بحث عن بحث

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن جحد عبوديته الجاحدون، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن على نهجه يسيرون، أما بعد:

 عباد الله: آية نقرؤها ونسمعها في كل خطبة جمعة، ونتجاوب معها بألسنتنا، وتصدح بها مساجدنا، وهي قوله جل وعلا: )إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً([الأحزاب: 56] صلى الله على نبيه محمد، وصلى عليه الملائكة، وأمر عباده المؤمنين بالصلاة والسلام عليه - عليه الصلاة والسلام- هذه مرتبة عليا أن يأمر الخالق جل وعلا عباده المؤمنين بأن يصلوا ويسلموا على رسوله صلى الله عليه وسلم وقبلها بأن يصلي عليه الله سبحانه وتعالى والملائكة الأبرار.

الصلاة من الله على العباد هي الثناء في الملأ الأعلى، أما الصلاة من العباد إلى العباد فهي دعاء الله جل وعلا بالرحمة لهؤلاء المصلَّى عليهم.

هذه المرتبة العليا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن نفقهها، وأن نعلم مقتضاها، رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي اصطفاه من الخلق، وحملَّه الرسالة، وأمره بإبلاغها، رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله إلى الناس أجمعين بينما بقية الرسل بعثوا إلى أقوامهم خاصة، رسول اللهصلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل، وهو أفضلهم في الدنيا والآخرة حيث يعتذر أولوا العزم من الرسل عن الشفاعة حين يحشر الخلق أجمعين في المحشر فيأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها »، وهو أول من تفتح له أبواب الجنة صلى الله عليه وسلم، وأول من يدخلها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة السمحة كما قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة»، وأرسله الله جل وعلا رحمة للناس أجمعين )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(. [الأنبياء: 107]. فهو الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم هدى به الله الناس من الضلالة، وأنقذهم من الهلاك، ورفع مكانتهم في الدنيا، ورفع مكان أمته بين الأمم في الآخرة، فهم آخر الأمم، وهم أفضلها يوم القيامة.

رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله الله سبحانه وتعالى القدوة للخلق أجمعين )لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر(.[الأحزاب: 21]، أُعطِي أفضل الخُلُق صلى الله عليه وسلم كما شهد له بذلك المولى جل وعلا )وإنك لعلى خُلُق عظيم([القلم: 4]. وصف الله خُلُقه بالعظيم، وترجمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذا الخُلُق لما سُئلت عن خلقه عليه الصلاة والسلام فقالت: « كان خُلُقه القرآن ».

رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله اتباعه يوصل إلى أعالي الغايات كما يوصل إلى محبة الله جل وعلا، ومَنْ يطلب أعلى من ذلك؟ )قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله([آل عمران: 31]، ومن أحبه الله كان الله معه في دنياه وآخرته، ومن كان الله معه فمعه الجند الذي لا يُغلب، ومعه الطمأنينة التي لا تنقطع، ومعه كل الرضا. قال أبو بكر t: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين، قلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».

وقد جعلت محبة النبي صلى الله عليه وسلم بعد محبة الله، وهما ما يذوق بهما العبد حلاوة الإيمان. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»، وجُعِلت محبته صلى الله عليه وسلم أفضل المحاب، ومن أعلى شعب الإيمان. فعن عبد الله بن هشام، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر»، ولذا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم محبته كمال الإيمان: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

أيها المسلمون: وما جُعِلت طاعة أحد قرينة لطاعة الله إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم )يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم([النساء: 59]، وفي آية أخرى: )وأطيعوا الله ورسوله([الأنفال: 1] ولا تكمل طاعة الله إلا بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر من البشر، ينام ويستيقظ، يأكل ويشرب، هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ما طلب المشركون وادعوا بأن يكون ملكاً من الملائكة، بل هو بشر شرَّفه بالعبودية له فقال:)سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى([الإسراء: 1]. بعثه الله على رأس الأربعين بالنبوة، وأرسله بعد ذلك إلى الناس كافة فلقي منهم ما لقي، وابتلي من البلايا ما ابتلي، وما من بلاء ينزل على البشر إلا وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم نصيباً من هذا البلاء.

وُلِد يتيماً، ونشأ يتيماً، وماتت أمه وهو صغير، ومات جده وهو صغير، ولقي من شظف العيش ما لقي صلى الله عليه وسلم، ولما بُعِث بالنبوة سانده عمه أبو طالب، وزوجه أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- ثم ماتا في عام واحد سماه أهل التاريخ (عام الحزن).

عُذِّب النبي صلى الله عليه وسلم وأُهين من قريش، وُضِع على ظهره وهو ساجد سلا الجزور، استهزؤا به وسخروا منه، قالوا ساحر، قالوا مجنون، قالوا شاعر، قالوا كاهن، قالوا يستمع من الكهان، قالوا وقالوا، وما ذاك كله إلا ليصدوه عن تبليغ رسالة ربه، بل وصل بهم الأمر حتى أغروه بالجاه والمال وأن يتزوج أجمل نسائهم وأن يكون أغناهم وأن يكون رئيسهم، ولكن ذلك كله لم يُؤَثِّر فيه صلى الله عليه وسلم، بل زاد الأمر بذلك حتى عذبوا أصحابه رضي الله عنهم وهو ينظر في حر الشمس القائلة ويمر عليهم ويقول: « صبرا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة»، بل رُمي بعرضه صلى الله عليه وسلم واتهمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولا زال بعض المنحرفين وبعض الفرق الضالة يرمون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالبهتان والفاحشة، والله من فوق سبع سماوات قد برأ عرض رسوله، ولذا من قذف أحداً من الناس فإنه يحد ثمانون جلدة، لكن من رمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقد كفر بالله وسوله؛ لأنه كذَّب بالقرآن والله جل وعلا برأها بالقرآن.

جُرِح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكُسِرت رباعيته، ومرض أشد المرض، فدخل عليه عبد الله بن مسعود وهو يوعك، فقال: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدا؟ قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم».

هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بلَّغ رسالة ربه، وأوذي فيها حتى أتاه النصر، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وشهد له الله جل وعلا بذلك، وشهد له الناس بذلك في حجة الوداع عندما قام بهم خطيباً يوم النحر، وقال: «يا أيها الناس أي يوم هذا؟»، قالوا: يوم حرام، قال: «فأي بلد هذا؟»، قالوا: بلد حرام، قال: «فأي شهر هذا؟»، قالوا: شهر حرام، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه فقال: « اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت » فطأطأ أبو بكر رضي الله عنه رأسه وأخذ يبكي، عرف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعهم بهذه الخطبة، وقال عليه الصلاة والسلام: « لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا».

هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقد أُمِرنا بأن نصلي ونسلم عليه، صلى الله وسلم وبارك عليه كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون، صلوات ربي وسلامه عليه.

اللهم اجعلنا ممن أطاعك وأطاعه يارب العالمين، اللهم اجعلنا من أتباعه، اللهم أحيينا على سنته، وأمتنا على سنته، واحشرنا في زمرته، وارزقنا صحبته، وأشربنا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبدا.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، والحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله من فضله العظيم كما أحيانا على سنته وجعلنا من أتباعه أن يميتنا على ذلك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله: اعلموا أن من مقتضى الصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم الإيمان به إيمانا لا يخالطه شك، وأن تُسَلِّم قلوبنا بهذا الإيمان. )إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا([النور: 51]، )وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم([ الأحزاب: 36] هكذا يجب أن نطيعه فيما أمر، وأن نتبعه تمام الإتباع، وأن نجتنب ما نهى عنه وزجر. )وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا(. [الحشر: 7].

مقتضى الإيمان به أن نتبع سنته حذو القذة بالقذة كما قال عليه الصلاة والسلام: »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة»، وأن ننشر سنته صلى الله عليه وسلم بين الخلائق أجمعين، قال صلى الله عليه وسلم: « بلغوا عني ولو آية»، وقال صلى الله عليه وسلم: » نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه، فرب مبلغ أحفظ له من سامع».

مقتضى الصلاة والسلام عليه أن نكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم وبخاصة يوم الجمعة، قال صلى الله عليه وسلم: « من صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا»، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: «أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة؛ فإنه مشهود، تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي علي، إلا عرضت علي صلاته، حتى يفرغ منها»، وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم».

والصلاة والسلام عليه من أفضل الذكر ومن أفضل العبادات، فهي تفرج الهموم، وتكشف الغموم، وتعطي السكينة والطمأنينة، وتُذَكر به عليه الصلاة والسلام، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» فصلى الله وسلم وبارك عليه -عليه الصلاة والسلام- بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

أيها المسلمون: ما بال أقوام لا يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلمإلا في ليلة من السنة يَدَّعون ميلاده فيها، وما بال أقوام لا يذكرونه صلى الله عليه وسلم إلا في مناسبات معينة كمناسبة الإسراء والمعراج، وما بال أقوام يذكرون ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يخالفون ذلك بأعمالهم، عن الصلاة منشغلون، وعن الزكاة قابضون، وعن البر والإحسان جاحدون، وعن أعمال الخير لا يتقدمون، وما بال أقوام يخالفون رسول الله صلى الله عليه وسلمبأن يدعونه من غير الله أو يتبركون بضريحه صلى الله عليه وسلم من دون الله، ويشركون مع الله، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله عند موته: « لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ونهى عن ذلك  صلى الله عليه وسلم ولم يأمر إلا بعبادة ربه وحده. )وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان([ البقرة: 186]، فما بال أقوام يجعلونه واسطة يدعونه من دون الله، والله لم يجعل بينه وبين عباده واسطة.

وما بال أقوام يخالفون أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بارتكاب المحرمات أو المشتبهات أو المكروهات، وقد حذر الله جل وعلا من ذلك )فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم(. [ النور: 63].

وما بال أقوام لا تتحرك قلوبهم عندما يُستهزأ برسول الله، أو يُخالف شرع الله الذي أُنزِل على رسوله صلى الله عليه وسلم، أو عندما يُستهزأ بالقرآن، نعم لقد قال الله عنه: )إنا كفيناك المستهزئين([الحجر: 95]، ولقد حفظ الله ذكره من الكتاب والسنة إلى يوم القيامة )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون([الحجر: 9]، ولكن عباد الله من الخير للعبد أن يسهم بالدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن سنته وأن ينشرها، وأن يذب عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذب الصحابة -رضي الله عنهم – عنه.

هذا هو الذي يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه حقيقة لا بلسانه، وهذا هو الذي يشفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم القيامة، وهو الذي يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، ويشرب من حوضه صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن معي رجال منكم ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ».

  1. )إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما([الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

@@@@