بحث عن بحث

 

شبه المنكرين لحجية السنة، والرد عليهم (24)

 

ثالثا : تتبع الكذابين والدجالين لفضحهم ، وكشف أسرارهم .

وبجانب الاحتياط والتحري في قبول الأخبار ، كانوا يتتبعون الكذابين والدجالين لفضحهم ، وكشف أسرارهم حتى يحذرهم الناس ، وربما كانوا يمنعوهم من التحديث بأنفسهم أو بواسطة الحكام والسلاطين :

جاء عباد بن حبيب إلى شعبة فقال : " إن لي إليك حاجة ، فقال : ما هي ؟ فقال : تكف عن أبان بن أبي عياش ، فقال : أنظرني ثلاثا ، وجاء بعد الثالث ، فقال : يا عباد نظرت فيما قلت ، فرأيت أنه لا يحل السكوت عنه "(1)

 وعن حماد بن زيد قال : جاءني أبان بن أبي عياش فقال : أحب أن تكلم شعبة أن يكف عني ، قال : فكلمته فكف عنه أياما ، فأتاني في بعض الليل ، فقال : إنك سألتني أن أكف عن أبان ، وأنه لا يحل الكف عنه ، فإنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم(2).

وقال عبد الرحمن بن مهدي : " مررت مع سفيان الثوري برجل ، فقال : كذاب والله ، لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت "(3)

وكان أئمة الحديث على جانب عظيم من الوعى والإطلاع، فقد كانوا يحفظون الصحيح، والضعيف، والموضوع حتى لا يختلط عليهم، وعلى من بعدهم الحديث، وليميزوا الخبيث من الطيب، وفى هذا يقول الإمام سفيان الثورى : "إنى لأروى الحديث على ثلاثة أوجه : أسمع الحديث من الرجل اتخذه ديناً، وأسمع من الرجل أقف حديثه، وأسمع من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته(4) .

وروى الخطيب عن الإمام أحمد بن حنبل أنه رأى يحيى بن معين بصنعاء فى زاوية، وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد بن حنبل : تكتب صحيفة مَعْمَر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل : إنك تتكلم فى أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال : رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر، على الوجه، فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجئ بعده إنسان فيجعل بدل أَبَان، ثابتاً ويرويها عن مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس ابن مالك، فأقول له : كذبت إنما هى عن مَعْمَر عن أبان، لا عن ثابت(5)

وكان عامر الشعبي يمر بأبي صالح صاحب التفسير ، فيأخذ بأذنه ، ويقول : ويحك !! كيف تفسر القرآن ، وأنت لا تحسن أن تقرأ ؟(6)

بالإضافة إلى ما سبق فإن المحدثين كانوا يحاربون الكذابين علانية ويمنعونهم من التحديث، ويستعدون عليهم السلطان .

يقول الإمام الشافعى رحمه الله : "لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، كان يجئ إلى الرجل فيقول : لا تحدث وإلا استعديت عليك السلطان"(7)

وقال عبد الملك بن إبراهيم : " رأيت شعبة مغضبا مبادرا ، فقلت : مه يا أبا بسطام ؟ فأراني طينة في يده ، وقال : استعدي على جعفر بن الزبير ، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (8)".

وعن حمزة الزيات قال : " سمع مرة الهمداني من الحارث الأعور شيئا ، فقال له : اقعد بالباب . قال : فدخل مرة ، وأخذ سيفه ، قال : وأحس الحارث بالشر فذهب "(9)

وكانت الثمرة العملية لهذه المتابعة وتلك الملاحقة : أن توارى الكذابون ، وكفوا عن الكذب ، وأن عرف العامة حقيقة الأمر ، فميزوا بين الدجالين والثقات ، وأن ظهرت فيما بعد كتب كثيرة تضم في طياتها الألوف من الأحاديث الموضوعة والواهية التي لا تحل روايتها إلا للتنفير والتحذير منها(10) .


(1) ـ انظر : مقدمة الجرح والتعديل ص 171 ، والمجروحين ( 1 / 20 ) .

(2) المجروحين ( 1 / 117 ) .

(3) المجروحين ( 1 / 20 ) .

(4) أخرجه الخطيب فى الكفاية ص 568، والجامع لأخلاق الراوى ص 157 وابن عدى فى الكامل فى الضعفاء 1/ 2.

(5) أخرجه الخطيب فى الجامع لأخلاق الراوى ص 157.

(6) انظر : تذكرة الحفاظ ( 1 / 83 ) ، والسنة قبل التدوين ص 230 نقلا عن قبول الأخبار للبلخي .

(7) أخرجه الخطيب فى الجامع لأخلاق الراوى ص149،وانظر:السنة قبل التدوين ص 228-232، وتوثيق السنة فى القرن الثانى الهجرى للدكتور رفعت فوزى ص 135، 136، وشفاء الصدور فى تاريخ السنة ومناهج المحدثين للدكتور السيد محمد نوح 1/123.

(8) انظر : تهذيب التهذيب ( 2 / 91 ) والسنة قبل التدوين ص 230 ــ 231 .

(9)  انظر : صحيح مسلم ، المقدمة ، باب بيان أن الإسناد من الدين ( 1 / 19 ) .

(10) انظر : شفاء الصدور في تاريخ السنة ص 125 .