بحث عن بحث

الوقفة الأولى: الرؤيا الصالحة

قالت عائشة رضي الله عنها: «أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح«.

قال النووي :: «هَذَا الْحَدِيث مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة رضوان الله عليهم؛ فَإِنَّ عَائِشَة رضي الله عنها لَمْ تُدْرِك هَذِهِ الْقَضِيَّة، فَتَكُون قَدْ سَمِعَتْهَا مِن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَوْ مِن الصَّحَابِيّ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول أَنَّ مُرْسَل الصَّحَابِيّ حُجَّة عِنْد جَمِيع الْعُلَمَاء إِلاّ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ الأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَاييِنِيّ. وَاَللَّه أَعْلَم«

وَقَوْلهَا رضي الله عنها: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة» وَفِي رِوَايَة مسلم :: «الرُّؤْيَا الصَّادِقَة»، قال النووي: وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد. أي ليس من أضغاث أحلام، أما حقيقة الرؤيا فقد اختلف الناس فيها، ليس هذا مجال تفصيلها، ونقتصر على ما ورد في السنة، ففي الحديث الصحيح عن مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن النُّبُوَّةِ، وَمَا كَانَ مِن النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لا يَكْذِبُ، قَالَ مُحَمَّدٌ -أي ابن سيرين-: وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ، قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ: الرُّؤْيَا ثَلاثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِن اللَّهِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ»(1)

والرؤيا الصادقة إنما ترى من كثر صدقه، وفي الحديث: «وَأَصْدَقكمْ رُؤْيَا أَصْدَقكمْ حَدِيثًا»(2)، قال ابن حجر نقلًا عن القرطبي في المفهم: «وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لأَنَّ مَنْ كَثُرَ صِدْقه تَنَوَّرَ قَلْبه، وَقَوِيَ إِدْرَاكه؛ فَانْتَقَشَتْ فِيهِ الْمَعَانِي عَلَى وَجْه الصِّحَّة, وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ غَالِب حَاله الصِّدْق فِي يَقَظَته اِسْتَصْحَبَ ذَلِكَ فِي نَوْمه فَلا يَرَى إِلاّ صِدْقًا، وَهَذَا بِخِلافِ الْكَاذِب وَالْمُخَلِّط فَإِنَّهُ يَفْسُد قَلْبه، وَيُظْلِم؛ فَلا يَرَى إِلاّ تَخْلِيطًا وَأَضْغَاثًا, وَقَدْ يَنْدُر الْمَنَام أَحْيَانًا فَيَرَى الصَّادِق مَا لا يَصِحّ، وَيَرَى الْكَاذِب مَا يَصِحّ, وَلَكِنَّ الأَغْلَب الأَكْثَر مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّه أَعْلَم».

ووَقَعَ فِي حَدِيث عَوْف بْن مَالِك رَفَعَهُ: «الرُّؤْيَا ثَلاث: مِنْهَا أَهَاوِيل مِن الشَّيْطَان لِيَحْزُن اِبْن آدَم, وَمِنْهَا مَا يُهِمّ بِهِ الرَّجُل فِي يَقَظَته فَيَرَاهُ فِي مَنَامه, وَمِنْهَا جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن النُّبُوَّة»(3). قال ابن حجر: «قُلْت: وَلَيْسَ الْحَصْر مُرَادًا مِنْ قَوْله (ثَلاث) لِثُبُوتِ نَوْع رَابِع فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبَاب، وَهُوَ حَدِيث النَّفْس, وَلَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي سَعِيد الْمَاضِيَيْنِ سِوَى ذِكْر وَصْف الرُّؤْيَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَة وَمَحْبُوبَة أَوْ حَسَنَة وَسَيِّئَة, وَبَقِيَ نَوْع خَامِس، وَهُوَ تَلاعُب الشَّيْطَان, وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه! رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ فَأَنَا أَتْبَعُهُ -وَفِي لَفْظ: فَقَدْ خَرَجَ فَاشْتَدَدْت فِي أَثَرِهِ- فَقَال: لا تُخْبِر بِتَلاعُبِ الشَّيْطَان بِك فِي الْمَنَام»، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِذَا تَلاعَبَ الشَّيْطَان بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامه فَلا يُخْبِر بِهِ النَّاس»(4)، وَنَوْع سَادِس: وَهُوَ رُؤْيَا مَا يَعْتَادهُ الرَّائِي فِي الْيَقَظَة, كَمَنْ كَانَتْ عَادَته أَنْ يَأْكُل فِي وَقْت فَنَامَ فِيهِ فَرَأَى أَنَّهُ يَأْكُل، أَوْ بَاتَ طَافِحًا مِنْ أَكْل أَوْ شُرْب فَرَأَى أَنَّهُ يَتَقَيَّأ, وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث النَّفْس عُمُوم وَخُصُوص. وَسَابِع وَهُوَ الأَضْغَاث« 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1رواه البخاري في التعبير، باب القيد في المنام (7017) ومسلم في الرؤيا، باب في كون الرؤيا من الله وأنها جزء من النبوة (2263).

(2رواه مسلم في الرؤيا، باب في كون الرؤيا من الله، وأنها جزء من النبوة (2263).

(3رواه ابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب الرؤيا ثلاث (3907) وحسنه ابن حجر في الفتح.

(4رواه مسلم في الرؤيا، باب لا يخبر بتلاعب الشيطان به في المنام (2268).