بحث عن بحث

القاعدة الثالثة

المنهج التربوي منهج متكامل

r   مدخـل:

لم يعرف البشر منذ تاريخ البشرية منهجًا متكاملاً يفي بحاجات الإنسان والكون كمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم، وجميع المناهج الوضعية ناقصة، وفيها خلل كبير، لأن المصدر لها غير متكامل وغير دقيق. أما المنهج النبوي فهو منهج متكامل يتسم بالشمول، والكمال، والواقعية، واليسر والسهولة، والوسطية والتوازن.

ونستعرض فيما يلي هذه الخصائص والسمات بشيء من الإيجاز:

r   السمة الأولى: الشمولية:

انطلاقًا من الآيات القرآنية في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، جاء المنهج النبوي في التربية شاملاً لمتطلبات الإنسان وحاجاته في نواحي الحياة المختلفة، وقد قال عمر بن الخطاب ا: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقامًا فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه.

وهذا بيان لعناصر الشمولية التي نقصدها:

أولًا: تربية الروح على أمور أساسية وفرعية، ومن أهم جوانب هذه التربية الروحية تعميق مفهوم الإيمان وأركانه الأساسية الستة في نفس الإنسان، ويجعلها منطلقه بحيث تنبثق أمور الحياة كلها من هذه الأركان، فيقيم المسلم حياته كلها عليها من أول يومه إلى آخره، ومن مبدأ تكليفه إلى مفارقته هذه الحياة.

فهذه الروح هي نفخة من روح الله تعالى حين خلق الإنسان لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.

فيجب على المربي أن يعمق هذا المفهوم في نفوس الأبناء والبنات، فالمنطلق الأساس: التربية على هذا الإيمان. ويجب أن تقوم وسائل التربية كلها لتوضيح هذا الإيمان وتعميقه، فمثلاً يقيم علاقته مع ربه جل وعلا من مفهوم هذا الإيمان، ويقيم علاقته بالخلق، من هذا المفهوم، وكذا تعامله مع عناصر الحياة والكون من هذا الإيمان.

ولو تصورنا أن فردًا من الأفراد رُبّي وتربى كذلك، وفردًا آخر رُبّي على غير ذلك كمن يدعي أن الحياة مادة، أو أن العلاقة مع الله جل وعلا في جانب من جوانب الحياة فحسب دون الجوانب الأخرى، لا شك أن مسار الشخصين مختلفان، فالمؤمن يراعي ربه في صلواته وخلواته، والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، يخشى الله ويتقيه، يصلي ويصوم، يحب الله تعالى ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم ويقدمها على كل المحاب، يعطي كل ذي حق حقه، ينصح ويوجه... وهكذا.

أما الآخر فبحسب مصالحه الدنيوية التي يتربى عليها، والمفاهيم التي أقام حياته عليها، فإذا كانت عنده الحياة مادة، أو لا علاقة بين الدين والحياة، فهذا قد يصلي ويصوم، ولكن يبني جوانب الحياة الأخرى على المصالح المادية، فإن كانت المعاملة تعود عليه بالنفع والفائدة، ضحك وابتسم، وصدق وبشّ، وأظهر الحرص على هذا التعامل، وقدّم الخدمات للآخرين، أما إذا كانت الأخرى فلا يَعْرف ولا يُعرف.

أرأيت أخي القارئ الفرق بين هذين الفردين، نعود لنقول: إن المنهج النبوي يربي الفرد التربية الروحية القوية لتكون منطلقًا لتسير حياته على الهدي النبوي المتكامل.

ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يركّز على هذا الجانب أيما تركيز، فهو في أول الدعوة في مكة لا يدعو إلاّ لهذا المبدأ، بل عند وفاة عمه أبي طالب كان يطلب منه أن يقول لا إله إلا الله، كل هذا يدل على عظم هذا الجانب.

ولعل من أهم ثمرات هذا الجانب من التربية:

1 – إحياء روح التفاؤل في الإنسان والقضاء على اليأس وأسبابه.

2 – حماية النفس من الوساوس التي تحول بين الإنسان والعمل الإيجابي في الحياة.

3 – حماية الإنسان من الأمراض النفسية المختلفة، مثل الكآبة والقلق والانفصام وغيرها.

4 – السمو على المادة بكل أشكالها واعتبارها وسيلة للوصول إلى تحقيق العدل في الأرض وإيصال رسالة الإسلام إلى الناس.

5 – حماية المجتمع من الجرائم المختلفة، من القتل والفواحش والسرقة والظلم وغيرها.

6 – تحقيق السعادة الحقيقية للإنسان، والتي يفتقدها كثير من الناس حين ابتعدوا عن الإسلام وتعاليمه، وصدق قول السلف رحمهم الله لو علمت الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف.

ومن مواد هذه التربية ومقرراتها: القيام بأركان الإسلام كما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والإكثار من نوافلها صلاة وزكاة، وصيامًا وحجًا وعمرة، وقراءة لكتاب الله تعالى وذكرًا ودعاءً.

ثانيًا: تربية العقل التربية المتوازنة التي تنميه، وتشغله في حدود قدراته البشرية، فلا تعطله فيبقى كالبهائم، لا حدود ولا ضوابط، كما قال تعالى عن الكفار: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾، ولا يعطى فوق طاقته، فيعجز ويضل، ويوقعه في المسالك الوعرة، والطرق المظلمة، كما كانت حالة من يدعي تحكيم العقل وتقديمه على النص، فالصحيح ما صححه عقله، والخطأ ما خطأه عقله، فحمّل عقله الضعيف ما لا يتحمل.

أما التربية النبوية فتربي العقل في حدود ما خلقه الله تعالى، فأكد على العلم بل أوجب على المسلم مقدارًا من العلم لا يصح دينه إلا بتعلمه.0

وحبّذ على تربيته من جهة التأمل والتفكر في المخلوقات للدلالة على عظمة الخالق جل وعلا، وكذا على اكتشاف ما أودعه الله سبحانه في الكون مما سخّر للإنسان ليستفيد منه في الحياة، ولتكون عونًا على إقامة الحضارة الحقة، كما أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة للإكثار من الأدلة، فالقرآن الكريم مليء بمثل قوله تعالى: ﴿أفلا تتفكرون﴾، ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿إنما يتذكر أولو الألباب﴾... وغيرها كثير.

وفي المقابل فقد وصف الله تعالى الذين ركنوا إلى الدنيا وجحدوا نعم الله تعالى، بالأنعام لأنهم تركوا سنة التفكر والتأمل التي حث عليها الإسلام، وأعدّ لهم عذابًا أليمًا، يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويقول جل ذكره: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ.

فالمسلم هو الذي يشغل عقله بما يفيده في هذه الجوانب، ومن مقررات ذلك:

أ – التأمل في كتاب الله عز وجل.

ب – القراءة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته والتأمل فيها.

ج – القراءة المستمرة بحسب ما يضعه المربي لنفسه أو لغيره.

د – المحاورة والمناقشة مع الآخرين، فيربي الأب أو الأم أو المعلم من تحت أيديهم على الحوار في موضوع معين، ويطلب منهم إبداء ما لديهم، ويصحح أخطاءهم، ويدربهم التدريب المناسب لهم.

هـ - إشغال المتربين بالاستنتاج مما يقرأ، أو يُرى.

و – التأمل في الكون بما يحويه من مخلوقات عظيمة.

وكل هذه المقررات مما حثّ عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وغير خاف حثّه عليه الصلاة والسلام على العلم والتعلم، وكذا تربية أصحابه على الاستنباط.

ثالثًا: تربية الجسم: لقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بتربية الجسم، فتعددت الأحاديث النبوية في الحث على ذلك – كما سيأتي بعضها – وهذا يعني أن الجسم الصحيح عامل كبير، وسبب أساس لأداء المسلم في وظيفته في هذه الحياة وهي عبادة الله تعالى وكذلك لتحقيق أهدافه من وجوده، وغايته من حياته، كما سبق في وضوح الهدف.

ومن أهم ما ركزت عليه التربية النبوية من مقررات في تربية الجسم:

أ – العناية بالصحة، ولذلك جاءت التوجيهات النبوية بالتوازن في التغذية التي هي الأساس للصحة، فمما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي شرا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لنفسه»، ومع ذلك فإذا تعرض المسلم لأي نوع مما يؤثر على الصحة فقد أمر بالتداوي وتعاطي الأسباب الشرعية، فمما جاء في الصحيح: «تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم».

كل ذلك مع التوكل على الله جل وعلا، واعتقاد أن الشفاء والصحة والمرض من الله سبحانه تعالى، يصيب به من يشاء ابتلاءً واختبارًا وتمحيصًا ومغفرة ورفعة للدرجات إذا تعاملوا بهذا المنهج الصحيح.

ومن أشكال الاهتمام بالصحة والعناية بها ألا يرد المريض على مصح، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يوردن ممرض على مصح».

ب – التربية على الطهارة والنظافة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم».

فالمسلم نظيف في الباطن من الحسد والحقد والبغض، ونظيف اللسان من الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور والتعامل بالخداع، ونظيف في الظاهر، ومن الوسائل لذلك:

الوضوء للصلاة، والغسل من الحدث الأكبر، والتطهر من النجاسات والأوساخ، والسواك، والتأكد من صحة الماء المستعمل، والتأكيد على سنن الفطرة من الختان، وقص الشارب، وحلق شعر العانة والإبط، وتنظيف الأظفار وقصها، وتعاهد الشعر بالنظافة، واستعمال الطيب، وإزالة الروائح الكريهة ونحوها.

فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يأكل أو يشرب، يغسل يديه ثم يأكل أو يشرب.

ويقول صلى الله عليه وسلم: «غسل يوم الجمعة على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه ولو من طيب المرأة» .

وهل يوجد هذا في أي حضارة أو مذهب؟ لا يختلف عاقلان بأنه لا يوجد في أي دين أو ملة، فهل يعي أبناء الإسلام ذلك؟!

ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».

وكان عليه الصلاة والسلام ترجمة عملية لهذه الخصال والخلال، يقول أنس رضي الله عنه: «ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم ولا شممت ريحًا قط، أو عرفًا قط أطيب من ريح، أو عرف النبي صلى الله عليه وسلم».

ويلحق بباب العناية بنظافة الجسم، العناية بنظافة البيئة الخارجية، فقد حثّ النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، كما جاء في قوله: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد».

وقوله عليه الصلاة والسلام: «اتقوا اللاعنين»، قالوا: وما اللاعنان؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس وفي ظلهم».

والنصوص لما سبق أكثر من أن تحصر ويكفى أن يرجع المسلم إلى كتب الأحاديث في باب الطهارة.

ج – الحرص على نمو الجسم وتقويته بالرياضة المشروعة، والحركة المتوازنة، فجاء الأثر «علموا أبناءكم الرماية والسباحة وركوب الخيل» وتسابق الرسول صلى الله عليه وسلم مع عائشة مرتين، ويقاس على هذه الرياضات أمثالها مما يخلو من المحرمات كخروج العورات، أو اختلاط النساء بالرجال، أو غلبتها على وظيفة الحياة الأساسية فتكون هي الهم والهدف.

ومن الخير للمسلم أن يدرك أهمية هذه الجوانب لتربية جسمه وعقله وروحه، فيقدم على الله تعالى قوي الإيمان، نيّر العقل، قوي الجسم.

وبهذا فقد وازن عليه الصلاة والسلام بين تطلعات الروح ومتطلبات الجسد.