بحث عن بحث

الوقفة الأولى: الرؤيا الصالحة

والرؤيا الصادقة هي بشرى من الله، فعن سَعِيد بْن الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَمْ يَبْقَ مِن النُّبُوَّةِ إِلاّ الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ«(1).

وهنا إشكال، وهو: أن القول بأن الرؤيا الصالحة أو الصادقة جزء من النبوة هل يستلزم بقاء النبوة واستمرارها؟ فالأمر ليس كذلك، لأنه مجرد تشبيه الرؤيا بالنبوة، ولأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، كما لو قال أحد: أشهد أن لا إله إلا الله، رافعًا بها صوته لا يقال بأنه أذّن، وإن كانت هذه الكلمة جزءًا من الأذان، وكذا لو أن أحدهم قرأ القرآن قائمًا لا يقال بأنه صلى، وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة، كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله. وَقَالَ الخطابي: «وَإِنَّمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة فِي حَقّ الأَنْبِيَاء دُون غَيْرهمْ, وَكَانَ الأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلامه عَلَيْهِمْ يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي مَنَامهمْ كَمَا يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي الْيَقِظَة، وقَالَ: وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: مَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ الرُّؤْيَا تَأْتِي عَلَى مُوَافَقَة النُّبُوَّة؛ لأَنَّهَا جُزْء بَاقٍ مِن النُّبُوَّة. وَاللَّه أَعْلَم«.

وَقَوْلهَا: «فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلاّ جَاءَتْ مِثْل فَلَق الصُّبْح» قَالَ أَهْل اللُّغَة: فَلَق الصُّبْح، وَفَرَق الصُّبْح: بِفَتْحِ الْفَاء وَاللاّم وَالرَّاء هُوَ ضِيَاؤُهُ، وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا فِي الشَّيْء الْوَاضِح الْبَيِّن. قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا اُبْتُدِئَ غ بِالرُّؤْيَا لِئَلاّ يَفْجَأهُ الْمَلَك وَيَأْتِيه صَرِيح النُّبُوَّة بَغْتَة فَلا يَحْتَمِلهَا قُوَى الْبَشَرِيَّة، فَبُدِئَ بِأَوَّلِ خِصَال النُّبُوَّة وَتَبَاشِير الْكَرَامَة مِنْ صِدْق الرُّؤْيَا، وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الآخَر مِنْ رُؤْيَة الضَّوْء، وَسَمَاع الصَّوْت، وَسَلام الْحَجَر وَالشَّجَر عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ.

وإذا علمنا ذلك تعاملنا مع هذه الرؤى والأحلام بالمعاملة الشرعية، فإذا رأى الإنسان أمرًا يحبه، وظاهره خير فليسأل عنه من عرف بالتعبير السليم، مع الاستقامة في سلوكه، وصحة معتقده، وليحذر من سؤال الأفاكين والكهان وقراء الكف والفنجان، أو من عرف بقلة العقل، ورداءة الخلق، وضعف الاستقامة.

وإن كان ظاهرها شرًّا فلينفث على يساره، ويتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان الرجيم، ويتحول عن جنبه الذي كان عليه، وإن أمكن أن يصلي ركعتين فحسن؛ فإنها لا تضره، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، فعن أَبِي قَتَادَةَ عنْ رَسُولِ اللَّهِ غ أَنَّهُ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِن اللَّهِ وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ مِن الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا؛ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِن الشَّيْطَانِ. لا تَضُرُّهُ، وَلا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ وَلا يُخْبِرْ إِلاّ مَنْ يُحِبُّ» (1)أما أحلام التخليط فهذه أضغاث أحلام؛ فعلى المسلم ألا يشتغل بها.

وهنا ونحن نختم هذه الوقفة، نرى في هذا الزمن انسياق كثير من الناس حول الرؤى والمنامات، بل وصل بعضهم إلى اعتقادها يقينًا، وبنوا عليها أعمالًا في واقع حياتهم وعلاقاتهم، وكذا أحكامًا شرعية، وهذا بلا شك خلاف المنهج الصحيح، وقد يزل به المرء ويهلك، فليتنبه إلى مثل هذه المواقف والأعمال، والله المستعان. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في التعبير، باب المبشرات (6990).