بحث عن بحث

 حديث (أَتَتْ فَاطِمَةُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  تَسْأَلُهُ خَادِمًا....)

 

(13)  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَقَالَ لَهَا: «قُولِي اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الأْوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الآْخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ ». (1)  

 

غريب الحديث :

العَرْش : هو سرير المَلِك (2) .

والمعنى الآخر: البيت ينصب من العيدان ويظلَّل وجمعها: عروش (3).

والأصل فيه الرَّفع والعلو، يقال: عرشتُ النَّار إذا رفعتَ وقودها (4) .

وعرش الرحمن جسم معلوم خلقه الله سبحانه وهو من أعظم مخلوقاته، وأعلاها موضعًا فوق سماواته (5)،أمر ملائكته بحمله ، وتعبَّدهم بتعظيمه والطواف به، وهو سبحانه مستو فوق عرشه (بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل) ولا يخفى عليه شيء من أمر خلقه (6) .

فَالِقَ : الفاء واللام والقاف أصل صحيح يدل على فُرْجَةٍ، وبَيْنُونَةٍ في الشيء ، والفَلَقُ : الصُّبْحُ، لأنّ الظَّلامَ ينشق ويخرج منه (7)، وفَلْقُ الحبِّ والنوى ؛ شقُّ حبة الطعام ونوى التمر لإنباته (8) .

نَاصِيَتِه : الناصية عند العرب : مَنْبَتُ الشَّعر في مقدَّم الرأس، وجمعها نواصي (9) .

 

من فوائد الحديث :

1/ افتتاح الدعاء بتمجيد الربِّ سبحانه وتعظيم آياته الباهرة التي منها خلق السماوات السبع والأرضين والعرش العظيم، وإيجاد الخلق أجمعين وتدبير شؤونهم وتصريف أحوالهم والامتنان عليهم بالحياة والرزق والهداية .

ومن النعِّم المذكورة فلق الحبِّ والنَّوى لتخرج منها الزروع والنخيل والثمرات على اختلاف أصنافها وأشكالها وطعومها، رزقًا لهم ..

وهذا الإنعام بخلق النَّبات الحيّ والثِّمار اليانعة من النوى والحبوب اليابسة تبيه لطيف إلى غاية الوجود والحكمة من الخلق ..

وهي الخروج من ظلمات الضلال البائسة إلى أنوار الهداية والسعادة والإيمان .. وعبادة الواحد الديَّان.. وطاعته والخضوع له.. ولا سبيل إلى العبادة الحقَّة إلا ببعث الرسل وإنزال الكتب ومنها: التوراة، والإنجيل، والفرقان، والقرآن الكريم .

2/ الحث على الضَّراعةِ إلى الله والاستعاذةِ به وحده سبحانه لحفظ الخير ودفع الشر من كل دابَّة هو آخذ بناصيتها .

وهذه استعاذة من كل مكروه إجمالاً تعمُّ كل شرِّ يستعاذ منه.. من الشياطين والأشرار والدوابِّ والهوام ونحوها التي لا تخرج عن سلطان الواحد القهّار ومشيئته، ولا تخفى على الخبير العلام سبحانه .

3/ يستحب للعبد الداعي قبل الشروع في طلب حاجته الثَّناء على الله سبحانه وتمجيده وتعظيمه وتنزيهه عن كل نقص ، وإسباغ المحامد والكمالات له، في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، « فهو الأول المختص سبحانه بالأوَّلية فلا شيء قبله، وهو الآخر الباقي، فلا انتهاء له ولا انقضاء لوجوده وصفاته بعد موت الخلائق وذهاب صفاتهم وحواسهم وتَفَرُّق أجسامهم. وهو الظاهر، فلا شيء أظهر منه في صفاته ودلالة الآيات الباهرة القطعيَّة على ربوبيته ومنها ما تقدَّم من خلق السموات والأرضين .

وقيل الظَّاهر من أسماء الله سبحانه من الظهور بمعنى : القهر والغلبة وكمال القدرة .

وهو الباطن، المحتجب عن خلقه بذاته، وقيل العالم بالخفيَّات »(10) .

ولا شك أن هذا الدعاء الذي تقدمه ثناء وذكر وتمجيد لله تبارك وتعالى أنجع ما طلب به العبد حوائجه وهو أفضل وأقرب من الدعاء المجرد، ولاسيما إذا كان بمثل هذه الجمل الجامعة المتضمنة للتوحيد (11) .

4/ قال تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )(12).

وتفسيرها ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم  في الحديث.

قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى - : الفرقة النَّاجية أهل السُّنَّة والجماعة يؤمنون بما أخبر به الله في كتابه العزيز من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فِرَقِ الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة (13) .

5/ قال النووي – رحمه الله -: معنى قوله: « اقْضِ عَنَّا الدَّينَ »؛ يحتمل أن المراد بالدَّين حقوق الله تعالى، وحقوق العباد كلِّها من جميع الأنواع (14) .

وسؤال الله نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها، لدفع العجز والفقر والحاجة إلى سؤال الناس.

6/ قال القاضي عياض – رحمه الله -: حكمة الدعاء عند النوم أن يكون ذكر الله آخر كلام العبد، وتجديد الإيمان والاعتراف بأن الأمور كلها بيد الله سبحانه (15) .

7/ من فوائد هذا الدعاء المبارك :

1 – عظم الأدب وكمال التقديس لله سبحانه، والاعتراف بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه .

2 – المبالغة في التضرُّع والخشوع لله سبحانه ومناجاته وهو روح الدعاء ولبّه ومقصوده فإن الخاشع الذليل الضارع يسأل مسألة مسكين ذليل منكسر القلب، مفتقرٍ إلى مولاه سبحانه الذي بيده مفاتيح الخير ونواصي كل شيء.

3 – إرجاء هذه الدعوات إلى الليل قبيل النوم فيه إخفاءٌ لها وتحرٍ لسكون النفس وفراغها من المشاغل والصوارف فتكون أكثر إقبالاً على الله سبحانه وتلذذًا بمناجاته وأنسًا بقربه، وصدقًا في مسألته .

4 – سؤال الله عز وجل بهذه الدعوات، والابتهال إليه لقضاء الحاجات أمر محمود مأمور به، حسن العاقبة، عظيم الأثر والفائدة، في حصول المطلوب والاحتراز من الشرور والكروب.

  


(1)   رواه مسلم (1149 ح2713) و الترمذي (2010 ح 3481) و ابن ماجه صلى الله عليه وسلم  (2705 ح3831) بلفظ: «أَتَتْ فاطمةُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم  تسأله خادمًا ». فقال لها: «ما عندي ما أُعْطِيْكِ » فَرَجَعَتْ. فَأَتَاهَا بَعْدَ ذلكِ فقال: « الذي سَأَلْتِ أَحَبُّ إليكِ، أو ما هُوَ خيرٌ منه؟ » فَقَالَ لها عليٌّ: قولي: لا. بل ما هُوَ خيرٌ مِنْهُ. فقالت، فقال: « قُوِلي: اللَّهمَّ رَبَّ السَّماواتِ ». الحديث بمثله، وليس فيه: « فَالقَ الحبِّ والنَّوى، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كلِّ شَيءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيتِهِ ».

(2)     معجم مقاييس اللغة (ص725)، مختار الصحاح (ص178)، لسان العرب (6/313)، المنهاج (2/382).

(3)     الغريب لابن قتيبة (2/12)، النهاية (1/220) .

(4)     الفائق (2/43) .

(5)     مشارق الأنوار (2/98) .

(6)     تفسير القرطبي (15/ 294، 295)، حاشية ابن القيم (13/ 17)، فتح الباري (13/499)، عون المعبود (13/ 7) .

(7)     مشارق الأنوار (2/ 195) .

(8)     لسان العرب (10/ 309)، النهاية (3/471) .

(9)     لسان العرب (15/ 327) .

(10)   ينظر: المنهاج (17/ 38)، عون المعبود (13/ 267)، تحفة الأحوذي (9/243، 244) .

(11)   ينظر: نتائج الأفكار (ص157) .

(12)   سورة الحديد، الآية: 3 .

(13)   مجموع الفتاوى (3/ 141).

(14)   المنهاج (17/ 38) .

(15)   بتصرف يسير جدًا. إكمال المعلم (8/ 212) .