بحث عن بحث

محاضرات بعنوان: عناية السلف بالحديث الشريف
عناية الصحابة بالحديث
عناية التابعين بالحديث
اهتمام من جاء بعد التابعين بالحديث
دور أصحاب الكتب الستة في حفظ الحديث
من جاء بعد أصحاب الكتب الستة
من شكك في السنة ورواتها والرد عليه
دور الشيخ ناصر الدين الألباني في الحكم على الأحاديث

حال الصحابة في تلقي الحديث
_____________________


أولا نعرف أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه مما علمه الله، ويبين لهم أمور دينهم وأمور عباداتهم في سفره وفي إقامته، فكان دائما أو كثيرا يجلس في المسجد في أكثر النهار، وكانوا يأتونه حلقات. يجلسون ويقرئهم القرآن، ويبين لهم معاني القرآن، ويبين لهم قصصا وأحكاما وآدابا دينية، ويضرب لهم الأمثال، ويفقههم ويحثهم على التفقه، ويحثهم على التعلم، ويقرأ عليهم ما تجدد من القرآن؛ ما نزل كل يوم أو كل أسبوع، وكانوا يحرصون على حضور تلك الحلقات، ويندمون إذا فاتهم شيء من ذلك. كان بعضهم يشتغل في تجارة وينمي أمواله بالتجارة؛ ومع ذلك كانوا يحرصون على الحضور، أو ينوبون مكانهم من يحضر.
في حديث عمر أنه كان نازل أي: في العوالي قرب بعض الأسواق، ثم كان له جار من الأنصار فكان يدخل يوما، ويأتي بما تجدد. يدخل الأنصاري يوما ويأتيه بما تجدد. إذا كان يوم عمر ترك السوق في ذلك اليوم، وحضر مجلس النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي ذلك المجلس، وجاء بخبر ذلك اليوم، وأخبر الأنصاري: نزل من القرآن كذا. تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكذا. حدث من الأمور كذا وكذا وهكذا، وإذا نزل الأنصاري جاءه بالأخبار التي تجددت في ذلك اليوم؛ هكذا ذكر في حديث ابن عباس الذي رواه عنه، وإذا فاته شيء أسف على ذلك.
في حديث أبي موسى أبو موسى الأشعري أسلم سنة سبع، ومع ذلك حفظ من النبي صلى الله عليه وسلم أحكاما. ذَكَرَ أنه جاء مرة وطرق باب عمر وعند عمر بعض الصحابة فتكلم ثلاث مرات: السلام عليكم أأدخل؟ ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع. كان عمر قد سمعه فسأل أين هو؟ فقالوا: رجع. عند ذلك أرسل إليه لماذا رجعت؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع  هذا الحديث ما سمعه عمر ولا علم به؛ فأمره بأن يأتي بمن يشهد معه بسماع هذا الحديث.
يقول: فذهبت إلى مجلس من الأنصار فسألتهم فقالوا: لا يذهب معك إلا أصغرنا. أي أنهم كلهم يعرفون، وقد سمعوا هذا الحديث فأرسلوا معه أبا سعيد فشهد بذلك، فقال عمر: كيف فاتتني هذه السنة؟ شغلني عنها الصفق بالأسواق يعني: الاشتغال في التجارة؛ فهذا دليل على أنهم كانوا يحرصون على ألا يفوتهم شيء من العلم، ويبادرون إلى حضور الحلقات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم فيها أصحابه وهكذا.
 

 
أبو هريرة وإكثاره من رواية الحديث
_____________________


ثم حفظوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم أقواله وأفعاله، وكان من أحرصهم أبو هريرة رضي الله عنه؛ مع أنه ما أسلم إلا سنة سبع. صحب النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع وسنة ثمان وسنة تسع وسنة عشر، وأول سنة إحدى عشرة أي: نحو أربع سنين، ولكنه كان ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فحفظ عنه كثيرا. كان قد رزقه الله تعالى قوة الحفظ وقوة الذاكرة، فكان ينكر عليه بعض الصحابة ويقولون: أكثر علينا أبو هريرة يعني: روى أحاديث كثيرة، ولكنه يعتذر ويقول: إنكم تقولون: أكثر علينا أبو هريرة وتقولون: لماذا لا يروي هذه الأحاديث المهاجرون والأنصار؟ وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإني كنت امرأً مسكينا ألازم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني.
اعتذر بأنه كان ملازما النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: فأحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا؛ فهكذا اعتذر، وأخبر بأن المهاجرين يشغلهم الصفق بالأسواق يعني: طلب الربح والتجارة في الأموال فينشغلون بذلك عن أكثر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وتعاليمه هكذا اعتذر، وذكر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم حرصه لما سأله مرة: أي الناس أسعد بشفاعتك؟ قال:  لقد علمت ألا يسألني أحد قبلك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه  يعني: من وحد الله توحيدا خالصا؛ فعلم حرصه على الحديث وحرصه على السنة، فهذا دليل جده واجتهاده.
وكذلك ذكر مرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ما من أحد يبسط ثوبه، فيجعل فيه شيئا من تراب حتى يتم حديثي، ثم يقبضه فإنه لا ينسى شيئا مما سمعه  يقول: فبسطت نمرة علي، ثم ضممتها إلي فما نسيت شيئا من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على حرصه، وعلى أنه يحرص على أن يحفظ ما مر به من الأحاديث.
ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بثلاث. يقول: لا أدعهن ما بقيت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام، وأن أصلي ركعتي الضحى. لماذا أوصاه أن يوتر قبل أن ينام؟ قيل: لأنه كان يبيت أول الليل. يدرس الحديث؛ يتذكر، ويذاكر الأحاديث النبوية التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يزال كذلك إلى أن يمضي ثلث الليل أو نصفه، وهو يردد هذه الأحاديث فأمره بأن يصلي تهجده وورده قبل أن ينام؛ مخافة أن يغلبه النوم في آخر الليل فيطلع الفجر قبل أن يوتر فأرشده إلى هذا الأمر؛ الذي هو أن يوتر وأن يتهجد قبل أن ينام، وكان أيضا في ذلك الوقت شابا أعزب لم يكن قد تزوج، فكان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم، ويصبر على الجوع لم يكن له كسب ولم يكن له مال.
ذكر مرة أنه اشتد به الجوع حتى كان يسقط إذا مشى من شدة الجوع. يقول: فمر علي النبي صلى الله عليه وسلم فعرف الذي في وجهي فقال: أبا هريرة قم معي. يقول: فجئت إلى أحد بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم عندنا لبن أهدي إلينا فقال: يا أبا هريرة ادع لي أهل الصفة -كان أهل الصفة من المهاجرين؛ ليس لهم مأوى إنما يسكنون في صفة أي: حجرة من المسجد؛ إذا جاءته صدقة بعث بها إليهم، وإن جاءته هدية أرسل إليهم فأصابوا منها وأكل منها- فيقول:  فلما أرسلني حزنت؛ لأن هذا لبن قليل، وإذا جاءوا أمرني أنا الذي أسقيهم، وقد لا يبقى منه شيء، ولا بد من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول فدعوتهم فأخذوا مجالسهم فقال: يا أبا هريرة اسقهم. يقول: فأخذت قدحا فكنت أعطي كل واحد فيشرب حتى يروَى، ثم الثاني ثم الثالث حتى رووا كلهم. يمكن أنهم عشرة أو عشرون. يقول: فلما شربوا كلهم، قال: أبا هريرة بقيت أنا وأنت فقلت: نعم يا رسول الله. قال: اجلس فاشرب. يقول: فشربت، ثم قال: اشرب يقول: فشربت، ثم قال: اشرب حتى رويت فقلت: والله لا أجد له مسلكا؛ فقال: أعطني فأعطيته البقية فشرب الفضلة  .
ففي هذا أيضا أنه كان يصبر على الجوع إلى أن يأتيه من المهاجرين والأنصار من يستتبعه، ويطعمه مما عنده. كان يمدح جعفر بن أبي طالب مع أنه ما صحبه إلا سنة أو نحوها. يذكر أنه كلما لقيه استتبعه فيعطيه مما تيسر من تمرات أو نحوها، حتى أنه يقول: إنه يؤتى بالعكة فيها شيء من السمن فيشقها فنلحس ما فيها من الرب الذي يكون بعد السمن، وكانوا يجعلون فيها شيئا من الدبس حتى لا يعلق فيها سمن ونحوه هكذا، وبكل حال كان من حفاظ الصحابة رضي الله عنهم.
ذكروا أنه كان يحفظ الخمسة آلاف حديث التي رويت عنه كما في مسند بقيّ بن مخلد أو أكثر، ومن الصحابة من يحفظ ألفين وزيادة أو قريبا من ألفين؛ الذين تأخر موتهم رووا أحاديث كثيرة.
أبو هريرة مات سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين. روى أحاديث كثيرة؛ لأنه تأخر موته حتى اهتم السلف واهتم التابعون بالأحاديث؛ فكانوا يتوافدون يروون عنه الأحاديث فكثرت أحاديثه، وكذلك أيضا ابن عمر عُمِّرَ حتى قارب عمره التسعين. مات سنة أربع وسبعين. كان أيضا ممن روى أحاديث زادت على الألفين، وكذلك أنس بن مالك عُمِّرَ حتى جاوز عمره مائة سنة. روى أحاديث كثيرة زادت على الألفين، وكذلك عُمِّرَت عائشة ماتت سنة ثمان وخمسين. روت أحاديث كثيرة قاربت الألفين، وهكذا كثير من الصحابة.
 

 
ابن عباس يتلقى الحديث عن الصحابة
_____________________


ومنهم من أخذ من الصحابة. ذكر ابن عباس أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة متوافرين يقول: قلت لشاب من الأنصار: هلم فلنتتبع الصحابة، ونأخذ منهم الأحاديث التي عندهم فإنهم الآن متوافرون. يقول: فقال لي: عجبا لك يا ابن عباس أتظن أن الناس يحتاجون إليك وفيهم الصحابة مجتمعون؟ قال: فتركته وصرت أتتبع الصحابة؛ آخذ ما عندهم من الأحاديث. يذكر لي الحديث عند أحدهم من المهاجرين أو من الأنصار فآتي إليه، وأطرق إليه الباب فيقولون: إنه نائم في وسط النهار؛ في القيلولة فأجلس عند بابه؛ تسفي الريح في وجهي في حر الشمس حتى يستيقظ، فإذا خرج ورآني قال: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: العلم أحق أن يؤتى إليه فما زلت كذلك. يقول: فبعد مدة كنت أجلس للحديث؛ رآني ذلك الشاب الذي كان في سني فقال: أنت أفقه مني. يعني: رآني وإذا هو جاهل لا يحفظ شيئا، ولم يروِ شيئا مما كنت قد حفظته.
هكذا جاء في هذا الحديث ابن عباس رضي الله عنهما يمكن أنه ما حفظ من النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلا؛ نحو عشرين حديثا البقية أخذها من الصحابة. روى نحو ألفين من الأحاديث المرفوعة حفظها.
 

 
عبد الله بن عمرو وكتابة الحديث
_____________________


كان من جملة الذين يروون الأحاديث عبد الله بن عمرو بن العاص وكان كاتبا؛ فكان إذا سمع من النبي صلى الله عليه وسلم حديثا كتبه، فأنكر عليه بعض الصحابة وقالوا: إنك تكتب الأحاديث، وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في غضب أو نحو ذلك فكيف تكتب ما تكلم به من غير قصد؟ يقول: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:  اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق، وأشار إلى فمه  لا يخرج مني إلا حق. زكاه أبو هريرة فقال: ليس أحد أكثر مني حديثا أو أحفظ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب؛ هكذا ذكر السبب أنه كان يكتب.
ثم إنه رضي الله عنه كتب أحاديث في صحيفة، وتلك الصحيفة يسميها (الصحيحة) أو تعرف بالصحيحة. رواها عنه ابن ابنه واسمه شعيب روى تلك الصحيفة. قالوا: فيها أكثر من ثمانين حديثا، وروى أحاديث أخرى أيضا ما كتبها في تلك الصحيفة، ثم روى تلك الصحيفة أيضا عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جده عبد الله فاشتهر رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لتلك الصحيفة التي تسمى الصحيحة، وقد جمع أحاديثها الكثيرة بعض المتأخرين وصححوها، وكأنهم طبعوها مفردة. أرادوا بذلك أن الصحابة اهتموا بكتابة الأحاديث ولو كانوا في زمن قلة من الإمكانيات.
مما يدل على أن الحديث كان محفوظا؛ بحيث يحفظونه في أوراق حتى لا يتغير، وذلك لأن الحفظ قد يتغير، وأما الكتابة فإنها تبقى؛ ولذلك قال بعض العلماء: اكتبوا ما تسمعون فإن ما كتب قر، وما حفظ فر إن الإنسان عرضة للنسيان إلا من وهبه الله تعالى حفظا وفهما.
 

 
الشعبي ورواية الحديث
_____________________


اهتم بعد ذلك التابعون برواية الأحاديث، وكان منهم من رزقه الله تعالى قوة حفظ وقوة ذاكرة؛ بحيث إنه إذا سمع الحديث مرة أو مرتين حفظه، ولا يحتاج إلى رده. كان من جملتهم الشعبي عامر بن شراحيل روى أحاديث كثيرة. قد تزيد على الألف أو الألفين. ذكروا عنه أنه يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء. أي: كل هذه الأحاديث رواها من حفظه؛ فهذا من جملة التابعين الذين حفظ الله تعالى بهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
 

 
الزهري ورواية الحديث
_____________________


وهكذا أيضا اشتهر من التابعيين الزهري محمد بن مسلم بن شهاب لكن كان يكتب، وذلك أنه أشار عليه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقال: اكتب ما تيسر من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. فكتبها في صحائف، يمكن أنه كتب أكثر من ثلاثمائة حديث أو خمسمائة منها الأحاديث الطويلة كحديث كعب بن مالك الطويل في توبته، وحديث عائشة في قصة الإفك، وغيرهما، ولما كتبها حفظها بعدما ترددت قراءته لها.
فاشتهر الزهري برواية الحديث في المدينة مات سنة مائة وست وعشرين. أدرك من الصحابة أنس بن مالك من الذين رووا الأحاديث، وأما كبار الصحابة فما أدركهم؛ حتى ابن عمر أدركه، ولكن لم يتمكن من الرواية عنه. ابن عمر مات سنة أربع وسبعين، ولم يتمكن من الرواية عنه إلا القليل القليل، ولكن روى عن تلامذتهم. من جملة من روى عنه سعيد بن المسيب الذي كان تلميذا لأبي هريرة حيث إن سعيد بن المسيب تزوج بنت أبي هريرة فكان من أخص تلاميذه، وروى عنه أحاديث كثيرة.
فالزهري يقول: حدثني سعيد عن أبي هريرة وكذلك يروي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. سالم أيضا من جملة من حدث عن أبيه أحاديث كثيرة فهو يقول: عن سالم عن أبيه، وكذلك يروي عن عروة بن الزبير عن عائشة ؛ لأن عروة كثير الرواية عن عائشة لأنها خالته فالزهري يقول: عن عروة عن عائشة ويروي أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وغيره، فاشتهر الزهري رحمه الله برواية الأحاديث.
وأقبل تلاميذه الكثيرون يروون عنه. كان من جملتهم سفيان بن عيينة الذي عُمِّرَ حتى أدركه الإمام أحمد فالإمام أحمد يروي يقول: حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس لا يكون بينه وبين أنس إلا اثنان شيخه وشيخ شيخه. هذا دليل أيضا على أنه اهتم بالأحاديث يعني: سفيان بن عيينة تلاميذ الزهري كثير؛ الذين رووا عنه هذه الأحاديث، وكتبها كثير منهم وحفظ آخرون. ذكر في ترجمة هشيم بن بشير أنه جاء إلى الزهري أملى عليه أحاديث نحو مائة حديث أو مائتين، وكتبها هشيم في أوراق، ولكن في أثناء سيره جاءت ريح فطارت بتلك الأوراق، ولم يظفر بها. طارت بها ريح وضاعت عليه فكان يحدث منها بما علق في ذاكرته، ولذلك وقع في رواية هشيم عن الزهري شيء من الاختلاط؛ لأنه ما ضبطها كثيرا؛ بل طارت منه قبل أن يحفظها، فلذلك يقولون: رواية هشيم عن الزهري ليست متفقا عليها لما جاء فيها من المخالفة.
والحاصل أن الزهري هو أول من اشتهر بكتابة الأحاديث كتب أحاديث الصحابة أو أكثرهم، ودوَّنها وحفظها ونقلها عنه تلاميذه الكثير. يروي عنه معمر بن راشد أحد الحفاظ أيضا. معمر بن راشد له أيضا أحاديث جمعها وكتبها، طبعت في آخر كتاب عبد الرزاق مصنف عبد الرزاق المطبوع. يرويها معمر عن الزهري وعن غيره من مشائخه الذين تتلمذ عليهم؛ فهو ممن بقيت كتابته. كذلك أيضا الزهري تلاميذ كثير كانوا يكتبون الأحاديث، ثم يروونها ويرويها عنهم تلامذتهم؛ فهذا دليل على أن العلماء رحمهم الله اهتموا برواية الأحاديث، وبنقلها وبحفظها.
 

 
الإمام مالك ورواية الحديث
_____________________


كان من جملة الذين رووا الأحاديث مالك بن أنس الإمام المشهور، وهو من جملة من دون الأحاديث في كتابه الذي يسمى الموطأ. لما كتبه كتب فيه كثيرا من آرائه، ومما يقوله، ومما سمعه من علماء أهل بلده مع كتابته كثيرا من الأحاديث، ولما كتبه جاء به إلى الخليفة العباسي المنصور ولما جاء به كان المنصور جالسا على سرير فقال له: حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه  ؛ فعند ذلك تواطأ المنصور وجلس على الأرض مع مالك وقيل: إن هذا سبب تسميته الموطأ.
ثم إن المنصور قال له: نريد أن تأتينا تحدث أولادنا فقال مالك: العلم أولى أن يؤتى له يعني: لا نأتي إلى التلاميذ؛ بل التلاميذ يأتون إلينا. فالعلم أحق أن يأتي إليه من يطلبه. عند ذلك عرف صحة ما قال.
موطأ مالك رحمه الله أسانيده إما ثنائية أو ثلاثية يروي عن ابن عمر بواسطة واحدة يقول: حدثني نافع عن ابن عمر نافع مولى ابن عمر يعني: كان عبدا عند ابن عمر ولكنه كان ذكيا حافظا فحفظ عن ابن عمر الأحاديث الكثيرة فتتلمذ عليه مالك فروى عنه تلك الأحاديث، ورواها عنه غير مالك
يروي أيضا مالك عن الزهري أدرك الزهري وروى عنه أحاديث، وكذلك يروي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فيروي عن أبي هريرة بواسطة اثنين. كتاب مالك مما بقي مما وجد ونفع الله تعالى به. انتفع به خلق ولا يزال موجودا مخدوما محققا، فهو من جملة الكتب التي يروي عنها الكثير من العلماء.
 

 
أبو داود الطيالسي وكتابة الحديث
_____________________


ومن جملة من كتب الأحاديث من المتقدمين أبو داود الطيالسي جمع أحاديث، ولكنه رتبها على أسماء الصحابة وسماه مسندا.
أبو داود أدركه الإمام أحمد ولم يدركه أهل الكتب الستة فيروون عنه بواسطة، ومسنده موجود محقق فهو من الكتب المتقدمة. يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم اثنان أو ثلاثة، مما يدل على أن الحديث كتب متقدما، وأن سلف الأمة اهتموا به.
 

 
الإمام أحمد وكتابة الحديث
_____________________


كذلك من الذين كتبوا الأحاديث الإمام أحمد رحمه الله، وهو من مشائخ أهل الكتب الستة. رتب مسنده على أسماء الصحابة، ولكنه وقع في مسنده أحاديث مكررة كثيرة. بلغ عدد الأحاديث التي في المسند أكثر من سبعة وعشرين ألف حديث. يعني قريبا من ثمانية وعشرين ألفا، وهذا مع التكرار فيها أحاديث مكررة كثيرة يمكن أنها قد تكون النصف أو الثلثين. إذا قيل: إن الأحاديث التي ليست مكررة عشرة آلاف فإن هذا شيء كثير، وكتب الإمام أحمد غير ذلك من الكتب التي تضمن الأحاديث وكان قد وهبه الله تعالى حفظا قويا حتى قال أبو زرعة لعبد الله بن أحمد: إن أباك كان يحفظ ألف ألف حديث يعني: يحفظ مليون حديث كيف عرفتم ذلك؟ قالوا: تتبعناه بالأبواب، ولعلهم يريدون ما يحفظه من الآثار، ومن الموقوفات، ومن المقطوعات، ومن المكرر وما أشبه ذلك، فهذا دليل على أنهم اهتموا بحفظ الأحاديث وبروايتها. مسنده كله أحاديث مرفوعة ليس فيه موقوف من كلام الصحابة أو التابعين إلا القليل.
في زمان الإمام أحمد علماء كثير كتبوا الأحاديث منهم الحميدي شيخ البخاري وهو زميل الإمام أحمد اشترك معه في الرواية عن ابن عيينة يوجد له مسند مطبوع في مجلدين. رتبه أيضا على أسماء الصحابة؛ انتقى الأحاديث الصحيحة.
يوجد في زمانه أيضا من المحدثين عبد بن حميد في زمن الإمام أحمد له أحاديث أو كتاب طبع بعضه، ويسمى منتخب أحاديث عبد بن حميد وهو من تلاميذ أهل الكتب الستة.
كذلك سعيد بن منصور له أيضا سنن مطبوعة أو مطبوع أكثرها، ولكنه رحمه الله لم يقتصر على الأحاديث المرفوعة؛ بل روى أحاديث موقوفة من كلام التابعين والصحابة ومن أفعالهم، اهتم بذلك فحصل على خير كثير.
وفي زمانه أيضا أو قبله عبد الرزاق بن همَّام الصنعاني عالم صنعاء شيخ الإمام أحمد هذا أيضا ممن كتب الأحاديث، وكتب الآثار وطبع مصنفه. موجودة فيه الأحاديث والسنن والموقوفات في أحد عشر مجلدا، وإن كان الحادي عشر جُعل فيه مسند معمر بن راشد كما ذكرنا قريبا. الأحاديث المرفوعة فيه كثيرة؛ أما الموقوفة فأكثر. بلغ ترقيمها أكثر من واحد وعشرين ألفا من أحاديث موقوفة أو مرفوعة.
ومن تلاميذه أبو بكر بن أبي شيبة عالم محدث مشهور؛ اشتهر بحفظ الأحاديث. ذكروا أنه كان يجلس على منبر أو نحوه أو مكان مرتفع يحدث فكان يحضره خمسة آلاف رجل يستمعون لحديثه؛ مع أنه ليس هناك مكبر ولكنهم يتقاربون إلى أن يسمعوا أحاديثه. صنف هذا المصنف الذي طبع، وبلغت أحاديثه أكثر من عشرين ألف حديث، وإن كان أوله لم يرقم؛ وذلك دليل على حفظه، وما وهبه الله تعالى من الحفظ والفهم، وهناك غيره من المحدثين في ذلك الزمان الذين كتبوا السنة، واهتموا بها مما يدل على أن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كانت محل اجتهاد، وكان الصحابة والتابعون وتابعو التابعين يعتنون بها، ويحصونها ويكتبونها.
 

 
الحافظ البخاري وأثره في الحديث
_____________________


ثم في القرن الثالث جاء دور أهل الكتب الستة. كتبوا كتبهم الستة التي اقتصروا فيها على الأحاديث النبوية المرفوعة.
أشهرهم البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة كان أصله؛ أجداده من المجوس. جده الثالث الذي يسمى بردزبة مجوسي. أسلم على يد رجل من بني جُعف فصار ينسب إليهم يقال له: الجعفي، وإلا فأصله ليس من العرب. نشأ في بخارى واهتم بحفظ الأحاديث، ورزقه الله تعالى حفظا وفهما، فكان يشتغل بحفظ الأحاديث، وسافر إلى العراق ومصر والشام والحجاز واليمن والبحرين ونحوها، ورزقه الله تعالى حفظا للأحاديث.
ذكروا عنه أنه يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. يعني: لم يقتصر على حفظ الأحاديث الصحيحة. حفظ الأحاديث التي ليست صحيحة؛ حتى يعرفها وحتى يحذر تلاميذه منها. ولد رحمه الله سنة مائة وتسعين، ومات سنة مائتين وست وخمسين؛ فلما اهتم بالأحاديث وفقه الله تعالى لحفظ السنة.
علم أن في هذه الأحاديث التي تروى وتتداول ما هو صحيح ثابت قوي، وما هو دون ذلك، وما هو ضعيف، وما هو مكذوب؛ فأراد أن ينقي الأحاديث الصحيحة، فجمعها في صحيحه. جمعها في هذا الكتاب.
صحيح البخاري لو أنصفوا لما خط إلا بماء الذهب، وانتقى تلك الأحاديث بأصح الأسانيد، ولكنه رحمه الله جعل كتابه كتاب فقه وكتاب حديث؛ مع كونه انتقى الصحيح، ولكنه جعل فيه أحكاما كثيرة فكان يستنبط من الحديث عدة فوائد؛ يجعل كل فائدة تحت باب. ربما كرر الحديث لأجل الفوائد التي فيه فيذكر الحديث عشر مرات أو أكثر أو أقل في عشرة أبواب، ويذكر في كل باب فائدة تؤخذ في ذلك الباب.
فجمع كتابه بين الفقه وبين الحديث. يذكر الباب، ثم يذكر تحته حديثا فيه ذِكْر شيء مما يدل على تلك الترجمة، وقد يذكر حديثا في الترجمة، ولا يكون صحيحا على شرطه، ويجد حديثا على شرطه يدخل في تلك الترجمة.
من تراجمه قال: باب:  اثنان فما فوقهما جماعة  ثم روى حديث مالك بن الحويرث وفيه  إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقيما وليؤمكما أكبركما  يخاطب اثنين  وليؤمكما أكبركما  استنبط منه أن الاثنين جماعة؛ واحد إمام وواحد مأموم. نظرنا وإذا هنا حديث بلفظ الترجمة  اثنان فما فوقهما جماعة  رواه ابن ماجه في سننه؛ فيدل على أنه رحمه الله كان دقيق الاستنباط.
ولكن لما كان يكرر الحديث في أبواب كثيرة، ويذكره في تلك المواضع شق جمع أحاديثه وجمع رواياته على كثير من الطلاب، ولكن مع ذلك يجدونه في الباب الذي هو مظنته. طبع الكتاب، وشرح مرارا عديدة. كان بعض المتقدمين يقولون: إن شرح البخاري لا يزال ديْنا على المسلمين؛ لا يزال دينا عليهم. يعني أنهم ما خدموه الخدمة الواجبة، ثم كان من الذين شرحوه في القرن التاسع الحافظ ابن حجر صاحب فتح الباري، وكذلك فيقول بعض العلماء: لو أدرك ذلك السلفي هذين الشرحين لعلم أن الأمة قد قامت بقضاء ذلك الدين؛ الذي هو دين على العلماء. فصحيح البخاري كتبه من حفظه، وكتبه أيضا مما تلقاه من علماء أهل زمانه؛ فأصبح أصح الأحاديث، وتلقته الأمة بالقبول، وقدموه على غيره، وصاروا يرجعون إليه.
ابتدأه -رحمه الله- بحديث: الأعمال بالنيات إشارة إلى أنه عمله بنية صادقة صالحة، وهي أنه نوى به الخير؛ نوى به الأجر وحفظ السنة؛ نية صادقة فوفقه الله، وجعل في مقدمته أحاديث تتعلق بصفة نزول الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ستة أحاديث بعد حديث:  الأعمال بالنيات  .
توضيح الخلاف الذي حدث بين الحنفية وأهل السنة في مفهوم الإيمان
ثم ذكر بعده كتاب الإيمان؛ وذلك لأن الإيمان وقع فيه خلاف مع بعض من ينتسب إلى الإسلام؛ مع المرجئة الذين يقال لهم: مرجئة الفقهاء وهم الحنفية.
لفظ الإيمان لفظ شرعي؛ لفظة شرعية. الإيمان في لغة العرب؛ في كلام العرب معناه التصديق الجازم، ولكن الشرع. النبي -صلى الله عليه وسلم- أدخل عليه زيادات، فجعل الأعمال كلها داخلة في الإيمان في قوله:  الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة. أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان  .
فأصبح الإيمان مسمى شرعيا بدل ما كان مسمى لغويا، فعرفه أهل السنة فقالوا: (الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان) واستدلوا بهذا الحديث؛ فإن قول: لا إله إلا الله كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- جعله أعلى شعب الإيمان مع أنه لفظ؛ لكن ذلك اللفظ لا بد فيه من الاعتقاد، وهو أن يعتقد أن الله تعالى هو الإله الحق، وأن الإلهية لا تصلح إلا لله سبحانه وتعالى.
كذلك إماطة الأذى عن الطريق فعل؛ يعني: عمل بدني، ومع ذلك عدَّه من شعب الإيمان. الحياء عمل قلبي عدَّه أيضا من شعب الإيمان؛ فدل على أن الإيمان تدخل فيه الأعمال.
الأعمال الصالحة هي من مسمى الإيمان فأصبح الإيمان مسمى شرعيا. الشرع نقل كثيرا من اللغويات، وجعل لها مسمى شرعيا لا تعرفه العرب بلغتها؛ فمن ذلك (الإحسان) في اللغة إتقان الشيء. في الحديث: رحم الله من صنع صنعة فأتقنها يعني: أحسنها. فسره النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسيرا شرعيا بقوله:  الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك  أصبح مسمى شرعيًّا.
وكذلك الإسلام. الإسلام عند العرب كلمة يريدون بها الإذعان والانقياد، يقولون: (استسلم البعير) يعني: انقاد. البعير المسلم هو الذلول الذي لا يستعصي على من يركبه. يسمى بعيرا مسلما. أي مذعنا، ولكن النبي
-صلى الله عليه وسلم- نقل اسمه إلى الاستسلام لله تعالى، والإتيان بالعلامات التي هي أركان الإسلام الخمسة:  أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا  فهذا مسمى الإسلام.
وكذلك مسمى التوحيد. التوحيد عند العرب لفظ يدل على الواحد، ولكن الشرع استعمله في الإخلاص؛ إخلاص العبادة لله وحده؛ صرف جميع أنواع العبادة لله وحده، وكذلك أيضا ضد هذا. الكفر عند العرب كلمة تدل على الستر؛ ستر الشيء، ولكن جاء في الشرع بمعنى إنكار الدين، وجحد الرسالة، وجحد وحدانية الله. فهذا هو الكفر.
الشرك عند العرب كلمة تدل على المشاركة. يعني الاشتراك بين اثنين أو بين جماعة، ومنه سميت الشركة؛ لأنه يشترك فيها مجموعة. يتصرفون فيها أو يشتركون في رأس المال. الشرك في لغة الشرع؛ الشرك في الشرع يراد به جعل شريك لله تعالى في استحقاق العبادة، أو صرف بعض أنواع العبادات لغير الله تعالى؛ ليكون ذلك المخلوق شريكا للخالق.
النفاق عند العرب معناه إخفاء الشيء، ومنه تسمية نافقاء اليربوع، وأما في لسان الشرع فهو يريد به إخفاء الكفر وإظهار الإيمان.
لما كان كذلك ظن أبو حنيفة أن الإيمان هو التصديق فقط؛ فعند ذلك صرح لتلاميذه أن الأعمال زائدة على الإيمان، وأن الإيمان هو مجرد التصديق، ولكنه يريد التصديق الجازم الذي يكون له ثمرة وهي العمل. الذين يقلدون أبا حنيفة تمسكوا بما روي عنه تمسكا زائدا بحيث إنهم لا يذكرون إلا قوله؛ سواء في العقيدة أو في الفروع، فصار الناس يخالفونهم. يعني: الذين ليسوا على معتقد أبي حنيفة ويسمونهم مرجئة الفقهاء، ويحذرون من سماع أقوالهم؛ وذلك لأنهم يسهلون في أمر المعاصي. إذا لم يجعلوها داخلة في اسم الإيمان؛ إذ لم يجعلوا المعاصي منقصة لاسم الإيمان ولا الطاعات زائدة في الإيمان صار الإيمان عندهم التصديق، فلا تضره المعاصي ولا يضره ترك الطاعات فلا جرم. سهلوا لكثير من أتباعهم ترك الطاعات وفعل المعاصي، وقالوا: إنها لا تنقص الإيمان؛ فلذلك حذر منهم العلماء.
مع كونهم فقهاء، ومع كونهم من أهل الإسلام ومن أهل السنة، ولكن في هذا خالفوا أهل السنة، وقد جاء عنهم أحاديث كثيرة تحذر من الانخداع بهم، ولكنها موقوفة أو مقطوعة من كلام العلماء. من أراد الاطلاع عليها يجدها في كتاب السنة للخلَّال الأقسام المطبوعة، فإنه -رحمه الله- أطال في ذكر الآثار التي تحذر من المرجئة، وتبين خطأهم؛ لأنهم يقولون مثلا: الإنسان إذا عصى؛ لو أكل الربا أو زنى أو شرب الخمر أو قتل أو قذف أو سرق ما نقص إيمانه. إيمانه الذي في القلب ما ينقص بهذه المحرمات، وكذلك لو منع الزكاة أو ترك الصلاة أو أفطر في رمضان بغير عذر، أو نحو ذلك ما نقص إيمانه؛ لأن الإيمان في القلب وهو التصديق.
ولا شك أن هذا فتح لباب المعاصي وتسهيل في أمرها، وإيقاع للناس في المحرمات؛ مع أن المعاصي -كما يقول بعض العلماء- بريد الكفر. يعني أنها مقدمة بين يدي الكفر، وأن الذي يفعل المعصية لا يؤمَن عليه أن يجذبه ذلك إلى أن يقع في الكفر أو في مقدماته.
ولما اشتهر هؤلاء المرجئة في زمن البخاري وما بعده، وكانوا خطرا على الناس في تسهيلهم أمر المعاصي وترك الطاعات؛ تجنب البخاري الرواية عنهم، فذكروا عنه أنه قال: رويت في هذا الكتاب عن نحو ثلاث مائة راوٍ -شيخ- كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يعني أنه ما روى عن الذين يقولون: الإيمان هو التصديق؛ بل جعل رواياتهم عن الذين يقولون: الإيمان قول وعمل؛ مشائخه الذين روى عنهم. تجنب أهل هذه البدعة؛ المرجئة؛ مع أن فيهم محدثون وعلماء ومشاهير، ولكنه ما رأى الرواية عنهم اطِّراحا لشأنهم وتصغيرا لأمرهم.
والحاصل أنه بدأ بعد المقدمة بكتاب الإيمان، وذكر فيه الأدلة التي تدل على الإيمان، فيقول مثلا: باب: الصلاة من الإيمان؛ مع أنها عمل ولكنها داخلة في الإيمان. باب: الزكاة من الإيمان؛ مع أنها دفع مال ولكنها داخلة في مسمى الإيمان، باب: الجهاد من الإيمان. باب: الصبر من الإيمان، وباب: أداء خمس الغنيمة من الإيمان ، وأشباه هذه الأبواب ليبين بها معتقد أهل السنة؛ أن الأعمال من مسمى الإيمان، وذكر أيضا الأحاديث التي فيها أن الإيمان هو الاعتقاد وكيف تُحمَل.
وذكر في كتاب الإيمان حديث جبريل المشهور، ولكنه لم يكن إسناد حديث عمر على شرطه، فلم يروه عن عمر وإنما رواه عن أبي هريرة الحديث الذي فيه يقول أبو هريرة  كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوما بارزا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. فقال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره؛ فقال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إلا تراه فإنه يراك. فقال: أخبرني متى الساعة؟ فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. في خمس لا يعلمها إلا الله، وقرأ قول الله تعالى:  إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ  إلى آخر الآية. فقال: أخبرني عن أشراطها. فقال: أن تلد الأمة ربها، أن ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان. ثم انطلق الرجل فقال: ردوه، فذهبوا فلم يروا شيئا، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم  .
في هذا الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- فرق بين الإسلام والإيمان، وهذا من أدلة المرجئة؛ أن الإيمان هو الاعتقاد، ولكن العلماء يقولون: إن هذا فيما إذا ذكرا معا؛ إذا ذكرا جميعا -الإسلام والإيمان- فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بأعمال القلب؛ فهاهنا جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة، فالشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج هذه هي الإسلام؛ وذلك لأنه يأتي بها علنا فيظهر منه الاستسلام والانقياد؛ لأنه مثلا إذا سمع المؤذن جاء إلى المسجد، وكأنه يقاد؛ كأن هناك حبل يقاد به وهو مطيع مستسلم لمن يقوده، والذي يقوده هو الإيمان وهو التصديق وهو الرجاء؛ رجاء الأجر والثواب.
وكذلك البعير -مثلا- إذا كان مستسلما؛ إذا كان مسلما فإنه جاء في حديث: مثل المسلم أو المؤمن كمثل الجمل الأُنُف -يعني الجمل الذلول- إن قيد انقاد، وإن أنيخ ولو على صخرة استناخ فكذلك المسلم يقوده إيمانه من بيته إلى المسجد. يدل على أنه استسلم لأمر الله تعالى، ويقوده إيمانه وإسلامه إلى دفع زكاة ماله، وإلى صيامه -أداء الصيام بدون تأخر- وإلى أداء الحج، وإلى الجهاد في سبيل الله، وإلى غير ذلك؛ فيكون الإسلام هو الأعمال الظاهرة.
وأما الإيمان إذا ذكر مع الإسلام فيكون هو الأعمال الباطنة التي هي أمر العقيدة، وفسروه بالإقرار بالله تعالى؛ الاعتراف بأن الله هو رب العالمين. يعني ربهم كلهم. أي مالكهم والمتصرف فيهم. كلهم خلقه وملكه وتحت تصرفه وتقديره، وكذلك التصديق بأنه هو إلههم؛ الذي تألهه قلوبهم. أي: تحبه وتجله وتعظمه وتخضع له، وتخشع وتتواضع بين يديه، وكذلك أيضا الإيمان بأسمائه وصفاته؛ بأنه موصوف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص. فصفات الكمال كونه مثلا؛ كونه يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء، ويرى جريان الماء في عروق الشجر، ويرى ويعلم صغائر خلقه صغيرها وكبيرها. يقول بعض الشعراء في ابتهاله إلى ربه:

 
يا من يرى مـد البعوض جناحه            في ظلمة الليل البهيـم الألْيَــل
ويرى مناط عروقها فـي نحرها             والمخ في تلك العظـام النُّحَّــل 
 امنن علي بتوبـة تمحـو بهـا             ما قد مضى لي في الزمان الأول

 

وهذا حق أن الله هو الذي خلق البعوضة. البعوضة الناموسة الصغيرة، ويرى حركة أجنحتها في ظلمة الليل، ويعلم كم في خلقها من عرق، وكم فيها من عظم، ويرى جريان الغذاء في جوفها، ويرى مكان الوطء من أقدامها. قد تقول: هذه بعوضة صغيرة. إذا قبضتها بين إصبعيك وفركتها لم يبق لها جرم؛ لا تحس لها بعظام، فنقول: الذي خلقها جعل لها عظاما.
قال العلماء: إن خلق هذه الناموسة على هيئة خلق الفيل. الفيل هو أكبر أو من أكبر الحيوانات التي نشاهدها، وله خرطوم طويل يتنفس معه، وهذا الخرطوم يلف به طعامه فيرفعه إلى فمه فيأكل، فهذه البعوضة لها خرطوم، لها خرطوم ولكنه محدد، رأسه محدد، وبصرها قوي أقوى من بصرنا، بحيث إنها تبصر المنافذ الرقيقة التي هي مسام البدن؛ التي يخرج منها العرق. العرق يخرج من بدن الإنسان لا يخرج من كل مكان، وإنما يخرج من أماكن رقيقة تسمى المسام، فهذه البعوضة بقوة بصرها تبصر هذا المكان، فتقف عليه وتغرز فيه منقارها الذي هو الخرطوم.
فالحاصل أننا نؤمن بأن الله تعالى يرى كل شيء، ويسمع كل شيء ويعلم كل شيء، وفائدتنا من ذلك مراقبة الله. نؤمن بأسمائه وبصفاته، وننزهه سبحانه عن صفات النقائص. كذلك أيضا نؤمن باليوم الآخر؛ الذي هو البعث بعد الموت. نصدق بأنه يبعث الخلق من قبورهم، وأنه يجمعهم ويجازيهم بأعمالهم؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ونتيجة هذا الإيمان العمل للآخرة؛ العمل لما بعد الموت ؛ وذلك لأن من آمن وصدق وجزم بأن هناك دارا أخرى، وأن الناس إذا ماتوا يبعثون، وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم؛ فإنه يعمل لما بعد الموت؛ يعمل للآخرة. وأما إذا ضعف إيمانه فإنه يجعل عمله كله لأمر الدنيا؛ يجعل عمله للدنيا، وينسى الآخرة، كما جاء في بعض الآثار في ذكر أهل آخر الزمان (أنه يأتي عليهم زمان يحبون القصور، وينسون القبور) يعني: ينسون الموت وما بعد الموت.
كذلك من الإيمان: الإيمان برسل الله تعالى؛ أنه أرسلهم إلى الناس لينقذوهم ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، وأن خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- لا نبي بعده، وكذلك أيضا يؤمنون بكتبه، وأنه أنزل الكتب على الأنبياء، وأن آخرها هذا القرآن؛ الذي أنزله الله على نبينا -صلى الله عليه وسلم- ويؤمنون بالملائكة  لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ  ويؤمنون بالقضاء والقدر، وأن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وأنه لا يخفى عليه شيء من أمورهم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه يدخل في قدرته كل حركة تكون للعباد في هذه الدنيا، فهذا أمر العقيدة.
وإذا ذُكرا جميعا فالإسلام هو الأعمال الظاهرة: أركان الإسلام الخمسة، والإيمان هو الأعمال الباطنة: أركان الإيمان الستة. قد فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان بالأعمال الظاهرة. ذكر البخاري في كتاب الإيمان حديث وفد عبد القيس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لهم:  آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيمون الصلاة، وتؤتون الزكاة، وتؤدون خمس ما غنمتم  فسره بالشهادتين وبالصلاة والزكاة وبأداء الخمس من الغنيمة؛ فجعل هذه كلها من الإيمان، ولهذا ترجم لها البخاري يعني: ذكر أحاديث، وذكر تراجم تدل على أن هذه كلها داخلة في مسمى الإيمان.
وقد كتب العلماء -رحمهم الله- في الإيمان كتبا ليبينوا بذلك أنه قول وفعل واعتقاد، وممن كتب فيه من المتقدمين أبو عبيد القاسم بن سلام وهو من علماء اللغة، ولكنه أيضا من علماء الشريعة؛ لغوي وحافظ للأحاديث. له رسالة باسم الإيمان؛ رسالة في الإيمان. طبعت قديما مع غيرها، ثم طبعت مؤخرا. ذكر فيها -رحمه الله- صفة الإيمان، وما يَرِد فيه من الأعمال وما يدخل فيه وما يعترض به عليه، فدل على أنه أحس في زمانه بأن هناك من أخرج الأعمال من الإيمان.
وكتب أيضا أبو بكر بن أبي شيبة -رحمه الله- رسالة أيضا باسم الإيمان، ولكنها آثار. يذكر الباب، ثم يقول: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، ويقتصر على الآثار التي تدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.
 

 
الحافظ مسلم وعنايته بالحديث
_____________________


ثم إن بعد البخاري -رحمه الله- من الذين كتبوا في الحديث مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح؛ صحيح مسلم. كان أيضا من الحفاظ. ألف كتابه الذي هو صحيح مسلم وابتدأه بعد المقدمة بكتاب الإيمان، ولكنه لم يذكر تراجم كما فعل البخاري وأيضا ذكر في كتاب الإيمان كل شيء يتعلق بالعقيدة؛ فافتتح كتاب الإيمان بحديث جبريل المشهور، الذي رواه عمر -رضي الله عنه- وكذلك بعده بحديث أبي هريرة الذي رواه في نزول جبريل وسؤال النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم ذكر في كتاب الإيمان الأحاديث التي يحتج بها المرجئة ؛ الأحاديث التي في الشهادة، وأن  من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة  والأحاديث التي في الرجاء، والأحاديث التي يحتج بها الخوارج والمعتزلة التي فيها وعيد شديد؛ التي فيها الوعيد بالنار لمن فعل معصية أو نفي الإيمان أو نحو ذلك؛ مثل حديث:  لا يدخل الجنة نمام  من أحاديث الوعيد، وكذلك الأحاديث التي فيها نفي الإيمان أو نفي الاتباع؛ مثل قوله: ليس منا من فعل كذا،  ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية  وغير ذلك.
وذكر أيضا في كتاب الإيمان الأحاديث التي تتعلق بالأمور الغيبية ووجوب الإيمان بها وصفة الشفاعة؛ أحاديث الشفاعة؛ لأن الخوارج ينكرونها، وأحاديث إخراج المؤمنين من النار، وذكر تفاوت الإيمان في قلوبهم، وأنه ما بين ضعيف وقوي؛ حتى قال في الحديث:  أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال دينار من إيمان  ثم قال: (مثقال شعيرة من إيمان، مثقال ذرة، مثقال حبة خردل) مما يدل على أن أهل الإيمان يتفاوتون بقوة الإيمان في قلوبهم، وغير ذلك من الأحاديث، وأن الإيمان يضعف في القلوب.
استدل بحديث:  من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان  فجعل الإيمان يضعف. يكون منه قوي ومنه ضعيف، وهذه الأحاديث وغيرها تدخل في الإيمان، وتدخل أيضا في العقيدة؛ فجعل كتاب الإيمان عامّا لما يتعلق بالرد على المبتدعة؛ الرد على المرجئة، والرد على الوعيدية كالخوارج والمعتزلة، والرد على المعتزلة أيضا فيما يتعلق بالصفات، والرد على المفسقة ونحوهم، فكتابه الذي قدمه كتاب مفيد. يعني: في أول صحيحه يدل على عنايته -رحمه الله- بالأحاديث.
العلماء الذين ألفوا في الإيمان
كذلك من الذين كتبوا في الإيمان الإمام ابن منده واسمه محمد بن إسحاق وله مؤلفات؛ منها كتاب في التوحيد ضمَّنه الأعمال التي يجب العمل بها، وضمَّنه أيضا توحيد الأسماء والصفات، ومنها كتاب في الإيمان. طبع محققا في ثلاثة مجلدات، وإن كانت مجلدات ليست كبيرة. كله أحاديث. يروي تلك الأحاديث من كتب المتقدمين قبله أو مما فتح الله تعالى عليه. فهذا عناية السلف -رحمهم الله- بالإيمان، وهكذا أيضا مَن بعدَهم.
ومِن أشهر من كتب بعدهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فإنه ألف كتاب الإيمان، ويقال له: كتاب الإيمان الكبير، وله كتاب الإيمان المتوسط، وكتاب الإيمان الصغير؛ إلا أن الصغير ذكروا أنه اختصار لبعض تلاميذه. فهذا كتاب الإيمان الكبير طبع مفردا عدة طبعات، وطبع أيضا مع المجموع؛ في المجلد السابع من مجموع الفتاوى، وطبع له أيضا في ذلك المجلد. طبع له أيضا رسائل تتعلق بالإيمان، وتكلم أيضا على الإيمان في رسالته التي هي العقيدة الواسطية.
وكل ذلك دليل على أنهم رأوا أن المرجئة تمكن قولهم؛ حيث إنهم يسهلون في أمر المعاصي فخافوا أن الناس ينخدعون بقولهم، فأرادوا أن يبينوا الأدلة في أن الأعمال من مسمى الإيمان، وأن المعاصي تضر أصحابها، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن كثيرا من الذين معهم إيمان يدخلون النار بسبب المعاصي التي اقترفوها، فبعضهم يبقى فيها مائة سنة أو مئات أو سنوات أو نحو ذلك؛ حتى يحترقوا ويصبحوا كأنهم حمم، ثم بعد ذلك يأذن الله بالشفاعة لهم؛ لأن عندهم إيمان ولأن عندهم شهادة، ولأن عندهم صلاة، فيأمر الله تعالى بإخراجهم فيعرفون بآثار السجود. حرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود.
وذلك دليل على أنهم دخلوا النار مع كونهم يصلون ، ولكن ما أحرقت النار أعضاء السجود السبعة: الجبهة مع الأنف والكفين والركبتين وأطراف القدمين، فيخرجون وقد امتحشوا أو قد احترقوا، ويدخلون الجنة، ولكنهم يلقون في نهر يسمى نهر الحياة -أو نهر الحيا-؛ يلقون فيه فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل. ألم تروا أنها تخرج صفراء ملتوية ما يلي الظل منها أبيض وما يلي الشمس منها أخضر؟ فينبتون إلى أن تنبت أجسامهم، ثم بعد ذلك يدخلون منازلهم ومساكنهم في الجنة، ولكن دخولهم النار وتعذيبهم فيها مدة طويلة أو قصيرة يدل على أنهم استحقوا ذلك بأنواع من المعاصي والبدع ونحوها.
العقيدة الطحاوية وشروحها
ثم إن فقهاء الحنفية -رحمهم الله- تشددوا في التمسك بمعتقدهم. من جملتهم الطحاوي صاحب العقيدة التي تسمى الطحاوية، فإنه تمسك فيها بمعتقدهم، ولما ذكر الإيمان قال: وأهله في أصله سواء. جعله هو المعرفة والتصديق، وأخرج الأعمال من مسمى الإيمان، ولما اشتهرت هذه العقيدة شرحها كثير من الحنفية، ولما شرحوها؛ شرحوها على معتقدهم، وسلكوا فيها مسلك المعطلة في نفي الصفات، وفي أن الإيمان لا تدخل فيه الأعمال.
ولكن وفق الله لشرحها عالم من أهل السنة؛ ولكنه حنفي على معتقد مذهب الحنفية، وهو ابن أبي العز الأذرعي أنقذه الله من الاعتزال ومن البدع بسبب أنه قرأ على ابن كثير ؛ تتلمذ على ابن كثير العالم المشهور صاحب التفسير، وابن كثير شافعي المذهب، ولكنه تتلمذ على ابن تيمية وأخذ عنه عقيدة أهل السنة، فانتفع بمصاحبته وبالتلمذة عليه؛ فصار قوله في العقيدة كقول أهل السنة، فتأثر به تلميذه ابن أبي العز
ثم إن ابن أبي العز شرح الطحاوية، ولما شرحها؛ شرحها على معتقد أهل السنة، وكان ينقل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومن كتب ابن القيم ولكنه لا يجرؤ على ذكر أسمائهما مخافة ألا يقبل شرحه؛ لأن الحنفية يبغضون ابن تيمية لكونه خالفهم في العقيدة، وكذلك ابن القيم وله معهم قصص طويلة. لما أتى ابن أبي العز على تعريف الإيمان، وأن أهله في أصله سواء في كلام... الطحاوي حاول أن يقرب معتقدهم إلى معتقد أهل السنة، وقال: إن الخلاف لفظي، وإننا إذا قلنا: إن الإيمان هو الاعتقاد فإننا نريد الاعتقاد الجازم الذي يحمل على العمل؛ ليس الاعتقاد الضعيف الذي لا يحمل على العمل، ولا يكون له تأثير فيمن اعتقده.
لا شك أن هذا محاولة، وسمعت شيخنا عبد الله بن حميد -رحمه الله- تكلم مرة على الإيمان، ثم ذكر قول ابن أبي العز يقول: إنه حاول أن يقرب معتقد الحنفية ولم يصنع شيئا؛ وذلك لأن الأدلة ظاهرة في أن الأعمال من مسمى الإيمان ؛ الأدلة، وذكر منها آيات منها قول الله تعالى:  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  هذا عمل قلب،  وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا  هذا دليل على أن الإيمان يزيد،  وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  هذا أيضا عمل قلب،  الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  فجعل النفقة والصلاة ونحوها من الإيمان،  أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا  فالنفقات من الإيمان، والصلاة من الإيمان، والتوكل من الإيمان. والإيمان يزيد، وكل شيء يقبل الزيادة فإنه يقبل النقص.
واستدل أيضا بالآية التي في سورة السجدة، والتي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يداوم على قراءتها في صلاة الفجر يوم الجمعة. كان يداوم على قراءة سورة السجدة الم السجدة وهل أتى على الإنسان؛ كل سورة في ركعة. فيها قول الله تعالى:  إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  فذكر ستة أعمال جعلها صفات للمؤمن. إنما المؤمن حقا هو الذي يكون على هذه الأعمال. يعني:  إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا  إنما يكون المؤمن بآيات الله الذي يكون هكذا. لا شك أن هذا أيضا دليل صريح في أن الأعمال من مسمى الإيمان.
المرجئة يسهلون أمر المعاصي
وعلى ذلك فقول ابن أبي العز -رحمه الله- إن الخلاف بين أهل السنة وبين المرجئة خلاف لفظي ليس كذلك، ليس على إطلاقه؛ بل إنه خلاف معنوي؛ وذلك لأنهم إذا أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان فإنهم يغلِّبون جانب الرجاء؛ ولأجل ذلك سموا المرجئة. قيل: سموا مرجئة؛ لأنهم غلبوا جانب الرجاء. يعني: المرجئة يغلبون الرجاء على الخوف، ويقولون: (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل) يقولون: كما أن المشركين لو صلوا، وتصدقوا وحجوا ما نفعهم، فكذلك يقولون: المؤمنون الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان لو زنوا أو سرقوا أو قذفوا، أو قتلوا أو سكروا ما يضرهم ذلك! وهذا خطأ.
إن هذه الأعمال قد ورد فيها وعيد؛ وعيد شديد، فلا يجوز التهاون في أمر المعاصي والتسهيل فيها؛ لأنهم وإن كانوا من أهل التوحيد، ومن أهل لا إله إلا الله ولم يشركوا بالله، فإنهم وإن كان مآلهم إلى الخروج من النار ودخول الجنة، فإنهم تضرهم تلك المعاصي. يدخلون بسببها النار؛ سواء طالت مدتهم أو قصرت، وقد يطلق على بعضهم الخلود فيها، مثل قتل الإنسان نفسه.
في صحيح مسلم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-  من وجأ نفسه بحديدة  -يعني: طعن نفسه بحديدة-  فقتل نفسه، فحديدته في يده يجأ بها نفسه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه  -يعني: التهم السم وقتل نفسه- فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من شاهق -يعني: من رأس جبل-  فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا  .
وهكذا أيضا توعد الله تعالى القاتل  وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا  توعده بهذا الوعيد الشديد لما قتل مؤمنا، فذلك بلا شك دليل على أن هذه المعاصي يعاقب عليها ويتوعد عليها، ولو كان الخلود يراد به طول الإقامة. الخلود والتأبيد يراد بها المكث الطويل. يعني: يمكن أن بعضهم يمكث في النار مائة سنة أو مائتين أو ألف سنة. أليس ذلك عذاب شديد؟ أليس يلاقي هذا العذاب؟ يعذب كما يعذب الكفار الذين يخلدون فيها، والذين قال الله عنهم:  كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا  ويقول:  كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا  .
إذن فالخلاف معنوي بيننا وبين المرجئة الذين يسهلون في أمر المعاصي، وقد كثر المرجئة في هذه الأزمنة فقالوا مثلا: إن ترك الصلاة لا يضر، وجعلوه من جملة المعاصي التي لا يدخل أهلها النار ولا يصلون إلى الكفر، وكثير منهم يقولون: إذا كنت من أهل الإيمان وإذا كنت من أهل الشهادة فلا يضرك ما عملت، فيتعلقون بحديث:  إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله  وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-  أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه  والجواب أن كلمة (لا إله إلا الله) قيدت بالقيود الثقال. ذكر العلماء لها سبعة شروط. نظمها بعضهم بقوله:
علـم يقين وإخـلاص وصدقك معْ
 محبـة وانقيـاد والقبـول لهـا
 
وإذا اجتمعت هذه الشروط السبعة فلا بد أنه يتبعها العمل؛ فقولها باللسان ولكن عدم العلم وعدم الانقياد، وعدم العمل وعدم اليقين وعدم القبول لا تفيد معه، ولذلك جاءت الأحاديث (.... خالصا من قلبه)؛ لأنه إذا قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه. امتلأ قلبه بهذه الكلمة، وعرف أن الله تعالى هو الإله؛ الإله الحق، وعظم قدر ربه في قلبه، وبذلك يستعظم المعصية؛ يستعظم أن يعصي ربه ولو بمعصية صغيرة، ولهذا كانوا يحذرون عن صغائر الذنوب......
... هؤلاء المرجئة الذين يسهلون في أمر المعاصي فنحذرهم ونقول لهم: تأملوا الأحاديث التي في الوعيد. أليس النبي صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة؛ لعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومشتريها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها؟!
ولعن في الربا خمسة؛ لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه؛ لأنهم تعاونوا عليه فدخلوا في هذا الوعيد؟!
وكذلك أيضا وردت الأدلة في الوعيد على كثير من المعاصي. توعد الله مثلا آكل مال اليتيم في قوله تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا  مع أنه أكل لمال؛ مع أن ذلك الآكل قد يكون يصلي، ويصوم ويتصدق ويجاهد، ولكن لما أنه ظلم توعده الله تعالى بالعذاب.
وهكذا أيضا توعد الذين يقذفون المؤمنات بوعيد شديد في قوله تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ  فأخبر بأنهم إذا قالوا: فلانة زنت، وهي محصنة عفيفة، أو فلان زنى أو زان، وهم كاذبون عليه فإنه يعاقبهم بهذه العقوبة. أليس ذلك دليلا على أن المعاصي لا يتهاون بها، وأن الذين يتهاونون بها ويسمون مرجئة أنهم على خطر من العذاب؟! فلا يجوز للمسلم أن يتهاون بالعذاب، وعليه أن يجدد أمر العقيدة، وأن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
قد ذكر الله تعالى زيادته في آيات كثيرة كقوله تعالى:  فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  وقوله:  أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا  ونحو ذلك من الآيات فالإيمان يزيد وينقص فالكلمة التي هي ذكر لله تعالى أو أمر بالمعروف أو نهي عن منكر أو تسبيح، أو تحميد أو قراءة لآيات من القرآن يزيد بها إيمانك، والكلمة التي هي سب أو شتم أو لعن أو قذف أو غيبة أو نميمة ينقص بها إيمانك، ونظرك مثلا في المصحف أو في كتب العلم، أو نظرك في آيات الله للاعتبار يزيد به إيمانك، ونظرك إلى الصور الخليعة مثلا وإلى النساء المتكشفات وما أشبه ذلك ينقص به إيمانك، وسماعك للذكر وسماعك للعلم، وسماعك للفوائد يزيد به إيمانك، وسماعك للغناء وللطرب وللمزامير وللكلام القبيح ينقص به إيمانك. ونفقتك في وجوه الخير، وصدقتك على المساكين ونحوهم وفي سبيل الله يزيد بها إيمانك، ونفقتك في شراء آلات الملاهي أو في إفساد الأموال وشراء المحرمات وما أشبه ذلك ينقص بذلك إيمانك، وخطواتك إلى المساجد تبتغي بذلك الصلاة والعلم والفائدة يزيد بها إيمانك، وخطواتك إلى أماكن اللعب وأماكن الفواحش وأماكن الرقص والغناء وما أشبه ذلك ينقص بها إيمانك، فحاول أن تفعل الأشياء التي يزيد بها إيمانك، وتجنب ما ينقص إيمانك. ذلك لأنه إذا تعاطى ما ينقص إيمانه دائما أو شك أن ينقص الإيمان حتى لا يبقى منه شيء، وإذا اضمحل الإيمان خلفه الكفر -والعياذ بالله-.
 

 
أبو داود السجستاني وعنايته بالحديث
_____________________


عرفنا بذلك أن الإمام البخاري -رحمه الله- ابتدأ بعد المقدمة، وكذا مسلم بكتاب الإيمان لأهميته، وردا على المرجئة.
ثم إن في زمن الإمام البخاري أيضا زملاء له كتبوا في الكتب الحديثية؛ كتبوا كتبا في الحديث منهم:
أبو داود السجستاني ؛ سليمان بن الأشعث له كتاب السنن مطبوع عدة طبعات. ابتدأه بكتاب الطهارة والصلاة وما بعد ذلك، ولكن جعل في آخره كتاب السنة. يعني:
ما يتعلق بها؛ فجمع كتابه بين العقيدة وبين الأحكام، وبين الآداب.
 

 
الترمذي وعنايته بالحديث
_____________________


ومنهم الترمذي ؛ محمد بن عيسى بن سورة الترمذي عالم جليل له كتاب السنن، وقد يسمى بالصحيح؛ وذلك لأنه انتقاه من أحاديث كثيرة. بدأه أيضا بكتاب الطهارة والصلاة وما يتعلق بها، وذكر في أثنائه، أو في أواخره ما يتعلق بالأحكام وما يتعلق بالسنة، فجمع بين العقيدة والأحكام.
 

 
النسائي وعنايته بالحديث
_____________________


ومنهم النَّسَائي عالم أيضا مشهور. كتب كتاب السنن الكبرى وتوسع فيه، وهو أيضا مطبوع، ثم كتب كتاب السنن الصغرى الذي هو (المُجْتَبَى) اختصره من الكتاب الكبير، وهو أيضا مطبوع، وابتدأه بما يتعلق بالعبادات كالطهارة والصلاة ونحوها، ولكنه في (المُجْتَبَى) أطال فيما يتعلق بالصلاة ونحوها واختصر في الباقي، ويوجد الباقي في السنن الكبرى، وكلاهما موجود.
 

 
ابن ماجه وعنايته بالحديث
_____________________


ومنهم ابن ماجه ؛ محمد بن يزيد بن ماجه في درجة البخاري ومسلم يروي عن مشائخهما. له كتاب السنن، ابتدأه بمقدمة في العقيدة كما فعل مسلم وذكر أمور العقيدة، وذكر ما يتعلق بها، وبعد ذلك أتبعه بالأحكام؛ بالصلاة والزكاة وما بعدها؛ إلا أنه -رحمه الله- روى أحاديث ضعيفة، وروى عن رجال فيهم ضعف، ولكن هو من الأئمة الحفاظ. يدل على ذلك اعتناؤه بكتابه حيث رواها بالأحاديث، وحيث ترجم لها، وحيث رتبها ترتيبا بليغا؛ فجعله العلماء هو الرابع من أهل السنن، فصار أصحاب السنن أربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه هؤلاء أصحاب السنن يضاف إليهم البخاري ومسلم فيكونون ستة وهم أصحاب الكتب الستة الذين اعتنوا بجمع السنة، وصارت كتبهم فيما يتعلق بالسنة وما يتعلق بالأحاديث إلا أن البخاري -رحمه الله- في كتابه كثير من الآثار الموقوفة، وأما غيره؛ الخمسة الباقون فإنهم محضوها للأحاديث المرفوعة.
كذلك أضاف بعضهم إلى هذه الكتب موطأ الإمام مالك ولكن ذكرنا أنه ذكر فيه كثيرا من رأيه، ومن الكلام الذي لا يتعلق بالأحاديث، ولكنه يتعلق بالأحكام.
ألحق بها بعضهم سنن الدارمي وهو شيخ مسلم يروي عنه كثيرا، وسننه موجودة مطبوعة محققة؛ ولكن كتابه يشتمل على كثير من الآثار (من كلام الصحابة، وكلام التابعين) فلذلك لم يكن من الكتب الحديثية التي هي خالصة، ولكن فيه أحاديث كثيرة. هو أيضا بدأ كتابه بمقدمة في العقيدة. يعني: ابتدأ بالعقيدة لأهميتها كما فعل مسلم وكما فعل ابن ماجه .
 

 
ابن خزيمة وصحيحه
_____________________


فهذه كتب أهل الحديث الذين مَنَّ الله تعالى على الأمة ببقائها وحُفِظَت السنة، وجاء بعدهم أيضا مَنْ كَتَبَ في السنة وتوسع في ذلك. منهم ابن خزيمة له كتاب في الصحيح ولكن ما وُجِدَ إلا بعضه. أي: ما يتعلق بقسم العبادات؛ الطهارة والصلاة والصوم والحج والزكاة. لم يوجد البقية.
 

 
ابن حبان وصحيحه
_____________________


ومنهم ابن حبان له كتاب يعرف بصحيح ابن حبان ورتبه -رحمه الله- ترتيبا صعبا، ثم إنه جاء بعده ابن علان أو بلبان ورتبه وسماه (الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ) وطُبع كاملا بما فيه تراجمه وأبوابه.
 

 
أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ومستدركه
_____________________


وجاء أيضا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع الحاكم وألف كتابه المستدرك، ولكنه -رحمه الله- تنزل فذكر فيه أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة، واختصره الذهبي ونبه على الأحاديث الضعيفة، ولكن فاته أحاديث كثيرة فيها ضعف.
 

 
الدارقطني وعنايته بالحديث
_____________________


فهذه أيضا من الكتب التي اعتنت بالسنة، وجاء بعدهم أيضا الدارقطني وألف كتاب السنن، وروى فيه أحاديث لم يَروها مَن قبله، وإن كان فيها ضعف، وترك الأحاديث المشهورة التي فيها مقال، أو التي رواها غيره من المتقدمين اكتفاء بمن قبله، وكتابه أيضا مطبوع.
 

 
البيهقي وعنايته بالحديث
_____________________


وجاء بعده أيضا البيهقي وألف كتبا كثيرة من أشهرها كتاب السنن الكبرى للبيهقي استوفى فيها الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، وروى فيها أيضا الأحاديث التي رواها غيره؛ أهل السنن وأهل الصحيح وغيرهم وزاد زيادات، وكذلك أيضا ذكر فيها أحاديث موقوفة أو مقطوعة من كلام التابعين أو نحوهم.
ولا شك أن هذا دليل على أن صدر هذه الأمة قد اعتنوا بالسنة وخدموها خدمة زائدة لعلمهم بأنها الدليل الثاني الذي يُعتمد في الاستدلال به على الأوامر والنواهي.
 

 
من شكك في السنة ورواتها والرد عليه
_____________________


ثم حدث في المتأخرين مَنْ شَكَّكَ في هذه الأحاديث؛ مع أنها مروية بالأسانيد، فظهر رجل في مصر يقال له: أبو رية وألف كتابا سماه (أضواء على السنة المحمدية) شحنه بالشكوك؛ التشكيك في الأحاديث، والتشكيك في الرواة، وحمل على أبي هريرة وجعله كذابا مفتريا، وحمل على الزهري وذلك لأن أبا هريرة أكثرهم حديثا، والزُّهري هو الذي حفظ السنة في زمن التابعين، وجعله أيضا كذابا، ورماه بأنه كان يغشى الملوك، وبأنه، وبأنه...، ومع ذلك راج كتابه على كثير، واشتروه بغالي الأثمان-والعياذ بالله-. رد عليه كثير من العلماء-رحمهم الله- رد عليه محمد عبد الرزاق حمزة بكتابه الذي سماه (ظلمات أبي رية على أضواء السنة المحمدية) وهو مطبوع، ورد عليه أيضا عبد الرحمن المُعَلمي -رحمه الله- اليماني ورده أيضا مطبوع، ورد عليه أيضا علماء من مصر بكتاب اسمه (دفاع عن السنة المحمدية) وغيرهم ممن انتصروا للأحاديث، وكذلك أيضا مصطفى السباعي -رحمه الله- ألف كتابه الذي سماه (السنة) وهو أيضا مطبوع.
فكل ذلك دليل على أن العلماء المتقدمين -رحمهم الله- اهتموا بالأحاديث، وخدموها خدمة تامة، فما علينا إلا أن ننهل من كتبهم، ونقرأ فيها، ونعرف ما فيها أيضا من الأحاديث المقبولة وغيرها.
 

 
دور الشيخ ناصر الدين الألباني في الحكم على الأحاديث
_____________________


من جملة الذين اشتغلوا بالسنة وبالأحاديث الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- فإنه اشتغل بالسنة. رزقه الله تعالى مراجع وتيسرت له الكتب الحديثية المطبوعة والمخطوطة، وتيسرت له كتب الرجال فعرف الرجال الموثوقين وغيرهم، فصار شغله الشاغل تخريج الأحاديث وذِكْر درجتها، فأفرد الأحاديث الصحيحة في سنن أبي داود والأحاديث الضعيفة؛ صحيح سنن أبي داود وضعيفها، وصحيح سنن الترمذي وضعيفها، وصحيح سنن النسائي وضعيفها، وصحيح سنن ابن ماجه وضعيفها. جعل كل واحد على حدة، وكان الأفضل لو جمعها في كتاب واحد. يعني لأن في هذا شيئا من التكرار. يذكر الحديث الصحيح في أربعة كتب ولفظه واحد، ويذكر الحديث الضعيف في أربعة كتب ولفظه واحد، فلو اختصره فقال مثلا: صحيح كتب السنن الأربعة وضعيف كتب السنن الأربعة لكان أولى.
وكذلك أيضا اشتغل بالجامع الصغير الذي ألفه السيوطي في الأحاديث اللفظية. ذكر فيه؛ جعله قسمين: صحيح الجامع الصغير، وضعيف الجامع الصغير. كل واحد في ثلاثة مجلدات كبار. كذلك أيضا اشتغل بكتاب المنذري الذي هو (الترغيب والترهيب) وجعله قسمين أيضا: ضعيف، وصحيح. ولو مثلا أنه ضمه مع غيره لكان أسهل، وكذلك أيضا خرَّج أحاديث (منار السبيل) وهو أحد الكتب الفقهية التي في مذهب الإمام أحمد لأنه كان كثيرا ما يستدل بأحاديث وآثار فاشتغل بها وسماه (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل) وطُبِعَ في ثمانية مجلدات صغار مما يدل على عنايته -رحمه الله- بالسنة واجتهاده في خدمتها، وهكذا أيضا تخريج أحاديث كتاب سيد سابق أيضا خرَّجه، وجمع فيه ما كان في هذا الكتاب.
وبكل حال فإن السنة -والحمد لله- مخدومة قديما وحديثا، وهناك من يدافع عنها وما علينا إلا أن نقرأها، ونعمل بما كان صحيحا، ونتجنب ما كان ضعيفا.
نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.