بحث عن بحث

القاعدة الرابعة

الحياة بلا علم تخبط وضياع

المقصود بالعلم القائد إلى النجاة
 

إن العلم الشرعي أهمّ العلوم لسعادة الإنسان ومنهجيته في الحياة، فهو الذي يضبط سلوكه، ويضع الحدود لحركته، ويوصله بسلام إلى ساحل الأمان والنجاة، كما يحدد له الأهداف السامية والوسائل المباحة، وبدون هذا العلم يحدث خلل في مسيرته واضطراب في حركته ومن ثمّ عدم الوصول إلى الغاية السليمة والمرجوة.

أما إذا اعتمد الإنسان على العلم التطبيقي وحده، من غير علم شرعي، في تحديد المنهجية في الحياة، فإن هذه المنهجية ستكون بمثابة حصان أعرج، لا يمكن الاعتماد عليه في كل الأحوال، بل ربما تتحول هذه المنهجية في كثير من الأحيان إلى مصدر للقلق والاضطراب؛ بل وللظلم عند أتباعها، وهي حال الأمم الأخرى من غير  المسلمين.

¡  ¡  ¡

ولا يلزم الناس معرفة العلوم الشرعية بتفاصيلها وفروعها، فهذا شأن طائفة من الأمة، ولكن ينبغي لعموم الأمة أن يكونوا على دراية بما يحتاجون إليه لإقامة دينهم مثل ما عُلم من الدين بالضرورة، كالتصديق بأركان الإيمان ومقتضياتها، وكذلك الإيمان بأركان الإسلام وأدائها بالشكل الصحيح، ومسائل الحلال والحرام - دون الدخول في التفاصيل - وفي كل ما تقوم به حياتهم.

يقول تبارك وتعالى مبينًا ضرورة هذا العلم للأمة: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  ﴾ .

r   معالم في مكانة العلم وثمراته:

وللعلم والعلماء مكانة رفيعة عند الله تعالى، ويظهر ذلك من خلال المعالم الآتية:

1 – أن الآيات الأولى التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمرت بالعلم والتعلم، وذكرت أدوات ذلك ووسائله، فقال تبارك وتعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .

2 – أن الله تعالى رفع من درجة العلماء المؤمنين في الدنيا والآخرة لما عندهم من الحقائق والدلائل على صدق هذا الدين وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم ، يقول تبارك وتعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

3 - أن العلم يشغل صاحبه بمعالي الأمور ويجعله جادًّا في حياته، يعمل ويكدح لأداء رسالته في الحياة على أكمل وجه، ليسعد في الدنيا ويفوز بالآخرة، كما أنه يرفع صاحبه أن يخوض في سفاسف الأمور ويضيع أوقاته في أشياء تافهة لا قيمة لها ولا وزن، يقول الله تعالى: ﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾.

4 – أن العلم يزيد صاحبه إيمانًا ويقينًا بالله تعالى ووحدانيته، وكلما زاد الإنسان علمًا كلما زاد هذا الإيمان واليقين، وبالتالي يزداد الخشية والخوف من الله تعالى، مما يجعله يقبل على الطاعات ويقدم الأعمال الصالحة أكثر من غيره، وهو ما عبّر الله عنه بقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ  .

ويقول تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا    ﴾ .

5 – إن أهل العلم هم أكثر الناس تعاملاً مع الأحداث والأزمات، وهم الذين يقفون في الصف الأول عند حدوث النوازل، يقول تبارك وتعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ .

6 – أهل العلم هم المرجع لكل خلاف أو نزاع بين الناس، كما أمر الله تعالى بذلك بقوله: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾.

لأن أهل العلم على دراية بخفايا الأمور التي تغيب عن عموم الناس، فهم أهل الاختصاص والمعرفة، وقد جاءت الإشارة إلى هذه الحقيقة في كتاب الله تعالى بقوله: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.

7 – العلم الذي يقترن بالعمل الصالح، يسهل على صاحبه خطوب الحياة، كما يسهل عليه طريق الجنة، لقوله صلى الله عليه وسلم : «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة» ابن ماجه، كما أنه سبب لنزول الرحمة والمغرفة على صاحبه، يقول صلى الله عليه وسلم : «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم...».

8 – العلماء ورثة الأنبياء، يقول عليه الصلاة والسلام: «وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر».

9 – العلم فضل من الله تعالى يمنّ به على من يشاء من عباده، ومن أتاه الله تعالى هذا الفضل وأغدق عليه هذه النعمة، فإنها إشارة إلى وجود عنصر الخيرية في هذا الإنسان، وهو ما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم  بقوله: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».

 10 – العلم ينمي العقل ويفتق آفاقه لاكتشاف مزيد من المجاهيل في الحياة، يقول تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾.

11 - العلم يطلع صاحبه على ثقافات الشعوب وعاداتهم، وذلك من خلال القراءة الدائمة في كتب التاريخ والأخبار والسير، وهذا يسهل عليه عملية التعامل مع الأمم الأخرى  بأعراقها ولغاتها وثقافاتها، وبالتالي يستطيع أن يؤثر فيهم بيسر وسهولة، لأن أعلم من غيره عن طبائع هذه الأعراق ورغباتهم، وما يحبونه وما يكرهونه.

12 – وأخيرًا وليس آخرًا، العلم يريح النفس وينزل عليها السكينة والطمأنينة، لأن العالم يعرف أكثر من غيره حقيقة الحياة، ومآل الحياة، وأنها مزرعة لحياة أخرى أبدية، فلا يضيره الضرّاء بل يصبر عليها، كما لا تغريه السرّاء بل يشكر الله عليها، وبذلك  يحدث في نفسه توازن واعتدال، وبالتالي يصعب على الشياطين أن يجدوا إليها سبيلاً.

r   العلم الضار:

أمثلة للعلم الضار
 

ومقابل العلم الشرعي الذي ينفع المجتمع والأمة، فإن هناك نوعًا من العلم لا يزيد من حال صاحبه إلا اضطرابًا وخسرانًا في الدنيا والآخرة، وهو العلم الضار الذي لا يستند إلى الإيمان بالله تعالى أو لا يستند إلى الأخلاق والمعاني الإنسانية الرفيعة، يقول تبارك وتعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ        .

ويقول تعالى: ﴿ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ  ﴾ .

فإن هذا العلم الناقص يساهم في دمار البشرية ونشوب الصراعات بين أبنائها، فتكثر المظالم وتضيع الحقوق وتتلاشى القيم والمبادئ، وهذه الصورة ماثلة أمام الجميع في العصر الحديث.

ومن أمثلة هذا العلم الضار أيضًا ما يتعلق بالسحر والكهانة والخرافات والأوهام والأساطير والخزعبلات والدخول في الغيبيات والعبث بالناس، وادعاء معرفة أحوالهم ومستقبلهم، فهذا كله مما هو ضار، ومن المؤسف أنه منتشر وقد أثر على حياة كثيرين فجعلهم يعيشون في كآبة مستمرة، وتعلق بالسحرة والشياطين، وما علم هؤلاء المساكين أن هؤلاء السحرة لو كانوا يملكون من أنفسهم شيئًا لكانوا رؤساء العالم وملوكهم وأغنياءهم، ولكن هيهات، فهل يعي كل مسلم ذلك؟.

¡  ¡  ¡

وقد شبّه الله تعالى بعضًا من بني إسرائيل الذين حملوا العلم الضار أو لم ينتفعوا بعلمهم تشبيهًا منفّرًا كما جاء في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  .

فأتباع هذا العلم الناقص، شأنهم الإعراض والإلواء عن ذكر الله تعالى عن وسماع كلمة الحق، وهو ما عبر عنه تعالى بقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ .

¡  ¡  ¡

الخلاصــة
 

والحاصل أن المسلم في مسيرة حياته، يجب أن يدرك أن من أهم قواعد مسيرته في الحياة العلم بما يجب عليه أن يقوم به، ليرتاح قلبه، ويطمئن دنيا وأخرى، فعمله صحيح ويرجو قبوله من الله سبحانه وتعالى. وعندما يجهل أمرًا يسأل عنه، وشفاء العي السؤال، والله جل وعلا يقول: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾.

فلمن ينشد الطمأنينة والراحة النفسية فليسجل في برنامج حياته قاعدة مهمة هي (طلب العلم).