بحث عن بحث

 

 شبه المنكرين لحجية السنة، والرد عليهم (28)

 

سادسا : تدوين السنة .

وكذلك لما شاع الكذب وانتشر ، رأى القائمون على الأمر في الدولة الإسلامية وعلى رأسهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه جمع السنن المتفرقة ، ونسخها في ديوان واحد يمكن الاعتماد عليه في تمييز الجيد من الرديء ، والصحيح من لكذب .

يقول ابن شهاب الزهري ــ وقد كلف من قبل عمر بن عبد العزيز أن يقوم بالجمع والتدوين ــ " لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ، ما كتبت حديثا ولا أذنت في كتابه "(1)

ويقول أيضا :" أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن ، فكتبناها دفترا ، دفترا ، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا "(2).

هذا كله فضلا عن الجد والاجتهاد في تدريس السنن ومدارستها ، بحيث شاعت وانتشرت وأصبح صعبا على الكذابين والدجالين التقول عليها أو التزيد فيها .

وعليه فيمكن القول بأنه إذا كانت الفتن التى وقعت بين المسلمين والتى بدأت بمقتل سيدنا عمر رضي الله عنه واشتدت بمقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه وتوالت بفتنة على ومعاوية -رضى الله عنهما - إذا كانت تلك الفتن ذات أثر سلبى على السنة النبوية، فإنها كانت فى الوقت نفسه سبباً فى بناء أقوى الطرق العلمية للنقد والتمحيص، ليس فى الحديث فقط بل فى سائر العلوم الإسلامية .

يقول الدكتور همام سعيد : "مما لا شك فيه أن فتناً كثيرة وقعت فى عصر الصحابة أولها مقتل عمر رضي الله عنه، ثم مقتل عثمان رضي الله عنه، ثم الفتنة الكبرى بين على ومعاوية - رضى الله عنهما - ولقد استهدفت هذه الفتن الإسلام فى أصوله وفروعه، وأراد موقدوها أن يفسدوا على المسلمين أمور دينهم، ومما لا ريب فيه أن الفتنة ذات أثر سلبى، ولكنها فى الوقت نفسه كانت سبباً فى بناء المنهج الإسلامى، ليس فقط فى الحديث وحده، بل فى العقيدة والفقه، وأصوله . وفى الحقيقة إذا كان المسلمون قد أضاعوا دولتهم من خلال الفتنة، فقد وجدوا المنهج من خلال الفتنة وأثر الفتنة فى بناء المنهج أمر لابد أن نلتفت إليه، وما ظهر الجرح والتعديل، وطلب الإسناد وسائر علوم الحديث إلا من خلال وجود الفتنة، تماماً كما ظهر علم النحو من خلال وجود اللحن فى اللغة(3).

ولعل بروز الفتنة فى ذلك العصر المبكر، والصحابة متوافرون كان فى غاية الفائدة بالنسبة للسنة النبوية . وكم ستكون المشكلة كبيرة لو أن هذه الفتن وقعت بعد انتهاء عصر الصحابة رضي الله عنهم.

إن حدوث الفتن أفاد السنة المطهرة فائدة كبيرة، ويمكن أن نقارن هذا الأثر الإيجابى بأثر اللحن على اللغة العربية، إذ عندما ظهر اللحن وفشا، واختلط العرب بالعجم، ظهرت الحاجة إلى تقعيد النحو وضبطه وتدوين شواهده، فكان اللحن مفسدة من جهة أثره على الفطرة اللغوية السليمة، ولكنه كان حافزاً لحفظ اللغة وتأسيس مناهجها . وإن فشو اللحن فى ذلك الزمن المبكر حيث الفصاحة والبيان والفطرة اللغوية فى قلب الجزيرة العربية، قد مكن العلماء من استنباط القواعد وجمعها، والتوصل إلى مناهج الضبط اللغوى . ولو تأخر اللحن حتى زالت السليقة عن طريق الاختلاط بين العرب والعجم لحدثت مشكلة لا حل لها ولا علاج .

وكذلك الحال بالنسبة للحديث، فقد ظهرت الفتن والصحابة أحياء، والرواية قريبة من مصدرها الأصلى، وخطوط الاتصال بين الصحابة والنبى صلى الله عليه وسلم قائمة مفتوحة كل هذا ساعد على استقرار المنهج، ولو تأخرت الفتنة، ووقعت بعد عصر الصحابة، وقد بعدت الرواية عن مصدرها، فإنه لا يمكن عندئذ استكمال القواعد المنهجية .

لقد أثرت الفتنة على النظام السياسى الإسلامى، ولكنها فى الوقت ذاته ساعدت على تأصيل مختلف العلوم الإسلامية، وأبرزت مناهجها . 


(1) انظر : تقييد العلم ص 108 .

(2) انظر : جامع بيان العلم وفضله ( 1 / 91 ، 92 ).

(3) انظر : مؤتمر السنة النبوية ومنهجها في بناء المعرفة والحضارة ، تعليق الدكتور همام على بحث الشيخ عز الدين التميمي ( 2 / 602 ، 603 )