بحث عن بحث

وقفة على أحوال الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم

وإذا تأملت الحالة الاجتماعية تجد أن العرب طبقات، طبقة من الأشراف، وطبقة من العبيد، والرجل السيد مستبد إلى حد كبير، والاختلاط كان سائدًا بين الرجال والنساء إلى حد الدعارة والمجون والفاحشة الظاهرة، وتصور لنا عائشة رضي الله عنها بعض الصور الاجتماعية في صورة النكاح الموجودة في الجاهلية، تقول: «إَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا. وَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ. وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُم الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلانُ! تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ منه الرَّجُلُ، وَنِكَاحُ رَابِعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا؛ فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمْ الْقَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلاّ نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ«(1).

وكانوا يعددون في الزواج إلى غير حد ينتهي إليه، وينكحون زوجة الأب، ووأد البنات خشية العار أو الإنفاق كان سائدًا، والمرأة لا قيمة لها تباع وتشترى وتورث، والحروب مستمرة فيما بين القبائل، تسيل فيها الدماء، وتفنى فيها الأعمار، وكانوا يحبون القتال إلى حد أنهم كانوا يؤخرون الأشهر الحرم عن وقتها، فالأمن معدوم، والخوف على النفس والعرض والمال في كل حين.

وإذا اتجهنا إلى الحالة الاقتصادية تجد أن الحالة السائدة في العرب هي التجارة، وكانت لقريش رحلتان: رحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، والتجارة أيضًا كانت مهددة إلا في الأشهر الحرم. وكان فيهم شيء من الزراعة ورعي الأغنام، وكانت بعض النساء يشتغلن بالغزل، أما الصناعات فالعرب كانوا أبعد الناس عنها.

أما الحالة الأخلاقية، فتجدهم بجانب ما عندهم من الأخلاق الذميمة أفضل من غيرهم في ذلك العهد، فكان خلق الكرم سائدًا، يأتي أحدهم الضيف وليس عنده من المال إلا الناقة التي بها معاشه وحياته فيذبحها لضيفه، وكانوا يتمسكون بخلق الوفاء بالعهد، وكانوا يعدون الخلف بالعهد جريمة كبرى.

ومن صفاتهم: الشجاعة، وشدة الغيرة؛ حيث إنهم يسلون السيوف لأدنى كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان، كما كانوا يمتدحون بالحلم والأناة.

هذه حالة العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تشير إلى بعض الحكم التي من أجلها بعث النبي صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب، ويضاف إلى ذلك: وجود البيت الحرام في مكة المكرمة، وتوسط الجزيرة في الكرة الأرضية، واختار الله سبحانه وتعالى لغة العرب لتكون لغة كتابه الذي ينزل على نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنها أكثر اللغات جمعًا للمعاني، وأوسعها بيانًا، وأسهلها تعلمًا.

في هذه الأوساط الاجتماعية والدينية والخلقية ولد محمد صلى الله عليه وسلم وبعث، فأنقذ الله تعالى به هذه الأمة، ونقلها من تلك الضلالات العقائدية والأخلاقية إلى نور الإسلام وعدله وصفائه وأخلاقه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في النكاح، باب من قال: لا نكاح إلا بولي (5127).