بحث عن بحث

 

شبه المنكرين لحجية السنة، والرد عليهم (14)

 

الجواب عن هذه الشبهة :

أولا : بأن الأحاديث والآثار المذكورة آنفا لا تمثل الحقيقة كلها ، وإنما تمثل جانبا منها إذ قد وردت أحاديث أخرى تدل على إباحة الكتابة ، ووقوعها في عصر النبوة ، بل والأمر بها صراحة ، وكذلك وقوعها من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ، وهذه الأحاديث والآثار هي :

1 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : ( كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه ، فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال : ( أكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق )(1)

2 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه ، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فركب راحلته ، فخطب فقال : ( إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل ـ شك أبو عبد الله ـ وسلط عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنين ، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ، ولم تحل لأحد بعدي ، ألا وإنها حلت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه ، حرام ، لا يختلى شوكها ، ولا يعضد شجرها ، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد ، فمن قتل فهو بخير النظرين ، إما أن يعقل ، وإما أن يقاد أهل القتيل ، فجاء رجل من أهل اليمن ، فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال : اكتبوا لأبي فلان ، فقال رجل من قريش يا رسول الله إلا الإذخر .... الحديث . وفي آخره : فقيل لأبي عبد الله : أي شيء كتب له ؟ قال : كتب له هذه الخطبة )(2)

3 ـ وعن أبي جحيفة قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : فما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر )((3

4 ـ وعن وهب بن منبه عن أخيه قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : ( ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ، ولا أكتب ) 4)).

5 ـ وعن أبي قبيل حيي بن هانئ المعافري قال : سمعت عبد الله بن عمرو قال : ( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولا ، قسطنطينية أو رومية ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا بل مدينة هرقل أولا ) (5).


(1) ـ أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب العلم ، باب في كتاب العلم (3646 ) بلفظه ، والدارمي في سننه ، المقدمة ، باب من رخص في كتابة العلم ( 1 / 125 ) بلفظه ، وأحمد في المسند ( 2 / 162 ، 192 ) [ رقم 6510 ، 6802 ، 6930 ، 7020 بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ، وقال عنه : إسناده صحيح ] ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 105 ــ 106 ) وقال : هذا حيث صحيح الإسناد أصل في نسخ الحديث ــ يعني كتابة الحديث ــ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يخرجاه ، وقد احتجا بجميع رواته إلا عبد الواحد بن قيس ، وهو شيخ من أهل الشام ، وابنه عمر بن عبد الواحد الدمشقي أحد أئمة الحديث ، وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك .

(2)ـ أخرجه البخاري ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ( 112 ) وكتاب اللقطة ، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة ( 2434 ) وكتاب الديات ، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ( 6880 ) ، ومسلم ، كتاب الحج ، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام ( 3305 ، 3306 )

(3)ـ أخرجه البخاري ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ( 111 ) وفي مواضع أخرى ، انظر رقم ( 1870 ، 3047 ، 3172 ، 3179 ، 6755 ، 6903 ، 6915 ، 7300 ) .

(4)ـ أخرجه البخاري ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ( 113 ) ، والترمذي ، كتاب العلم ، باب ما جاء في الرخصة فيه ــ أي في العلم ( 2668 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح .

(5) ـ أخرجه أحمد ( 2 / 176 ) رقم ( 6645 ) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ، وقال عنه : إسناده صحيح ، وقال الهيثمي في المجمع ( 6 / 219 ) : رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل ، وهو ثقة . وأخرجه الدارمي ، المقدمة ، باب من رخص في كتابة العلم ( 1 / 126 ) واللفظ له .