بحث عن بحث

الحلقة :(  42 ) أدب الجوار

ومن حقوق الجار أيضا : كف الأذى عنه ، وقد عظم الله عز وجل إلحاق الأذى بالجار وغلظ فيه العقوبة ، ففي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود- رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ«(1).

وعن الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ- رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: « مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟  قَالُوا: حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ:  لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ ، قَالَ: فَقَالَ:  مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ " قَالُوا: حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ:  لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ «(2).

قال المناوي –رحمه الله -  ويقاس بها – أي امرأة جاره - نحو أمته وبنته وأخته وذلك لأن من حق الجار على الجار أن لا يخونه في أهله فإن فعل ذلك كان عقاب تلك الزنية يعدل عذاب عشر زنيات قال الذهبي في الكبائر: الْكَبِيرَة الْعَاشِرَة الزِّنَا وَبَعضه أكبر من بعض ..وقال: وَأعظم الزِّنَا الزِّنَا بِالْأُمِّ وَالْأُخْت وَامْرَأَة الْأَب وبالمحارم  (3)

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةً تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» ، قَالُوا: وَفُلَانَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ (4)، وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ«(5).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه«(6).

وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ...«(7).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ . قَالُوا : وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : جَارٌ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ . قَالُوا : وَمَا بَوَائِقُهُ ؟ قَالَ : شَرُّهُ« (8).

وهذا فيه تعظيم حق الجار ووجوب كف الأذى عنه، وأن إضراره من كبائر الذنوب وعظائم المعاصي

قال الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله – في شرح رياض الصالحين :

أما أحاديث أبي هريرة ففيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم ثلاث مرات فقال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه« يعني غدره وخيانته وظلمه وعدوانه، فالذي لا يأمن جاره من ذلك ليس بمؤمن، وإذا كان يفعل ذلك ويوقعه فعلاً فهو أشد.

وفي هذا دليل على تحريم العدوان على الجار؛ سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل، أما بالقول فأن يسمع منه ما يزعجه ويقلقه، كالذين يفتحون الراديو أو التلفزيون أو غيرهما مما يسمع فيزعج الجيران، فإن هذا لا يحل له، حتى لو فتحه على كتاب الله وهو مما يزعج الجيران بصوته فإنه معتد عليهم، ولا يحل له أن يفعل ذلك.

وأما بالفعل فيكون بإلقاء الكناسة حول بابه، والتضييق عليه عند مداخل بابه، أو بالدق، أو ما أشبه ذلك مما يضره، ومن هذا أيضاً إذا كان له نخلة أو شجرة حول جدار جاره فكان يسقيها حتى يؤذي جاره بهذا السقي، فإن ذلك من بوائق الجار فلا يحل له.

إذاً يحرم على الجار أن يؤذي جاره بأي شيء، فإن فعل فإنه ليس بمؤمن، والمعنى أنه ليس متصفاً بصفات المؤمنين في هذه المسألة التي خالف بها الحق(9).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري في "صحيحه" (6 / 18) برقم: (4477) ، (6 / 1 09) برقم: (4761) ، (8 / 8) برقم: (6001) ، (8 / 164) برقم: (6811) ، (9 / 2) برقم: (6861) ، (9 / 151) برقم: (7520) ، (9 / 155) برقم: (7532) ومسلم في "صحيحه" (1 / 63) برقم: (86) .

(2) أخرجه أحمد واللفظ له (39 / 277 ) رقم : (23854  ) ، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم : (103) ، والبزار (2115) ، والطبراني في "الكبير" (20/ 256 - 257) رقم : (605 ) ، و"الأوسط"  ( 6 / 254 ) (6333) ، والبيهقي في "الشعب" (9105) ،وقال المنذري والهيثمي: رجاله ثقات" الترغيب 3/ 239 ( 3853 )  - المجمع 8/ 168 .

(3) فيض القدير (5 / 258 ) ، (7214 ) ، الكبائر : 50 ، 54 .

(4) الأَثْوَار: جمع ثَور , وهو القطعة من الأَقِط ، ويعمل من مخيض لبن الغنم.

(5) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ( 119 ) ، وابن حبان في "صحيحه" (13 / 76-77 ) برقم: (5764) والحاكم في "مستدركه" (4 / 184) برقم:(7304 )، (7305 ) ، وأحمد في "مسنده" (15 / 421-422 ) برقم: (9675 ) والبزار في "مسنده" (17 / 129) برقم: (9713) .

(6) أخرجه البخاري في "صحيحه" (8 / 10) برقم: (6016) ( كتاب الأدب ، باب : إثم من لا يأمن جاره بوائقه )

، ومسلم في "صحيحه" واللفظ له : (1 / 49) برقم: (46) ( كتاب الإيمان ) .

(7) أخرجه البخاري في "صحيحه" (7 / 26) برقم: (5185) ، (8 / 11) برقم: (6018) ، (8 / 32) برقم: (6136) ، (8 / 32) برقم: (6138) ، (8 / 100) برقم: (6475) ومسلم في "صحيحه" (1 / 49) برقم: (47) ، (1 / 49) برقم: (47) ، (1 / 50) برقم: (47) ، (4 / 178) برقم: (1468) .

(8) أخرجه البخاري في "صحيحه" (8 / 10) برقم: (6016) ومسلم في "صحيحه" (1 / 49) برقم: (46) والحاكم في "مستدركه" (1 / 10) برقم: (21) ، (4 / 165) برقم: (7392) وقال الحاكم :حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ هَكَذَا .

(9) شرح رياض الصالحين ( 3 / 178 ) .