بحث عن بحث

r   رابعًا: مراعاة سن الشباب والمحافظة عليها:

إن مرحلة الشباب هي أهم المراحل التي يمر بها الإنسان، فهي مرحلة القوة والنشاط والإقبال على الحياة، فإذا لم تستثمر هذه المرحلة بالشكل الصحيح ونحو الغايات السامية، انقلبت تلك الطاقات والقدرات إلى دمار ووبال على الأهل والمجتمع والأمة، ومن أجل ذلك اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب اهتمامًا خاصًا، وأوصى بترشيدهم في الاتجاه الصحيح، وحثّ الآباء على تعليم أبنائهم فرائض الإسلام والمحافظة عليها، كما في الصلاة، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع».

فإذا تكوّن شخصية الإنسان مع بداية مرحلة الشباب على حب الله تعالى والامتثال لأمره والحفاظ على فروضه، فإن المستقبل سيكون مشرقًا له ولمجتمعه وأمته، هذا في الدنيا، وفي الآخرة ينتظره الأجر والقرب من الله تعالى والأمان من جميع أنواع العذاب، يقول عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عدل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه».

وبناء على ذلك يمكن أن نضع بعض الخطوط العريضة في التعامل مع الشباب منذ سن المراهقة:

1 – بث روح الثقة في نفوس الشباب، واعتبارهم أكفّاء قادرين على القيام بكثير من الواجبات والمهام التي يقوم بها الرجال، من خلال توكيل بعض الأعمال إليهم، كإدارة شؤون البيت أحيانًا، من تأمين طلبات الأسرة وقضاء حوائجها، وكذلك العمل مع الوالد في مصنعه أو متجره، والإشراف على العمال والإنتاج وغير ذلك من الأعمال.

2 – بناء علاقات صداقة معهم، إضافة إلى العلاقة الأبوية، وذلك من خلال التحاور معهم والتحدث إليهم في موضوعات الشباب ومشكلاتهم، والبحث في أسباب الارتقاء بهم إلى أفضل المراتب، وحمايتهم من المؤثرات الضارة على قدراتهم العقلية والذهنية، وقيمهم الأخلاقية والإنسانية، لأن مثل هذا التعامل يزيل كثيرًا من الإشكالات والحواجز بين الأبناء والآباء، وبالتالي تصبح العلاقة واضحة وصريحة بين الجانبين.

3 – مراعاة النواحي النفسية عند الشباب، لا سيما في فترة المراهقة، حين يبدأ عندهم الشعور بتكوين الشخصية، وهي فترة حرجة بالنسبة لبناء الشخصية، لحدوث تغيرات جسمية ونفسية عليهم، الأمر الذي يفرض على المربّي أو الوالدين التصرف بهدوء وحكمة مع هذه الحالة، لأن نسبة الحساسية النفسية تزداد في هذه الفترة، وهذا يعني عدم التدخل كثيرًا في أموره الخاصة حتى لا يسبب له إحراجًا أو انكسارًا.

4 – الاهتمام بالجانب التعليمي عندهم، وتوفير الإمكانات اللازمة للتحصيل العلمي، حتى لا تُهدر قدراتهم وطاقاتهم في سفاسف الأمور، ثم إن العلم النافع وقوة الشباب يشكّلان الشخصية المنشودة، كما أشار الله تعالى في كتابه المبين حين تحدّث عن طالوت فقال: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.

ويقول عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة».

والأفضل أن يتم تعليمهم منذ المراحل المبكرة، لأنها أصفى وأقوى في تلقي المعلومات، وكما يقول المثل: العلم في الصغر كالنقش على الحجر، وصدق الشاعر القائل:

أرانيَ أنسى ما تعلمت في الكِبَرْ
وما العلم إلا بالتعلّم في الصبا
ولو فُلق القلب المعلَّم في الصبا
وما العلم بعد الشيب إلا تعسّف
وما المرء إلا اثنان عقل ومنطق

  ولستُ بناسٍ ما تعلّمت في الصِّغرْ
وما الحلم إلا بالتحلّم في الكبر
لأصبح فيه العلم كالنقش على الحجر
إذا كَلَّ قلب المرء والسمع والبصر
فمَنْ فاتَه هذا وهذا فقد دَمَرْ

5 – الإبكار في تزويج الشباب، حتى لا تنصرف اهتماماتهم إلى الأهواء والشهوات، وحتى يتفرغوا وينشغلوا بمعالي الأمور، بالعلم والإبداع والإنتاج وبناء الحياة في ميادينها المختلفة، لذلك وجّه النبي صلى الله عليه وسلم وصيته المعروفة إلى الشباب قائلاً: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

6 – اختيار الصحبة الصالحة للشباب، سواء من الوالدين أو من المؤسسات التربوية الأخرى، عبر التوجيه الصحيح والإرشاد السديد، والتنسيق بين الأسرة والمؤسسة التعليمية والتربوية، لأن الصحبة من العوامل المهمة في تحديد مسار الشباب، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

وكما قال الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه        فكل قـريـن بـالـمقارن يقتـدي

¡  ¡  ¡

وبذلك يمكن أن يتخرّج جيل من الشباب المؤمن القوي، القادر على مواجهة التحديات وتخطي الصعاب، والعمل دون كلل أو ملل من أجل بناء الحياة على الخير والصلاح، والإسهام في تقدم الأمة وتقويتها على جميع المستويات، وهو الهدف المنشود الذي تسعى إليه التربية النبوية بالنسبة إلى الشباب.

شبابٌ ذللوا سُبل المعالي
تعهّدهم فأنبتهم نباتاً
همُ وردوا الحياض مُباركات
إذا شهدوا الوغى كانوا كماةً
وإن جنّ المساء فلا تراهم
كذلك أخرج الإسلامُ قومي
وعلّمه الكرامة كيف تُبنى

  وما عرفوا سوى الإسلام دينا
كريماً طاب في الدنيا غُصوناً
فسالت عندهم ماءً معينا
يدكّون المعاقلَ والحصونا
من الإشفاق إلاّ ساجدينا
شباباً مخلصاً حُرّاً أمينا
فيأبى أن يقيّد أو يهونا