بحث عن بحث

 

 رتبة السنة النبوية في التشريع (1)

 

 

لا خلاف بين علماء المسلمين قديما وحديثا إلا من شذ من بعض الطوائف المغرضة المنحرفة – من غلاة الشيعة والخوارج والروافض والمستشرقين وبعض المتكلمين حديثا ممن يتكلمون بلغتنا وينتسبون إلي أمتنا – في أن كلا من الكتاب والسنة وحي من عند الله تعالي وحجة لمعرفة الحلال والحرام ، ودليل يجب علي المجتهد التمسك به والعمل بمقتضاه ، وكذلك لا نزاع بينهم في أن الكتاب الكريم يمتاز عن السنة ويفضل عنها بأن لفظه من عند الله عزوجل ، متعبد بتلاوته ، معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله بخلافها ، فهي دون منزلتة في هذه النواحي (1)

 لكن هل تلك الصفات التي اجتمعت فيه توجب التفضيل بينهما من حيث القيمة التشريعية بأن تكون رتبتها التأخر عن الكتاب في الاعتبار والاحتجاج بها علي الأحكام الشرعية فتسقط ويعمل به وحده لو حصل بينهما تعارض أم هما سواء من هذه الناحية ؟

اختلف العلماء في ذلك علي قولين :

   القول الأول : ذهب الشافعي وابن حزم والخطيب وغيرهما(2) إلي أن الكتاب والسنة في رتبة واحدة من حيث الاحتجاج بهما علي الأحكام الشرعية (3)

القول الثاني : وذهب الشاطبي، ومن تبعه ممن نقل عنه في عصرنا كالشيخ محمد الخضري والدكتور مصطفي السباعي وغيرهما إلي أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار(4)

أدلة أصحاب القول الأول :

استدل أصحاب القول الأول علي ما ذهبوا إليه بالآتي:

1 ــ أن القرآن والسنة وحي من عند الله وإن تفرقت طرقهما وأسبابهما، وقد بين لنا ربنا تبارك وتعالى عصمة نبيهصلى الله عليه وسلم مما يخل بالتبليغ بقوله:( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى)[ سورة النجم /3 ــ 5 ]

 وقال صلى الله عليه وسلم:( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه..)(5)

2 ــ أن الله سبحانه وتعالي سوي بين القرآن والسنة في وجوب الطاعة ، فالآيات القرآنية الكريمة أجمعت معانيها علي وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يدعو إليه من شرع الله تعالي من غير أن تذكر البتة أن مقام السنة التأخر عن الكتاب من حيث الحجية.

 من تلك الآيات قوله تعالى:" من يطع الرسول فقد أطاع الله"[ سورة النساء /80]  وقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول"[ سورة النساء /59]  وقد ذكرنا كثيرا من الآيات في مبحث حجية السنة ووجه الدلالة منها.

3 ــ أن السنة بيان لما اشتمل عليه القرآن من أحكام ، قال تعالى:( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)[ سورة النحل /44 ] ،ولا يمكن – كما قال الشافعي- للبيان بحال أن تكون مرتبته أدني من مرتبة النص الأصلي (6)

يقول الإمام الشافعي مبينا حجة هذا الرأي:( فكل من قبل عن الله  فرائضه في كتابه قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنته، بفرض الله طاعة رسوله علي خلقه وأن ينتهوا إلي حكمه ، ومن قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته ).

فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله،القبول لكل واحد منهما عن الله ،وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما، كما أحل ، وحرم ، وفرض ، وحد بأسباب متفرقة كما يشاء جل ثناؤه:" لا يسأل عما يفعل وهم يسألون 


(1) منزلة السنة من الكتاب ص 469- 470 بتصرف

(2) كالدكتور عبد الغني عبد الخالق، والأستاذ عباس حماده، انظر حجية السنة ص 485، والسنة النبوية ومكانتها في التشريع ص 188.

(3) الرسالة ص33، الأحكام في فصول الأحكام 1/96، 97، 4/107.الكفاية ص 23

(4) الموافقات 4/3، وأصول الفقه ص 241، والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 377.

(5) سنن أبي داود في السنة باب فى لزوم السنة.

(6) انظر: الرسالة ص 106، 107، والأحكام لابن حزم 1/96، 97، 4/107.