بحث عن بحث

وقفة على أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل النبوة

ولما بلغ من عمره خمسًا وثلاثين سنة أرادت قريش بناء الكعبة، وتجزأت بناء الكعبة في القبائل، ولما بلغ البنيان موضع ركن الحجر الأسود اختلفوا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى استعدوا للقتال، وتحالفوا عليه، فقال أحدهم -وهو أسنهم وأعقلهم-: يا معشر قريش! اجعلوا أول من يدخل من باب هذا المسجد حكمًا يقضي بينكم، ففعلوا. فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا الأمين رضينا. هذا محمد! فطلب صلى الله عليه وسلم ثوبًا فأتوا به، فوضع صلى الله عليه وسلم الحجر عليه، وطلب من رؤساء القبائل أن يأخذ كل واحد منهم بناحية من الثوب، حتى إذا بلغوا إلى موضعه وضعه هو بيده، وهكذا أنهى تشاجرهم الذي قد وصل إلى التحالف على القتال.

ومن إكرام الله رسوله صلى الله عليه وسلم قبل تشريفه بالنبوة: أن بعض الجمادات كانت تسلم عليه، ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه ولم: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ؛ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ«(1).

هذه بعض الأحداث التي مرت على نبينا صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، ولعلنا أن نقف مع بعضها مواقف سريعة نستلهم منها بعض العبر والدروس لنستفيد منها في واقع حياتنا العلمية؛ لأن كما ذكرت -في البداية- الفائدة من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو تطبيقها في حياتنا وفي واقعنا.

الوقفة الأولى: في نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم دلالة ظاهرة على سلامة أصله، فلو لم يكن كذلك لتعرضت دعوته إلى الطعن فيها، ولذا لما سأل هرقل أبا سفيان عن نسبه صلى الله عليه وسلم لم يجد مفرًّا من قوله: إنه ذو نسب. فقال هرقل: كذلك الرسل تبعث في نسب قومها، ولله الحكمة البالغة.

الوقفة الثانية: كونه نشأ يتيمًا فيه حكمة بالغة لا يعلم كنهها إلا الله ﻷ، ولعل من السرّ في ذلك: ما يظهر للمتأمل أنه لا يكون للمبطلين سبيل لإدخال الريبة إلى القلوب، أو إيهام الناس بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم إنما جاء بدعوى النبوة بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده؛ لأنهم كانوا أشرافًا.

ومن الحكم أيضًا: كونه نشأ يتيمًا بعيدًا عن الميوعة بعيدًا عن الترف الذي يزيد في تنعيمه حتى لا تميل نفسه إلى هذا النعيم، أو إلى الترف، أو إلى مجد المال أو الجاه والسلطة ونحو ذلك..

الوقفة الثالثة: في رعيه صلى الله عليه وسلم للغنم كسب شريف؛ لأنه من عمل يده، وترويض له على العطف على الفقراء، واستنشاق للهواء النقي في الصحراء، وتقوية للجسم، واتباع لسنة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وتربية على قيادة الأمة جمعاء؛ لأن من المعروف عند أهل الرعي أن الغنم صعبة القيادة، فهنا قد هيّأ الله له التربية على القيادة منذ الصغر، وفي رعيه صلوات الله وسلامه عليه الغنم حكم غير هذه.

الوقفة الرابعة: كونه صلوات الله وسلامه عليه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب كان لحكم عديدة؛ أهمها: ليكون أبعد من تهمة الأعداء، وشبهة المغترين أنه اغترف هذا العلم من علوم فارس والروم، أو أخذه بقراءة كتب، وغير ذلك من التهم والشبهات، وقد أشار الله إلى هذه الحكمة بقوله: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}(2).

إذًا: كونه نشأ أميًّا دليل قوي على صحة ما جاء به من عند الله سبحانه وتعالى من الوحي.

الوقفة الخامسة: درؤه للفتن في حال شبابه صلوات الله وسلامه عليه، ويظهر ذلك في عدة مواقع، منها: وقت بناء الكعبة في وضع الحجر الأسود في موضعه، وقد حضر حلف الفضول، وذلك أن قبائل من قريش تعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته. وفي ذلك ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان، حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت«(3).

الوقفة السادسة: إن ما جاء من حفظ الله سبحانه وتعالى إياه من كل شر، وخاصة ما حماه الله سبحانه من عبادة الأصنام، وأخلاق الجاهلية؛ فيه دليل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو كان وقع في شيء من ذلك لطعنوه، وقالوا له: بالأمس كنت تفعل كذا وكذا واليوم تنهانا عنه، لذا سأل هرقل أبا سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. فقال هرقل: لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.

حماه الله تعالى عن كل ما لا يتفق من مقتضيات النبوة والدعوة حتى لا تلمز تلك الدعوة بتلك الانحرافات السابقة في حياته صلى الله عليه وسلم عندما يبتدئ الدعوة، فلله الحكمة البالغة.

وهكذا ينبغي لدعاة اليوم - وفي كل يوم- أن يتخلقوا بالأخلاق الفاضلة، وأن ينظفوا سرائرهم وبواطنهم وظواهرهم لأجل ألا يلمزوا بتلك البواطن في دعواتهم عندما يقولوا كلمة حق، أو يرشدوا الناس ويوجهوهم إلى الخير، أو يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.

هذه كانت وقفات سريعة مع حياة الرسول صلى الله عيه وسلم  قبل النبوة، والآن لندخل في صلب الموضوع وهو فقه حديث بدء الوحي. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه مسلم في الفضائل، باب فضل نسب النبي غ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة (2276).

(2) [العنكبوت:48]

(3) سيرة ابن هشام (1/182).