بحث عن بحث

أنواع القلوب

الخطبة الأولى

الحمد لله يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل، أحمده سبحانه وأشكره على آلائه ونعمه الغزار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الجبار القهار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأبرار الأطهار والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تتابع الليل والنهار، أما بعد عباد الله:

اتقوا الله تعالى ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أيها المسلمون: كل إنسان يسعى لما فيه سعادته في الدارين، وفي خضم سعيه ينسى أو يتناسى أو يتغافل عن مركز الانطلاق لهذه السعادة وذلك ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

يقرر النبيصلى الله عليه وسل مأن مصدر سعادة المرء في هذه الحياة أو شقاوته هو القلب، فإذا صلح هذا القلب صلح سائر الجسد، وإذا فسد هذا القلب فسد سائر الجسد.

وهذا عباد الله يحتم على المسلم بل على الإنسان أن يتنبه إلى قلبه، وأن يعود إلى معاهدته وإصلاحه حتى يصلح حاله كله، وإن لم يصلح فمآله للأخرى وهي الفساد والعياذ بالله، وإذا فسد هذا القلب فسد شأن الإنسان فسد بدنه، وفسدت حاله، وفسدت دنياه وآخرته، وشقي في هذه الحياة، وشقي فيما بعد هذه الحياة في القبر وما بعد القبر حتى يلج إلى النار والعياذ بالله.

أما إذا عاهد المرء نفسه بأن أصلح قلبه، وسعى لإصلاحه، ورمم ما يحتاج منه إلى ترميم، وغسل منه ما يحتاج إلى غسل، حينئذ سعد في هذه الحياة، وسعد في قبره، حتى يلج الجنة ويتنعم برضا الله سبحانه وتعالى.

أيها المسلمون: القلوب لا تخرج عن ثلاثة: إما قلب ميت والعياذ بالله، أو قلب مريض، أو قلب سليم.

أشار إليها المولى جل وعلا في كتابه فقد أشار إلى القلب السليم بقوله سبحانه: )يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم([الشعراء: 89]، وأشار إلى القلب الميت بقوله جل وعلا )ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه([الكهف: 28]، وأشار إلى القلب المريض بقوله: ) فيطمع الذي في قلبه مرض([الأحزاب: 32] عندما نهى النساء عن الضرب بالأرجل بالخلخال.

أما القلب الميت فهو قلب الكافر والمنافق والعياذ بالله الذي طغى عليه الكفر والشرك والنفاق، وحينئذ لا حيلة فيه إلا أن يحييه الله بعد أن كان ميتا بأن يعود إلى دين الله.

أما القلب المريض فهو القلب الذي خالطته المعصية، فتارة يغلبه هواه، وتارة يغلب هواه، تارة يتغلب على ترك المعصية، وتارة يفعلها، فهذا قلب مريض يحتاج إلى علاج حتى لا يطغى هذا المرض فيُهلك هذا القلب؛ لأن المرض مثل النقطة السوداء في القلب فإذا ما تكاثرت هذه النقط غطَّت على القلب حتى أماتته والعياذ بالله.

أما القلب السليم فهو القلب الحي الذي يلجأ إلى ربه ويتعاهده، فيتعاهد قلبه بأدوات التعاهد التي تحيي القلب، ومن أهمها بل هو أهمها وهو أصلها وأسها وأساسها هو توحيد الله جل وعلا، وإفراده بالعبادة، واللجوء إليه في جميع الأحوال والظروف منفذاً أوامره، مجتنباً نواهيه، يسمع أمر الله فيستجيب، ويسمع نهيه فيجتنبه، وهكذا هذا القلب يتقلب بين طاعة وطاعة، يلجأ إلى مولاه حال يقظته من نومه، وعند لجوئه، تراه يذكر الله عند نومه بتوحيده بأن يقرأ (آية الكرسي)، و( قل هو الله أحد)، و (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس )، كلها دالة على توحيد الله جل وعلا، وإذا استيقظ من نومه كذلك يلجأ إلى ربه بالذكر والدعاء وهذا علامة حياة القلب عباد الله.

أيها المسلمون: إن أعظم ما يروي القلب ويحييه في هذه الحياة توحيد الله جل وعلا؛ وذلك بأن كانت الغاية من بعثة الخلق وإرسال الرسل وإنزال الكتب لبيان هذه العبودية.

أيها المسلمون: بعد تحقيق التوحيد تأتي الطاعات الأخرى التي هي مادة لإحياء القلب كقراءة القرآن، والله جل وعلا أشار إلى ذلك )أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها([محمد: 24]، فالقرآن مفتاح لهذا القلب، لحياته وسعادته وراحته وطمأنينته وهدوءه وسكينته وعيشه العيش الرغيد، أما إذا كانت الأخرى وأعرض الإنسان عن القرآن والذكر فله المعيشة الضنك كما بين ذلك ربنا جل وعلا.

وبقدر ما تكون حياة القلب تكون طمأنينته وسعادته، وبقدر ما يكون عليه من ظلمة المعاصي التي تنكت فيه نكتًا سوداء يكون الضنك والعياذ بالله.

ومما يسعد به القلب ويحيا كثرة الأذكار من الذكر المطلق أو الذكر المقيد بوقت أو مكان أو حال كلها مادة لحياة القلب، وقد أشار ربنا جل وعلا إلى ذلك بقوله: )الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب(.[الرعد: 28]

ومن ذلكم عباد الله اللجوء إلى الله بالدعاء وكثرته، وكثرة الاستغفار فالرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك حتى مع نفسه. قال عليه الصلاة والسلام: « إنه ليغان على قلبي – يعني أجد شيئًا من الغمة على قلبي حتى استغفر الله- وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة »، وإذا كان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بالك بسائر الخلق.

أيها المسلمون: ومما يحيي القلب النظر إلى حال المرضى والموتى، وزيارة القبور، وزيارة المرضى وعيادتهم فيرى العبد نعمة الله جل وعلا عليه بأن أبقاه حياً سليماً صحيحاً معافى، أفلا يحيا قلبه حتى إذا ما لاقى الله جل وعلا لا قاه بقلب حي سليم.

وقد أشار رسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى الكبير بقوله: « إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة» والقلب الذي يتذكر الآخرة ويسعى لها إنما هو قلب حي.

أيها المسلمون: حالة القلب حالة متقلبة؛ ولذلك يجب على المسلم أن يعاهد قلبه حتى يكون مستمراً على طاعة الله جل وعلا، ولذا كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام :« يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك »، ونحن نقول: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وعلى طاعتك، ويا مصرف القلوب اصرف قلوبنا لطاعتك، اللهم أعنا على أنفسنا، وأحيي قلوبنا بالإيمان، وبالأعمال الصالحة يا رحمن.

نفعني الله وإياكم بالقرآن والسنة، وما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

@@@@

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

عباد الله: على المسلم وهو قد سمع ما يحيي القلب أن يتجنب ما يمرضه وما يميته، وذلك عباد الله بتجنب سائر المعاصي، وأهمها وأعظمها وأكبرها هو الشرك بالله أو الكفر به سبحانه أو التلون بألوان النفاق، كل ذلك مما يميت القلب والعياذ بالله.

ومما يمرضه سائر المعاصي الأخرى من التساهل بالصلاة أو أداء الزكاة أو التعامل بالمحرم وأكل المحرمات ونحو ذلك.

ومن ذلكم استعمال الملهيات التي تغفل القلب وتصده عن ذكر الله جل وعلا، والتي ابتلي بها كثير من المسلمين والمسلمات حتى أماتت كثيراً من القلوب وأضعفت كثيرا من القلوب وأمرضت كثيرا من القلوب فلا يسمعون لموعظة، ولا يتعظون بعظة، وإنما طغت على قلوبهم وأغفلتهم تلك الغفلات فصاروا يتتبعون الملاهي من هنا ومن هناك، وبخاصة عندما وصلت إلى قعر البيوت من النت وغيره حتى طغت على القلوب فيسمع الإنسان المؤذن وهو عند الآلة، ويسمع إقامة الصلاة وهو عند الآلة، ولا يتحرك قلبه والعياذ بالله.

وإذا حُدِّث عن أكل المحرم أو التعامل بالمحرم وذُكِر له أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأن هذا المحرم يحجب الدعاء فيطغى على القلب فيغفله، ويصده عن ذكر الله ومن ثم يميته والعياذ بالله، قال: إن الناس كلهم كذلك ولو لم يكن ذلك لما رأيته موجودا في مجتمعات المسلمين، وهذا من عمق الغفلة والعياذ بالله.

وآخرون عباد الله لا يقرؤن القرآن ولا يذكرون الله صباحا ولا مساءا، وإما هم في لهو مع هذه الدنيا، مع الدينار والدرهم حتى طغت على قلوبهم وصاروا لا يذكرون الله إلا قليلا، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

وآخرون تلبست الشبهات على قلوبهم فصاروا يركضون وراء كل شبهة عن هذا الدين، فصار هذا بعد أن كان حراما أو ممنوعا أصبح حلالا، وبعد أن كان مرفوضا من المجتمع أصبح سائغا حتى طغى على كثير من المعاصي والعياذ بالله.

وأعظم من ذلك من يُزين المعصية للناس والعياذ بالله، فهذا يصدق عليهم قوله عليه الصلاة والسلام: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ».

ألا فلنتذكر قوله سبحانه وتعالى: )يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم([الشعراء: 89]، ألا فاذكروا الله سبحانه وتعالى، واحمدوه واشكروه على أن متعكم بنعمة الحياة، وأوجدكم فيها، وأن متعكم بنعمة الإيمان والإسلام وشرع لكم هذا الدين، وجعلكم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنعم علينا بالنعم المتوالية، والآلاء المتتالية، فله الحمد والشكر، فعلينا أن نحيي قلوبنا حتى تكون قلوبا سليمة، أسأل الله أن تكون كذلك.

ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والرحمة المهداة، كما أمركم الله جل وعلا في محكم كتابه العزيز حيث قال: )إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما([الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

@@@