بحث عن بحث

 

 شبه المنكرين لحجية السنة، والرد عليهم (16)

 

15 - وعن سعيد بن جبير قال : ( كنت أسير مع ابن عباس في طريق مكة ليلا،وكان يحدثني بالحديث،فأكتبه في واسطة الرحل حتى أصبح فأكتبه) (1).

16 - وعن معن قال : ( أخرج إلى عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود كتابا وحلف لي أنه خط أبيه بيده ) (2)

17 - وعن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري قال : تحدثت عند أبي هريرة بحديث فأنكره ، فقلت : إني قد سمعته منك ، فقال : إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي ، فأخذ بيدي إلى بيته ، فأرانا كتبا كثيرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجد ذلك الحديث ، فقال : قد أخبرتك أني إن كنت حدثتك به فهو مكتوب عندي ) (3).

18 - وعن هبيرة بن عبد الرحمن قال : ( كان أنس بن مالك إذا حدث فكثر عليه الناس جاء بمجال(4)، فألقاها ، ثم قال : هذه أحاديث سمعتها وكتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرضتها عليه ) (5).

19 - وقال الشعبي - لتلاميذه - : ( إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط ) (6).

20 - وقالوا لقتادة - رضي الله عنه - : ( نكتب ما نسمع منك ؟ ) قال : ( وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب ، قال : [ علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ] (7).

فظاهر هذه الأحاديث وهذه الآثار التي ساقوها وسقناها : أن هناك تعارضا بين النهي عن كتابة الحديث ، وبين الأمر بها ، لذا حاول العلماء التأليف والتوفيق بينها :

أ - فذهب بعضهم إلى أن النهي متقدم ، والإذن متأخر ، فالأول منسوخ والثاني ناسخ .

ب - وذهب بعض ثان إلى أن النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ ، والإذن لمن أمن منه ذلك .

ج - وذهب بعض ثالث إلى أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره ، والإذن في غير ذلك . 

 أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد ، والإذن في تفريقهما(8) .


(1) - أخرجه الدارمي ، المقدمة ، باب من رخص في كتابة العلم ( 1 / 128 ) ، والخطيب في تقييد العلم ص 102 ــ 103 بلفظ : ( كنت أسمع من ابن عمر وابن عباس الحديث بالليل ، فأكتبه في واسطة رحلي ، حتى أصبح وأنسخه ) .

(2) - أخرجه ابن عبد البر في ( جامع بيان العلم 1 / 86 ) .

(3)  - أخرجه ابن عبد البر في ( جامع بيان العلم 1 / 89 ) وقد تعرض ابن حجر في الفتح ( 1 / 207 ) لإزالة التعارض الواقع بين هذا الأثر ، وبين حديث همام المتقدم عن أبي هريرة قال : ما كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني .. الحديث ... قائلا " قال ابن عبد البر : حديث همام أصح ، ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبوي ثم كتب بعده ، قلت ــ القائل ابن حجر ــ وأقوى من ذلك : أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا عنده أن يكون بخطه ، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب ، فتعين أن المكتوب عنده بغير خطه " أه .

(4) - المجال : جمع مجلة ، وهي الصحيفة فيها الحكمة ، وكل كتاب . انظر : القاموس المحيط 3 / 361 .

(5) - أخرجه الخطيب في تقييد العلم ص 95 ــ 96 بروايات عديدة بلفظه وبمعناه .

(6) - أخرجه الخطيب في تقييد العلم ص 100 .

(7) - أخرجه الخطيب في تقييد العلم ص 103 ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1 / 87 .

(8) - انظر : فتح الباري ( 1 / 208 ) ، وعون المعبود ( 10 / 80 ــ 82 ) ، والباعث الحثيث للشيخ أحمد شاكر ص 111 ــ 112