بحث عن بحث

 

 شبه المنكرين لحجية السنة، والرد عليهم (20)

 

الشبهة الخامسة : قال بعض خصوم السنة : إن السنة النبوية قد طرأ عليها التحريف والوضع :

_ بسبب الخلافات السياسية ، والفقهية ، والكلامية .

_ وبسبب الزندقة المتمثلة في التظاهر بالإسلام مع كراهيته دينا ودولة .

_ وبسبب التعصب للجنس ، واللغة ، والقبيلة ، والبلد ، والإمام .

_ وبسبب التكسب والارتزاق من القصاص والوعاظ .

_ وبسبب الجهل من بعض الزهاد ، والعباد ، والمتصوفة .

_ وبسبب التقرب إلى الملوك والأمراء بما يوافق أهواءهم ومشاربهم إلى غير ذلك من الأسباب .

وإذا كان الأمر كذلك ، فإن السنة النبوية ، لا يوثق بها ، ولا يعتمد عليها ، ولا يصلح أن تكون حجة في دين الله ، ولا مصدرا أصيلا من مصادر التشريع الإسلامي .

ويجاب عن هذه الشبهة :

بأنه إذا كان التحريف والوضع قد طرآ على السنة النبوية بسبب ما تقدم ، فإن علماء الإسلام لم يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء هذه الحركة ، وإنما كانت لهم جهود ضخمة ومباركة في نفس الوقت ، ساعدت على صيانة السنة ، وتنقيتها من كل زيف ألصق بها أو دخيل أقحم عليها ، ويمكن تلخيص هذه الجهود فيما يلي :

أولا : المطالبة بالإسناد والالتزام به :

إذ أن الصحابة ــ رضي الله تعالى عنهم ــ لم يكن يشك بعضهم في بعض ، سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد موته ، وكذلك التابعون لم يتوقف واحد منهم في قبول أي حديث يرويه صحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

واستمرت الحال كذلك حتى وقعت الفتنة التي أدت إلى مقتل أمير المؤمنين عثمان ــ رضي الله عنه ــ وانقسم المسلمون شيعا وأحزابا ، وبدأ الدس والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ يتزايد شيئا فشيئا ، هنالك عمل الصحابة والتابعون على التحري والتأكد من صحة ما يسمعون كيلا يدخلوا على السنة ما ليس منها ، فركزوا أول ما ركزوا على الإسناد ، فالتزموا به في رواياتهم ، وطالبوا به غيرهم بحيث ردوا كل خبر يروى بدونه ، لأنه المقدمة الأولى التي يستدلون بواسطتها على صحة المروي.     يقول ابن سيرين : " لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم "(1)

وعن مجاهد قال : " جاء بشير العدوي إلى ابن عباس ، فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه (2) ولا ينظر إليه ، فقال يا ابن عباس : ما لي لا أراك تسمع حديثي ؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع ، فقال ابن عباس : إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول ، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف "(3)

 وعن أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال : قلت لعبد الله بن المبارك : يا أبا عبد الرحمن : الحديث الذي جاء " إن من البر بعد البر : أن تصلي لأبويك مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صومك " قال : : فقال عبد الله : يا أبا سحاق عمن هذا ؟ قال : قلت له هذا من حديث شهاب بن خراش ، فقال : ثقة ، عمن ؟ قال : قلت : عن الحجاج بن دينار ، قال : ثقة ، عمن ؟ قال : قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا أبا إسحاق : إن بين الحجاج بن دينار ، وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز(4) تنقطع فيها أعناق المطي ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف "(5).

وبلغت بهم العناية بالإسناد : أن جعلوا الرواية بدونه جرأة على الله عز وجل ، جاء عن عتبة بن أبي حكيم :(أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة ، وعنده الزهري ، قال : فجعل ابن أبي فروة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له الزهري : قاتلك الله يا ابن أبي فروة ، ما أجرأك على الله لا تسند أحاديثك ؟ تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة )(6)

بل قد جعلوه من الدين ، نظرا لأنه وسيلة تعين على حفظ الدين وصيانته يقول عبد الله بن المبارك : " الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من

شاء ما شاء " ويقول أيضا : بيننا وبين القوم : القوائم(7) ــ يعني الإسناد "(8)

وجدير بالذكر أن نشير إلى أن القوم ــ تطبيقا لهذا المنهج ــ ما كانوا يستنكفون عن إبراز الإسناد عندما يطلب منهم وكانوا يتواصون بذلك : يروي الأصمعي فيقول : " حضرت ابن عيينة ، وأتاه أعرابي ، فقال : كيف أصبح الشيخ يرحمه الله ؟ فقال سفيان : بخير ، بحمد الله ، قال : ما تقول في امرأة من الحاج حاضت قبل أن تطوف بالبيت ؟ فقال : تفعل ما يفعل الحاج ، غير أنا لا تطوف بالبيت ، فقال : هل من فدوة ؟ قال : نعم ، عائشة حاضت قبل أن تطوف بالبيت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفعل ما يفعل الحاج ، غير الطواف ، قال : هل من بلاغ عنها ؟ قال : نعم ، حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بذلك ، قال الأعرابي : لقد استسمنت القدوة ، وأحسنت البلاغ ، والله لك بالرشاد "(9)

ويروي الشعبي : أن الربيع بن خثيم قال : ( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير عشر مرات ، كن له كعتق رقاب أو رقبة) ، قال الشعبي ، فقلت للربيع بن خثيم من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال عمرو بن ميمون الأودي ، فلقيت عمرو بن ميمون الأودي ، قلت : من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال : عبد الرحمن بن أبي ليلى ، فلقيت ابن أبي ليلى ، فقلت : من حدثك ؟ قال : أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم "(10)

وعن مالك بن أنس قال : " كنا نجلس إلى الزهري ، وإلى محمد بن المنكدر ، فيقول الزهري ، قال ابن عمر : كذا وكذا ، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه ، فقلنا له : الذي ذكرت عن ابن عمر ، من أخبرك به ؟ قال : ابنه سالم "(11)

وقال حبيب بن الشهيد ، قال لي محمد بن سيرين : سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة ؟ فسألته ، فقال : من سمرة "(12)

وقال هشام بن عروة : " إذا حدثك رجل بحديث ، فقل عمن هذا ، أو ممن سمعته ، فإن الرجل يحدث عن آخر دونه ــ يعني في الإتقان والصدق


 

(1) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ( 27 ) ط : دار السلام . وابن حبان في المجروحين ، النوع التاسع عشر ( 1 / 82 ) والجطيب في الكفاية ، باب في الأخذ عن أهل البدع والأهواء ( ص 197 ) .

(2)ـ قوله ( لا يأذن لحديثه ) معناه : أنه لا يستمع له ولا يصغي . انظر النهاية ( 1 / 22 ) .

(3) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ( 21 ) .

(4) المفاوز : جمع مفازة ، وهي البرية القفر البعيدة عن العمران وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها . انظر : النهاية 3 / 218 .

(5) أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح ( 32 ) . ومعنى الجملة الأخيرة من الأثر : أن هذا الحديث لا يحتج به لأنه معل ، غير أن من أراد أن يبر والديه فليتصدق عنهما ، فإن الصدقة تصل لإلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين العلماء ، قاله النووي في شرحه على مسلم ( 1 / 89 ).

(6) انظر : معرفة علوم الحديث للحاكم ص 6 .

(7)  القوائم : جمع قائمة ، وهي ما تعتمد عليه الدابة من اليد والرجل ، ومعنى هذه الجملة : أن الكلام إن جاء بإسناد صحيح قبلناه ، وإلا تركناه ، فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد ، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم . انظر : لسان العرب ( 15 / 403 ) وشرح مسلم للنووي ( 1 / 88 ) .

(8)  أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح ( 32 ) .

(9)  الكفاية ، باب ذكر المحفوظ عن أئمة أصحاب الحديث في أصح الأسانيد ص 570 .

(10) التمهيد لابن عبد البر ( 1 /  55).

(11) التمهيد لابن عبد البر ( 1 /  )

(12) التمهيد لابن عبد البر ( 1 /  ) .

(13) الجرح والتعديل ( 2 // 34 ) .