بحث عن بحث

الـحــلقة : ( 41 ) أدب الــجوار

ومن حــقـــوق الـجــــــار تحــــــمُّـــــــــل مــا قد يــــأتـي مــنــــــه مـن أذى ، والــصــــبر على أخــطـــائه ، والتـــغـــاضــي ما استطـــــاع ، وذلك بأن يـــغضي عن هفواته فــــكـــأنـــه لم يــــقـــــــل ولــم يـــفــعــــل ، ويـــــــصـــفــــح عمـــا بدر منه من زلــل وإساءة، ولاسيما إساءة صدرت منه من غير قصد، أو إساءة ندم عليها وجاء معتذرًا ، فهـــــذا مـن مــــكـــارم الأخلاق وطيب المـــــعـــــــدن .

يقول الله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}(1)  .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَاصْبِرْ» فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ» فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ، وَفَعَلَ، وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ(2).

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة» وذكر في الثلاثة الذين يحبهم سبحانه : «وَرَجُلٌ لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ، فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ وَيَحْتَسِبُهُ حَتَّى يَكْفِيَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ بِمَوْتٍ أَوْ حَيَاةٍ ...الخ »(3).

قال ابن رجب -رحمه الله- : وعليه أَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَى جَارِهِ، وَلَا يُقَابِلَهُ بِالْأَذَى قَالَ الْحَسَنُ البصري -رحمه الله- : لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفَّ الْأَذَى، وَلَكِنَّ حُسْنَ الْجِوَارِ احْتِمَالُ الْأَذَى (4) ، وجاء رجل إلى أبي العباس أحمد بن يحيى يشاوره في الانتقال من محـــــلـــــة إلى أخرى لتأذي  الجوار، فقال: العرب تقول: صبرك على أذى من تعرفه خير لك من استحداث ما لا تعرفه(5).

وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه:ليس الواصل الذي يصل من وصله، ويقطع من قطعه، وإنما ذلك المنصف، وإنما الواصل الذي يصل من قطعه، ويعطف على من جفاه، وليس الحليم من يحلم عن قومه ما حلموا عنه، فإذا جهلوا عليه جاهلهم، وإنما ذلك المنصف، إنما الحليم الذي يحلم إذا حلموا، فإذا جهلوا عليه حلم عنهم(6).

قال بعضهم: تمام حسن الجوار في أربعة أشياء:

1-أن يواسيه بما عنده.

2-أن لا يطمع فيما عنده.

3-أن يمنع أذاه عنه.

4-أن يصبر على أذاه(7).

قال ابن العربي رحمه الله: "وحقوقه عشرة، يجمعها الإكرام وكفّ الأذى"(8).

ومن حقوق الجار أيـــضـــا :حمايته وحفظه والذود عن عرضه و ماله و بــدنه والدفاع عنه وإنـــقـــــاذه من مــــكــــــروه ونحوه.

قال الإمام ابن حــجــر رحمه الله : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ :حِفْظُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ وَيَحْصُلُ امْتِثَالُ الْوَصِيَّةِ بِهِ بِإِيصَالِ ضُرُوبِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ كَالْهَدِيَّةِ وَالسَّلَامِ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ لِقَائِهِ وَتَفَقُّدِ حَالِهِ وَمُعَاوَنَتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَكَفِّ أَسْبَابِ الْأَذَى عَنْهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ حِسِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً وَقَدْ نَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَانَ عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ وَهِيَ مُبَالَغَةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ حَقِّ الْجَارِ وَأَنَّ إِضْرَارَهُ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ وَيَفْتَرِقُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَارِ الصَّالِحِ وَغَيْرِ الصَّالِحِ وَالَّذِي يَشْمَلُ الْجَمِيعَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ لَهُ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَنِ الَّذِي يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَيُبَيِّنُ مَحَاسِنَهُ وَالتَّرْغِيبَ فِيهِ بِرِفْقٍ وَيَعِظُ الْفَاسِقَ بِمَا يُنَاسِبُهُ بِالرِّفْقِ أَيْضًا وَيَسْتُرُ عَلَيْهِ زَلَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَنْهَاهُ بِرِفْقٍ فَإِنْ أَفَادَ فَبِهِ وَإِلَّا فَيَهْجُرُهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ لِيَكُفَّ . ا.ه(9)

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: لَقَدْ أَتى عَلَيْنَا زَمَانٌ أَوْ قَالَ حِينٌ وَمَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِدِينَارِهِ وَدِرْهَمِهِ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ثُمَّ الْآنَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَمْ مِن جارٍ مُتعلق بِجَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ يَا رَبِّ هَذَا أَغْلَقَ بابهُ دُوني فَمَنع مَعْرُوفَهُ»(10).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الشورى:43]

(2) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب (5153)، وصححه ابن حبان (520)، والحاكم (7302)، والألباني في صحيح سنن أبي داود (4292).

(3) أخرجه الحاكم في "مستدركه" (2 / 88) برقم: (2460) وقال : صحيح على شرط مسلم ، والبيهقي في "سننه الكبير" (9 / 160) برقم: (18572) وأحمد في "مسنده" (35 / 421-422) برقم: (21530) والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (7 / 214) برقم: (2784) والطبراني في "الكبير" (2 / 152) برقم: (1637 )

(4) جامع العلوم والحكم (1/ 353) .

(5) الآداب الشرعية ( 2 / 17 ) .

(6) تنبيه الغافلين للسمرقندي ( 143 ) .

(7) المصدر السابق : ( 144 ) .

(8) أحكام القرآن ط. العلمية : (1/547).

(9) فتح الباري : ( 10 / 442 ) .

(10) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ( 111 ) ،وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد :( 81 ) ، الصحيحة (2646 ) ،وصحيح الترغيب والترهيب ( 2564 ) .