بحث عن بحث

الحلقة (96): السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(14)

سادسا : أنه لو لم يجز استقلال السنة بالتشريع لكان ذلك لمانع ، لكنا بحثنا في الأدلة الشرعية ــ التي ذكرها الخصوم وسوف تأتي قريبا ــ فلم نجد ما يشعر بالمنع ، وليس هناك مانع عملي أيضا ، فإنه لا شك أن لله تعالى : أن يأمر رسوله بتبليغ حكم لم ينزل في كتابه ، بل له أن ينزل كل حكم ابتداء بغير لفظ ثم ينزل الكتاب بعده مؤكدا له أو مبينا أو لا ينزل كتابا أصلا ، وليس من شرط إرسال الرسول ، إنزال الكتاب عليه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[ سورة الأنبياء / 23 ]

ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم ــ بدلالة المعجزة ــ عن الخطأ في تبليغ أي حكم نزل : بوحي متلو أو غير متلو ، مستقل أو مبين أو مؤكد ، بل هو معصوم عن الخطأ في التبليغ إذا نزلت الشريعة جميعها بوحي غير متلو ، وتقوم على الناس الحجة بذلك ، ويلزمهم اتباعه ، ولا شك أن السنة وحي ، فهي حق ، فيجوز أن تكون مستقلة .

ولا شك أن وجود نوع ثان ( وهو الكتاب ) مع السنة مساو لها : في النزول من عند الله ، وفي الحجية ــ لا يسلبها ما كانت صالحة له من الاستقلال ، وإن كان هذا النوع ممتازا عنها بأشياء لا تتوقف حجيته على وجودها فيه ، ولا تستلزم أنه هو وحده الذي يستقل بالحجية .

فمن أين يجيء المانع من استقلال السنة بالتشريع ؟(1) .

سابعا : أنه لو لم يجز استقلال السنة بالتشريع لم يجز تأكيدها ولا تبيينها لما في الكتاب ، لأن التأكيد فرع الصلاحية للتأسيس ، وفي التبيين نوع استقلال في تفاصيل الحكم المبين ، ولأن كل ما يفرض مانعا من الاستقلال يكون مانعا من البيان ، فإن المانع إنما يمنع للخلل ، والخلل في أي واحد منهما يؤدي إلى جهل المكلف بما حكم الله به ، وإلى عدم القيام به على وجهه الصحيح(2) .

هذه هي أدلة الجمهور على استقلال السنة بتشريع بعض الأحكام ، وفي الحلقات التالية ــ إن شاء الله ــ سنورد أدلة المنكرين لاستقلال السنة بالتشريع           


(1) حجية السنة ص 507 ، 508 .

(2) حجية السنة ص 508 .