بحث عن بحث

الــحــلــــقــــــة :  (  40  )   أدب الـجــــــــــــــــــــــــــــــــــــوار

للجار حقوق كثيرة وعديدة ليست لغيره من المسلمين ، وعليه واجبات ليست على غيره ، وهي في الجملة دائرة على ثلاثة حقوق كبرى: الإحسان إلى الجار ، واحــتــمــال الأذى مـنــه ، وحفظه وحمايـــتــــــه ، وكف الأذى عنـــــه .

ومما لا شك فيه أن أولى الجيران بالرعاية والإهتمام والإحسان بعد كونه مسلما من كان بابه أقرب إلى بابك ، وإلى هذا أشار البخاري رحمه الله حين قال: باب: حق الجوار في قرب الأبواب، وأدرج تحته ما ورد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا »(1)لأنه المــــراد بـــــــقــــولـــــه تعـــــــالى :{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ} على أحد الأقوال، وقد قُدِّم في الذكر على الجار الجنب اهتماماً به واعتناء بشأنه، ففيه إيماء إلى تقديمه عند المضايقة(2).

وَقَالَ الْمُهلب: وَإِنَّمَا أَمر بالهدية إِلَى من قرب بَابه لِأَنَّهُ ينظر إِلَى مَا يدْخل دَار جَاره وَمَا يخرج مِنْهَا، فَإِذا رأى ذَلِك أحب أَن يُشَارك فِيهِ، وَأَنه أسْرع إِجَابَة لجاره عِنْدَمَا ينوبه من حَاجَة إِلَيْهِ فِي أَوْقَات الْغَفْلَة والغرة، فَلذَلِك بَدَأَ بِهِ على من بعد بَاب دَاره وَإِن كَانَت دَاره أقرب(3).

ويعظم حـق الجـــــار والأمــــــــر بالإحســــــــــان إليــــــــــــــــــــــــه إذا كان ذو رحـــم فكلما كان الجار قريبًا لك كان أولى بالصلة والإحسان والبر وتقديم المعروف وجلب المنفعة إليه ورفع الضر عنه .

فمن حقوق الجيران : الإحسان إليهم ، والإحــسان من شيم الكــرام فقد أمر الله سبحانه وتعالى بذلك في كتابه فقال سبحانه: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ}(4).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره »(5) وفي رواية: «فليحسن إلى جاره»(6)

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنهقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا ، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ»(7).

وفي رواية أخرى عنهرضي الله عنهقَالَ : إِنَّ خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي : «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ»(8).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « يَا نِسَاءَ  الْمُسْلِمَاتِ ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا ، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ »(9).

قال الحافظ ابن حجر : قَوْلُهُ فِرْسِنَ هُوَ عَظِيم قَلِيلُ اللَّحْمِ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ مَوْضِعُ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّاةِ مَجَازًا وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِهْدَاءِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَقَبُولُهُ لَا إِلَى حَقِيقَةِ الْفِرْسِنِ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ أَيْ لَا تَمْنَعُ جَارَةٌ مِنَ الْهَدِيَّةِ لِجَارَتِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا لِاسْتِقْلَالِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ وَذِكْرُ الْفِرْسِنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحْتَقِرُ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ تَهَادَوْا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَيُذْهِبُ الضَّغَائِنَ وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّهَادِي وَلَوْ بِالْيَسِيرِ لِأَنَّ الْكَثِيرَ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ كُلَّ وَقْتٍ وَإِذَا تَوَاصَلَ الْيَسِيرُ صَارَ كَثِيرًا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمَوَدَّةِ وَإِسْقَاطُ التَّكَلُّفِ ) ا.هـ(10)

ويدخل في إكرام الجيران والإحسان إليهم : سلامة القلب عليهم، وحب الخير لهم ، ومشاركتهم في المناسبات المختلفة ، وتفقد أحوالهم، وحفظهم في أهلهم وأولادهم في غيبتهم ، وهو من جملة الإحسان التي ندب إليها النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَصلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ»(11).

قال ابن تيمية رحمه الله: أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ تُوجِبُ لِكُلِّ مِنْ الْحَقِّ مَا لَا يَجِبُ لِلْأَجْنَبِيِّ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا لَا يَحْرُمُ لِلْأَجْنَبِيِّ. فَيُبِيحُ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْجَارِ الْخَالِي عَنْ ضَرَرِ الْجَارِ وَيَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْمُنْتَفِعِ إذَا كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ(12).

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ»(13).

لكــــن ذكر بعض الفقهاء أنه لا بـــــــــــــــد من مراعاة عدة أمور :

أولاً: أن يكون البناء لا يضر بالجدار.

ثانياً: أن يكون الجار الآخر مضطراً لذلك .

ثالثاً: أن لا توجد طريقة أخرى يمكن بواسطتها البناء، إلا بالاعتماد على جدار الجار.

فإن اختل أحد أو بعض هذه الأمور فإنه لا يجوز للجار المستفيد البناء والاعتماد على جدار جاره لما في ذلك من الإضرار الذي  نهى عنه الشرع  كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار »(14).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري في "صحيحه" (3 / 88) برقم: (2259) ( كتاب الشفعة ، باب أي الجوار أقرب     ) ، (3 / 159) برقم: (2595) ( كتاب الهبة وفضلها ، باب بمن يبدأ بالهدية          ) ، (8 / 11) برقم: (6020) ( كتاب الأدب ، باب حق الجوار في قرب الأبواب              ) .

(2) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ( ج 3 /141 ) رقم : 8310 .

(3) عمدة القاري ( ج 12 / 76 ) .

(4)   الــنــــــســــــــــــــــاء ( 36 ) .

(5) أخرجه البخاري في صحيحه ،كتاب الأدب باب : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (ح 6019 ) ،وفي الأدب المفرد ( ح 741 ) ، ومسلم في صحيحه ،كتاب الإيمان ( ح 47 ) .

(6) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ( ح 102 ) ، ومسلم في صحيحه ( كتاب الإيمان ،ح 47 ، 48 ) .

(7)   أخرجه مسلم في صحيحه (8 / 37) ، برقم: (2625) كتاب البر والصلة والآداب .

(8)   أخرجه مسلم في صحيحه  (8 / 37) برقم: (2625) ( كتاب البر والصلة والآداب ) .

(9) أخرجه البخاري في "صحيحه" (3 / 153) برقم: (2566) ( كتاب الهبة وفضلها ، باب الهبة وفضلها والتحريض عليها) ، (8 / 10) برقم: (6017) ( كتاب الأدب ، باب لا تحقرن جارة لجارتها        ) ، ومسلم في "صحيحه" (3 / 93) برقم: (1030) ( كتاب الزكاة ) .

(10) فتح الباري : ( ج 5  / 198 ) .

(11) أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (4 / 239) برقم: (2539) ، وابن حبان في "صحيحه" (2 / 276) برقم: (518) ، (2 / 277) برقم: (519) ، والحاكم في "مستدركه" (1 / 443) برقم: (1626) ، (2 / 101) برقم: (2504) ، (4 / 164) برقم: (7388) وقال : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاه،

وأخرجه الترمذي أيضا في "جامعه" (3 / 497) برقم: (1944) وقال : هَذَا حَدِيثٌحَسَنٌ غَرِيبٌ .

(12)   فتاوى ابن تيمية: (30 / 17) .

(13) أخرجه البخاري في "صحيحه" (3 / 132) برقم: (2463) ( كتاب المظالم ، باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره) ، (7 / 112) برقم: (5627) ( كتاب الأشربة ، باب الشرب من فم السقاء ) ، (7 / 112) برقم: (5628) ( كتاب الأشربة ، باب الشرب من فم السقاء    ) ، ومسلم في "صحيحه" (5 / 57) برقم: (1609) ( كتاب البيوع ) .

(14) أخرجه مالك في "الموطأ" (4 / 1078) برقم: (2758 / 600) ، والحاكم في "مستدركه" (2 / 57) برقم: (2358) ، والبيهقي في "سننه الكبير" (6 / 69) برقم: (11502) ، (6 / 69) برقم: (11503) ، (6 / 157) برقم: (11996) ، (10 / 133) برقم: (20507) ، والدارقطني في "سننه" (4 / 51) برقم: (3079) .