بحث عن بحث

 السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(9)

 

 

 بقية رد صاحب كتاب حجية السنة على الشاطبي:

رابعها : قولك : " وإذا لم يلزم ذلك لم يكن في الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب " .

نقول فيه : إن أردت بقولك : ما في السنة ، جميعها ــ فنحن لم نقل : إن الآيات تدل على أن جميعها ليس في الكتاب ، بل نقول : إن بعضها مستقل ، وبعضها مبين ، والآيات شاملة للنوعين ، وإنما أنت الذي قلت ذلك في التقرير الذي تبرعت به .

وإن أردت بما في السنة بعض ما في السنة : منعنا لك الشرطية ، إذ لا يلزم من عدم لزوم تباين المطاع فيه بإطلاق ، لإفراد الطاعتين ـ خروج الطاعتين المتباينتين بإطلاق من الآية .

وبعبارة أخرى : لا يلزم من إدخال امتثال السنة المبينة في طاعة الرسول ، خروج امتثال السنة المستقلة ، مع أنها الأصل في الدخول ـ على ما هو الظاهر ـ ومع وجودها في الواقع ، فالآية لا زالت شاملة ، وإذا أردت أن تخرجها ، فعليك الدليل .

وإن كنت تريد أن تقول : إن هذه الآيات لا تدل على وجود النوع المستقل في الواقع ـ فهذا مسلم لك ، ولكنا إنما نستدل بها على حجيته ، ولو على فرض وجوده ، وأما هذا الوجود فسنثبته بغير هذه الآيات ، ويثبته أيضا قوله تعالى :(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) ، وقد سبق أنه لم يصرح بالجواب عن الاعتراض بالقضاء للزبير(1).

خامسها : قولك : " ولكن هذا الزائد : هل هو زيادة الشرح على المشروح ؟ ـ إذ كان للشرح بيان ليس في المشروح ، وإلا : لم يكن شرحا ـ أم هو زيادة معنى آخر لا يوجد في الكتاب ؟ هذا محل النزاع " .

فيه : أنا لا نريد واحدا بخصوصه كما علمت ، بل يكفينا الشمول للاثنين كما تدل عليه الآيات .

فإن زعمت القصر على الشرح ، فعليك بالدليل ، ولا يصح أن يقال : إن شمول الدليل للمدعى محل النزاع ، بل محل النزاع هو نفس المدعى " (2) .

هذا : وللأستاذ محمد عبد العزيز الخولي تقرير آخر فيما اعترض به الشاطبي ، قال : " إنه ليس فيما ذكر ما يدل على استقلال السنة بتشريع الأحكام ، وذلك : لأن القرآن نص على أن الرسول إنما يتبع ما يوحى إليه ، فهو لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر به الله أو نهى عنه ، وباعتبار أن الأمر أو النهى يصدر منه بعبارته وبيانه ـ صح أن تضاف الطاعة إليه ، يؤيد ذلك قوله تعالى :( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) .

ثم لخص جواب الشاطبي المتقدم ـ على ما فيه من خطأ ـ وذيله بقوله : " والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته ، وما سنته إلا بيانه للقرآن " (3).

ونقول له : أما قولك : " وذلك لأن القرآن نص على أن الرسول إنما يتبع ما يوحى إليه ...إلخ ) " فنحن نقول به ونؤمن به ، لا نتردد في جملة واحده منه والحمد لله ، ولكن لا يثبت لك أن هذه الآيات لا دلالة فيها على الاستقلال ، إنما الذي يثبت أن تقول : إنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر به الله أو نهى عنه في القرآن فقط ، مع إثبات هذا الحصر بالدليل ، هنالك يتم لك الجواب ، ويستحق التقديم على جواب الشاطبي ، ولكن أنى لك هذا الإثبات ؟! .

وأما قولك : وما سنته إلا بيانه للقرآن ، فهي دعواك التي أبطلناها لك بالأدلة فكيف تجعلها أساسا للجواب (4) .


(1) حجية السنة صـ 511 ، 512 .

(2) حجية السنة صـ 112 .

(3) مفتاح السنة صـ 9 ، 10 .

(4) حجية السنة صـ 513 .