجبال وقال له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال عليه الصلاة والسلام: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».

فغلب حلمه عليه الصلاة والسلام على غضبه والانتقام لنفسه، بل إنه دعا لهم ولأبنائهم وذراريهم بالهداية والإسلام.

r   عوامل مساعدة على الثبات:

ومن أهم العوامل المساعدة على الثبات:

1 – توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة من العوامل المساعدة للثبات في المواقف الصعبة والحرجة، يقول تبارك وتعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ .

2 – الذكر والاستغفار والدعاء من الأسباب التي يثبت الله بها صاحبها في الأزمات والخطوب، يقول تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .

فالثبات والقوة والحلم من عند الله، يمنحها لمن يشاء من عباده، وهو ما أشار إليه الله تعالى في كتابه حين خاطب رسوله: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا .

3 – قراءة القرآن وتطبيق حدوده وأحكامه من الأسباب المعينة للثبات والفلاح في الدنيا، يقول تعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

4 – نصرة الدين والعقيدة من أسباب قوة المؤمن وثباته وتمكينه في الأرض ونصره على أعدائه، يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  .

5 – التقشف في الحياة والابتعاد عن الرفاهية المفرطة تعين صاحبه على الثبات وتحمل المشاق في المواقف الصعبة، والتمسك بالمبادئ والقيم التي يؤمن بها، لأن الرخاء الدائم والعيش الرغيد والفراش الوثير لا يصنع الشخصية المتزنة التي تصمد أمام التحديات المختلفة، وتكوين الإنسان الذي هو صاحب رسالة في الحياة يحتاج إلى أن يتذوق مرارة الحياة وخشونتها.

عن قتادة قال: سمعت أبا عثمان يقول: أتانا كتاب عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: أما بعدُ: فاتّزروا وارتدّوا، وانتعلوا، وارموا بالخفاف، واقطعوا السراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم وزيّ العجم، وعليكم بالشمس، فإنها حمّام العرب، واخشوشنوا واخلوْلقُوا وارموا الأغراض، وانزُوا نزْوًا، والنبيّ نهانا عن الحرير إلا هكذا: أصْبُعيهِ والوُسْطَى والسَّبابة ، قالَ: فما عَلِمْنَا أنهُ يَعني إلاالأعلام.

6 – الابتعاد عن التعجل والتسرع في التحرك واتخاذ القرارات المهمة، لأن الغالب في التسرع أن تكون نتيجته وخيمة، وعلى العكس إذا كان العمل نابعًا بعد التروي والتفكر فإنه في الغالب يكون سديدًا وناجحًا.

7 – مصاحبة أهل الحلم والعقل، فيكتسب المجالِس لهم هذه السمة منهم بمجالسته، وما يراه من أفعالهم وتعاملهم.

الآثار الإيجابية:

بهذه السمة سيمتلك الإنسان آثارًا إيجابية لحياته كلها، منها:

1 – التعبد لله تعالى على بصيرة، وعدم الانحراف بهذا التعبد، لأن الحلم يساعده على الفهم الصحيح لمعنى العبودية، فيقبل عليها بصدق وإخلاص.

2 – أن قراراته لشؤون حياته ستبقى محكمة غير مضطربة، لأنه أخذها بروية وعدم استعجال.

3 – تصحيح نظرته تجاه الأشياء، فلا ينحرف بالنظرة نتيجة الاستعجال مثل تقويمه للأحداث وموقفه منها.

4 – وضع الشيء في موضعه، فلا ينحرف فيه يمنيًا أو يسارًا.

5 – عدم القلق والاضطراب من أي حدث سلبي لأنه سيأخذه في موضعه الطبيعي، كالمرض وموت قريب ونحو ذلك.

6 – معالجته للقضايا التي تحتاج معالجة ستكون حكيمة وتؤدي إلى نتائجها الصحيحة المرجوة.

¡  ¡  ¡

وهذا كله دليل على أن الحلم والتأني عامل مهم، وقاعدة فذة للحياة الهانئة السعيدة السليمة من الاضطراب والقلق، فمن أراد ذلك فليدرب نفسه على ذلك.