بحث عن بحث

الكلمة أهميتها وخطورتها

الخطبة الأولى

الحمد لله خلق الإنسان في أحسن تقويم، أحمده سبحانه وأشكره، فهو العليم الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحمن الرحيم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله تعالى وراقبوه في جميع أحوالكم وأقوالكم وأعمالكم وفي كل ما منحكم من النعم الكثيرة والآلاء الجسيمة.

أيها المسلمون: خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم، وفضَّله وشرفه على سائر المخلوقات كلها، شرَّفه بالعقل، الذي يميز به بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، وبين ما يصلحه في الدنيا وينفعه في الآخرة، كما شرفه الله جل وعلا بأداة عظيمة يعبر فيها عما يريد، يستطيع أن يرفع بها نفسه إلى أعالي الدرجات في الدنيا وفي الآخرة، كما إذا استخدمها الاستخدام الآخر فقد تهوي به في النار سبعين خريفاً. يبين ذلك أبو هريرة رضي الله عنه في الحديث الصحيح: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم».

ذلكم عباد الله هو اللسان، يعبر به الإنسان عن مكنوناته وحاجاته، به يذكر الله، ويقرأ القرآن، ويأمر بالمعروف وينشر الحق وينهى عن المنكر، ويصلح بين ذات البين.

بهذا اللسان قد يقول الغيبة والنميمة والكذب والسباب والشتائم وقول الزور وغيرها، فضلا عن الاستهزاء بالله وبرسوله وبدينه وبشرعه.

هذا اللسان أخبر الله جل وعلا أن خطره عظيم وسيجد الإنسان ذلك يوم القيامة، قال جل وعلا: ) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد( [ق: 18]يسجل كل قول قاله، نافعاً أو ضاراً، حسناً أو سيئاً، ولذلك كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يهتم به أعظم الاهتمام.

النبي - عليه الصلاة والسلام- يحب معاذ بن جبل رضي الله عنه ودائماً يوصيه، قال في إحدى الوصايا: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»، فقال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»، وفي الوقت نفسه يوصيه النبي  صلى الله عليه وسلم  ويقول له: « يا معاذ كُفَّ عليك هذا» ويشير إلى لسانه، يقول معاذ رضي الله عنه: «أو مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله»، قال: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» هكذا يعبر النبي  صلى الله عليه وسلم  عن خطورة الكلمة في هذه الحياة، وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم خطورة اللسان، ولذا كانوا يكفون آخذين بوصية النبي  صلى الله عليه وسلم  « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».

أيها المسلمون: إن العاقل الحصيف الذي يدرك غاياته، ويُعِدُّ العدة لمستقبله أن يستخدم هذه الآلة فيما تنفعه في الدنيا والآخرة.

انظروا واسمعوا إلى ما أعد الله جل وعلا لهذا الصنف ومن ذلك من يقرأ القرآن الكريم، يقول صلى الله عليه وسلم : « من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»، ففيها ثلاثون حسنة، وهي كلمة لا تتجاوز أقل من ثوان معدودة، فما بالكم بمن يقرأ صفحة من كتاب الله كم يحصِّل من الحسنات؟

وفي الذكر عباد الله يبين النبي صلى الله عليه وسلم  عِظَم ما يُكتَب للإنسان من الحسنات فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: « من قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر»هكذا يفعل الذكر وهو أمر يسير على اللسان قد يقضيه الإنسان وهو في مشوار في سيارته، أو في انتظار عند طبيب، أو وهو يمشي على قدميه، أو وقت فراغ له، ما بالكم بمن يواظب على ذلك.

وقول المعروف والأمر به، يقول  صلى الله عليه وسلم : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» تأمر بالصلاة، أو بأي أمر فيه خير لولدك، أو لجارك، أو لإنسان مار ثم يصلي ويتذكرها بناء على كلامك، فكلما عمل بهذه الصلاة فلك مثله ولله الحمد والمنة.

كم يُحصِّل الإنسان من الحسنات العظيمة وهو قول قد لا يعبأ به، ومن هنا ندرك قوله  صلى الله عليه وسلم : « إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم»، ومن أعظم الكلام كلمة التوحيد، اسمعوا ماذا تفعل بصاحبها «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، واسمعوا أيضاً ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : « إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء». هكذا هي كلمة التوحيد.

وهكذا عباد الله يجلب العبد لنفسه حسنات كالجبال يوم القيامة، فضلا عما تفعله هذه الكلمات من أثر عظيم على حياته الدنيوية من الطمأنينة والأمان، وجلب الرزق، والثقة بموعود الله جل وعلا، وصلاح الحال والمآل، وصلاح الذرية وغير ذلك من تفريج الهموم، وكشف الغموم، وتنفيس الكروب؛ لأن هذه الكلمات تكون حرزاً للعبد عن الشيطان فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، قال: « من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك ».

ولما جاء الفقراء إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  يشكون حالهم لأن إخوانهم الأغنياء سبقوهم بالحسنات، دلهم النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى ما يملكون وهو اللسان بأن يستخدموه في الذكر، فعن  أبي ذر رضي الله عنه، أن ناسا من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  قالوا للنبي  صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».

هكذا تستخدم هذه الأداة بكل خير، فما بالكم إذا كانت هذه الدلالة واستخدام هذه الآلة بما ينفع الآخرين فيكون الأجر مستمراً إلى يوم القيامة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: « من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا».

أيها المسلمون: وفي المقابل أيضاً من يطلق لهذه الآلة العنان، ويستخدمها كيفما شاء، ولم يلجمها بلجامها حينئذ ترديه المهالك حتى تسقطه في قعر جهنم والعياذ بالله.

ومن ذلكم كلمة الكفر والعياذ بالله من الاستهزاء بالله أو برسوله أو بشرعه أو بدينه كما في قصة المنافقين عندما رجعوا مع النبي  صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك واستهزؤا بالنبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه، رموهم بأنهم أصحاب بطون وأكلة، ولم يقصدوا وجه الله في هذه الأعمال، حينئذ أنزل الله جل وعلا على رسوله )أكفرتم بعد إيمانكم( [آل عمران: 106] مهما اعتذروا، ومهما قالوا لا ينفعهم حينئذ، وعلى هذا فالغيبة، والنميمة، والكذب، والبهتان، وقول الزور، والغش، والتدليس، والأيمان الباطلة، والحلف الكاذب لترويج السلعة، والدلالة على الشر والأمر به، والنهي عن المعروف والأمر بالمنكر كل هذا مما يردي الإنسان، يخبر النبي  صلى الله عليه وسلم  عندما  قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- للنبي  صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية كذا وكذا -تعني قصيرة- فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»، فما بالكم عباد الله بمن تكون فاكهة مجالسهم بالغيبة والنميمة والكذب فيُحصِّلون بعض الحسنات في صلاتهم وزكواتهم ويأتون يوم القيامة ينهشهم هذا، ويأخذ منهم هذا كما أخبر النبي  صلى الله عليه وسلم  بقوله: « أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيقعد ف يقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار»والعياذ بالله.

أسأل الله جل وعلا أن يعيننا على أنفسنا، وأن نستخدم جوارحنا في طاعته إنه قريب مجيب.

نفعني الله وإياكم بالكتاب والسنة، وما فيهما من الهدي والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الأولى والأخرى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله: ما بال أقوام يقضون ليلهم ونهارهم ومجالسهم وفي سياراتهم وعند انتظار ما يريدون بالقيل والقال، وكثرة السؤال، والغيبة والنميمة، والكذب، وقول الزور، والأيمان الكاذبة والحلف بالباطل، وكل هذا عباد الله مسجَّل على الإنسان وإن كان صغيرا )فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره([الزلزلة: 7-8]

أيها المسلمون: وفي معنى الكلام ما يكتبه الإنسان في صحيفة أو في النت أو في كتاب أو في أي مكان هو في منزلة الكلام، فما بالكم بمن سخَّر قلمه لهدم هذا الدين أو تشويه حقائقه أو محاسنه، أو لسب عباد الله أو التنقص منهم فضلا عن أن يكون ذلك لعلمائهم ومرشديهم فهذه مما تجذ الحسنات جذاً، فالأمر جدُّ خطير عباد الله.

وفي عالم النساء من القيل والقال في الهاتف وفي غيره فضلا عن رسائل الجوال وما جدَّ من قنوات التواصل وغيرها واستخدامها في غير مجالها ليلا ونهارا.

ألا يعلم أولئك أنهم مبعوثون، وأن هذه الأحرف مسجلة عليهم سيجدونها في صحائفهم مهما قلَّت ومهما تنقصوا شأنها وإن كانت على سبيل النكت أو السخرية أو غير ذلك، فالأمر جدُّ خطير، فهذا اللسان سينطق بما تحدثت به وسيشهد عليك أمام الله.

فاتقوا الله عباد الله، وخذوا للأمر عدته، واستأنفوا حياتكم بالذكر والقرآن وقول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح ذات البين، وإذا قلتم قولوا عدلاً، وإذا تكلمتم تكلموا حسناً كما أمر الله جل وعلا ) وقولوا للناس حسناً( [البقرة: 83]، وكما كان النبي  صلى الله عليه وسلم  فيما أخبر الله عنه )ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك(.[ آل عمران: 159]

وكم من الناس من ارتفع شأنه بحسن كلامه في الدنيا، وكم من الناس مهما عمل من انحط شأنه وإن كان يعمل من الصالحات ما يعمل لسوء كلامه، فتخيروا من الكلام أفضله وأحسنه تكونوا مقتدين بمحمد  صلى الله عليه وسلم  فعن أم المؤمنين عائشة: أن رجلا استأذن على النبي  صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه قال: « بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة» فلما جلس تطلق النبي  صلى الله عليه وسلم  في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة، متى عهدتني فحاشا إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره» فكان يتخير من الكلام أحسنه حتى مع غير المسلمين من اليهود وغيرهم، عن عائشة، رضي الله عنها  قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله» فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : « قد قلت: وعليكم». فقد اختار اللفظ الحسن عندما ردَّ عليهم، وكما نعلم في تاريخنا الماضي لم يدخل كثير من أهل شرق آسيا للإسلام إلا بحسن المعاملة والتلطف مع أهلها حتى دخلوا في دين الله أفواجاً، ولذلك عندما أنزل الله على نبيه ما يكون في شأن الدعوة، قال: )ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن( [النحل: 125]؛ لأن الدعوة من أفضل الكلام )ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله( [فصلت: 33] فيجب أن تكون بأحسن الكلام، هكذا يجب أن يعوِّد المسلم نفسه، وإذا استخدم الكلام السيء في المجلس فعليه أن يقلبه إلى كلام حسن، وإن لم يستطع فيخرج من المجلس، وإن لم يستطع فيسكت ولا يخالط الناس بكلامهم السيء، فقد أخبر الله جل وعلا عن عباده المؤمنين أنهم عن اللغو معرضون.

ثم صلوا وسلموا على من كان كلامه أحسن كلام البشر - عليه الصلاة والسلام-، كما أمركم الله جل وعلا في محكم كتابه العزيز حيث قال: ) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً( [الأحزاب: 56].