بحث عن بحث

وقفة على أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل النبوة

أشغاله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة:

إن الله سبحانه وتعالى قد حفظه من جميع أدران الجاهلية، وكان ذا أخلاق عالية، حتى إن أهل مكة سموه أمينًا، يقول ابن هشام: «فشبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية؛ لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلًا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهًا وتكرمًا، حتى ما اسمه في قومه إلا (الأمين) لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة«(1).

وقد حماه الله تعالى من الانحرافات الخلقية، أو التدين بدين الجاهلية من عبادة الأصنام، أو التقرب إليها، روى الحاكم والبيهقي والبزار وغيرهم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما هممت بما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين من الدهر، كلاهما يعصمني الله تعالى منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش في أعلى مكة في أغنام لأهلها ترعى: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما تسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف وزمر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة لرجل من قريش تزوج امرأة؛ فلهوت بذلك الغناء والصوت حتى غلبتني عيني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت وغلبتني عيني، فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئًا»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فوالله ما هممت بعدها أبدًا بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله تعالى بنبوته«(2).

وأخرج البخاري عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا بُنِيَت الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَبَّاسٌ يَنْقُلانِ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ يَقِيكَ مِن الْحِجَارَةِ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: إِزَارِي إِزَارِي، فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ»(3). فما رؤيت له عورة بعد ذلك.

وأخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ غ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلا آكُلُ إِلاّ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ« (4).

ومما عمله النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة: رعي الأغنام؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاّ رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ»(5). وأيضًا قد اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة بالتجارة، وقد خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ولما بلغ من عمره الخامسة والعشرين خرج إلى الشام مرة أخرى تاجرًا في مال خديجة رضي الله عنها، قال ابن إسحاق: «وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه؛ بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام«(6).

ولما أقبل قافلًا إلى مكة، وقد رأى ميسرة منه ما رأى من تكريم الله إياه، والأرباح المضاعفة حكى ذلك لخديجة رضي الله عنها، فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض نفسها عليه ليتزوجها، وكانت رضي الله عنها يومئذ أفضل نساء مكة نسبًا وعقلًا ومالًا، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى توفيت رضي الله عنها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سيرة ابن هشام (1/229).

(2) رواه الحاكم في المستدرك في كتاب التوبة والإنابة (7619) (4/245).

(3) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب بنيان الكعبة (3829)، ومسلم في الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة (340).

(4) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل (3826).

(5) رواه البخاري في الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط (2262).

(6) سيرة ابن هشام (1/234 - 235).