بحث عن بحث

 

  من أنواع حجية السنة من ( القرآن الكريم )

 يتبع (النوع الثالث):

 ما يدل على وجوب طاعته - صلى الله عليه وسلم -

الصورة الثانية : اقتران الأمر بطاعة الرسول بالأمر بطاعة الله:

جاء هذا الاقتران في آيات القرآن الكريم على نوعين :

النوع الأول منه : عطف طاعة الرسول على طاعة الله دون تكرار فعل الطاعة.

بعض الآيات الدالة على ذلك :

1 – قال تعالى تبارك وتعالى: ( قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)[ سورة آل عمران/ 32].

2- وقال تعالى: ( وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون)[ سورة آل عمران /132].

3- وقال تعالى: ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من التبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا)[ سورة النساء /69].

4- وقال تعالى: ( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)[ سورة الأحزاب /71].

5- وقال تعالى: ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)[ سورة الأحزاب/36].

 

النوع الثاني منه : عطف طاعة الرسول على طاعة الله مع تكرار فعل الطاعة.

بعض الآيات الدالة على ذلك :

1- قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)[ سورة النساء /59].

2- وقال تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا)[ سورة المائدة /92].

3- وقال تعالى: ( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم، وإن تطيعوه تهتدوا)[ سورة النور /54].

 هذه بعض آيات من القرآن الكريم ذكرتها كأمثلة من الآيات الكثيرة التي ذكرت في القرآن الكريم، غير أن الذي يلاحظ فيها مضطردا أنه ما جاء أمر بطاعة الله في كتابه الكريم إلا قرن الله تعالى معه الأمر بطاعة رسوله وشركه، إما بواو العطف، أو بواو العطف مع إعادة الأمر بالطاعة ( العامل)، وكذلك ما ورد في القرآن الكريم تحذيرا أو تخويفا من معصية الله إلا عطف الله رسوله عليه في هذا التحذير أو التخويف.

 وهذه ملاحظة لها اعتبارها لأهميتها فيما نحن بصدده من إثبات وجوب طاعة الرسول في كل ما يصدر عنه.

 هذا. وإن هذه الآيات لا يدرك وجه الدلالة فيها بوضوح إلا من له إلمام باللغة العربية، ومعرفة بتعبيرات القرآن الكريم وما تحمله تلك التعبيرات من ملاحظ، لها دخل في تفهم المراد منها.

 فآيات هذا النوع بالذات يدرك المتأمل فيها أشياء تثبت الاعتداد بما يصدر عن الرسول قرآنا كان أو غير قرآن، غير أن ذلك يحتاج إلى نظرة الخبير باللغة، العارف بأسرارها، وبمذاهب الأصوليين في دلالة صيغة الأمر المجرد من القرائن، والمحفوف بالقرائن، حتى يلاحظ أن الأوامر التي جاءت في هذه الآيات مقترنا فيها الأمر بطاعة الله مع طاعة الرسول، أو التحذير من معصية الله والرسول كلها جاءت محفوفة بالقرائن، وما يفيده ذلك من وجوب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم- وتحريم معصيته قولاً واحدًا لا يختلف فيه أحد لوجود تلك القرائن التي حفت بالأوامر والنواهي.

 ويمكن بعد هذا حصر النقاط التي يتناولها الكلام في هذه الآيات فيما يأتي :

1- ما تفيده واو العطف حينما تعطف مفردين اشتركا في عامل واحد، كما في قوله تعالى: ( أطيعوا الله والرسول).

2- تكرار العامل مع العطف بالواو وما يفيده ذلك من تأكيد عموم الطاعة فيما يصدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- كتابا كان أو سنة. كقوله تعالى: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول).

3- تكرار العامل مع العطف في شيئين مع العطف على الأخير بدون تكرار العامل. كقوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)بدون تكرار للعامل في عطف أولى الأمر على الرسول.

4- ما يفيده الأمر أو النهي المحفوف بالقرائن من الإيجاب والتحريم.

5- ما يفيده التزام اقتران الأمر بطاعة الرسول مع الأمر بطاعة الله، وكذلك في النهي عن المعصية في كل آية وردت في القرآن الكريم أمر الله فيها بطاعته أو نهى عن معصيته.

6- ما يفيده هذا الاقتران مع كثرة الآيات التي وردت في القرآن الكريم، برغم اختلاف المناسبات والأحوال.

 وإدراك هذه الأمور متوقف على فهم اللغة، ومعرفة مقاصد الشريعة، وملاحظ القرآن الكريم في تعدد الشيء الواحد في المناسبات المختلفة، وبغير هذا لا يفيد القول، أو الإطالة في الشرح؛ لأنها أمور ملاحظتها هامة فيما نحن بصدد إثباته.

 قال الشاطبي (1): ( فإن القرآن والسنة لما كانا عربيين لم يكن لينظر فيهما إلا العربي، كما أن من لم يعرف مقاصدهما لم يحل له أن يتكلم فيهما، إذ لا يصح له نظر حتى يكون عالما بهما، فإنه إذا كان كذلك لم يختلف عليه شيء من الشريعة).

 وعلى ضوء هذه المقدمة التي حددت فيها نقاط الكلام في الآيات الكريمة أعود إليها بعد غض النظر عن أسباب نزولها، وما قاله المفسرون في ذلك.

 إذ الأمر الهام في هذا البحث بيان وجوب الاعتداد في كل ما يصدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- قرآنا كان أو سنة.

 ولأجل هذا حددت الكلام في النقاط التي ذكرتها حتى أتجنب التكرار والإعادة في الكلام.

 فآيات النوع الأول التي قرن الله فيها طاعة الرسول بطاعته بواو العطف من غير تكرار العامل، وكذلك في النهي عن المعصية يفيد العطف فيها مطلق الاشتراك والجمع بين المتعاطفين لأنهما مفردان (2).

 والمراد بالاشتراك المطلق أنها لا تدل على أكثر من التشريك، فلا تفيد الدلالة على ترتيب زمني بين المتعاطفين وقت وقوع المعنى، ولا على مصاحبة، ولا على تعقيب ومهلة(3).

 ( فأطيعوا الله والرسول)، ( وأطيعوا الله ورسوله) أفادت الواو التشريك في الطاعة، إذ لا توجد قرينة تعارض التشريك في العامل، وهو الطاعة، فطاعة الرسول مأمور بها كطاعة الله.

 هذا. وقد ذكر الله تعالى أيضا مقابل الأمر بالطاعة وهو النهي عن المعصية، والنهي عن المعصية، وإن كان مفهوما من الأمر بالطاعة غير أن دلالة التنصيص أقوى من دلالة المفهوم أو بيان الضرورة، وذلك لمزيد الاهتمام بهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم-، الذي شرفه باقترانه معه في الأمر بطاعته والنهي عن معصيته.

وما جاء من الآيات بأسلوب الشرط في قوله تعالى: ( ومن يطع الله ورسوله)، وفي قوله تعالى ( ومن يعص الله ورسوله)، وإن كان بلفظ الإخبار فهو إنشاء في المعنى، كأن الله تعالى يقول آمرا: أطيعوا، وناهيا: لا تعصوا.

 هذا. وقد نقل الصبان (4)في حاشيته على شرح الأشموني على التصريح : أن من خصائص العطف بالواو عطفها ما تضمنه الأول لمزية في المعطوف نحو: ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)، وفيه أن هذا من عطف الخاص على العام.

 فإذا لاحظنا ما نقله الصبان وطبقناه هنا كان العطف دالاً على ميزة خص الله تعالى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ومنحها إياه، لأنه مبلغ عنه.وإلا فالطاعة العامة له تبارك وتعالى، وطاعة الرسول من إذنه.

 فعطف الله الأمر بطاعة الرسول على الأمر بطاعته لينبه - تبارك وتعالى - عباده على ميزة في طاعة الرسول – خاصة -؛ لأنه مبين كتابه الكريم، إذ كان مبلغا عنه دينه، فأبان لنا بهذا العطف أن كمال طاعة الله لا تتم ولا تتحقق عنده إلا بطاعة رسوله، إذ إن الرسول معصوم، وأن كل ما يجري على لسانه أو يبدو من عمله – في الشريعة – إنما هو بالوحي السماوي أو الإلهام الصادق، وما كان للرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يشرع شرعا يتعبد الناس به من عند نفسه ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)[ سورة النجم/ 3-4].

 فأمر الرسول لا يختلف عن أمر القرآن الكريم، وكلاهما معصوم، وقد كان هذا كافيا في إثبات وجوب طاعة الرسول بهذا الوجه، وهو مطلق الاشتراك في الطاعة المستفاد من العطف، غير أن الله - تبارك وتعالى - أكد لنا عموم طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم- في الآيات التي كرر الله فيها العامل( أطيعوا) وهي الآيات التي ذكرت في النوع الثاني، ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول).

 واللغويون والمفسرون قد أجمعوا على أن تكرار العامل وهو أطيعوا يدل على تأكيد عموم طاعته في جميع ما يصدر عنه، وطاعة الله في هذا النوع من الآيات تكون باتباع ما جاء في قرآنه، ومنه الأمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم- فيما يصدر عنه، وطاعة الرسول تكون بطاعته - صلى الله عليه وسلم- فيما سنه مما لم يرد في القرآن الكريم بلفظه، ولم يكن شرحاً، أو بيانا، أو مخصصا، أو مفصلا... بل جاء زائدا عما في القرآن الكريم، وهذا هو سر إظهار لفظ الطاعة، وعطف طاعة على طاعة، والله أعلم.

 كما يدل ( إعادة العامل) على أن ما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يجب اتباعه، وامتثاله، والعمل به، كما يجب امتثال وطاعة أمر الله - عز وجل -، لأمر الله تعالى بذلك، حيث أخذ قوة ذلك من أمر الله - عز وجل - بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم- سواء كان ذلك على وفق ما جاء به حكم الله تعالى، أو كان زائداً عما في كتاب الله - عز وجل-.

 والخلاصة : أن إعادة العامل في الآيات التي أعيد فيها، دليل على أن الله تعالى يقرر هذا المعنى في أذهان من يطلع على كتابه الكريم، ليكون معلومًا للعباد وجوب طاعة الرسول فيما يأمر به سواء أكان قرآنا يتلى أم كان غير قرآن.

 فطاعة الله تكون بالرجوع إلى كتابة الكريم، وطاعة الرسول تكون بالرجوع إلى سنته، إذ لو كان المراد طاعة الكتاب الكريم لما كان هنالك من داع لهذا التكرار.

 

 


(1) الموافقات ( 3/31).

(2) المراد بالمفرد ما ليس جملة ولا شبه جملة، كالمفرد في باب الخبر والنعت والحال.

(3) النحو الوافي للدكتور/ عباس حسن ( 412:3)، والأشموني حاشية الصبان ( 76:3).

(4) حاشية الصبان ( 3/77).