بحث عن بحث

 

 

 

 حديث (إِنَّ قَلْبَ الآْدَمِيِّ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ...)

 

 

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَعَوَاتٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَا، يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُكْثِرُ تَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ ؟ فَقَالَ: « إِنَّ قَلْبَ الآْدَمِيِّ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ ». (1)

 

غريب الحديث :

أزاغه :

من الزيغ، وهو أصل يدلُّ على مَيْلِ الشيءِ، يقال : زاغت الشمسُ إذا مالتَ وفاءَ الظِل، وزاغ البصر إذا كَلَّ، والزيغُ الميلُ عن الحق، وزيغ القلب إمالته عن الإيمان والهدى إلى الكُفْرِ والضّلالِ.

أَقَامَهُ :

القاف والواو والميم أصلان صحيحان يدلان على انتصابٍ أو عَزْمٍ .

 والقائم بالدين المستمسك به، الثابت المواظب عليه.

من فوائد الحديثين:

1/ تَعجُّبُ عائشة وأم سلمة – رضي الله عنهما - من ملازمةِ النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الدعاء، وإكثارِه منه، وتخصيصُ نفسه الزّكية بالذكر، وإظهارُ افتقارها ولجوئها إلى الله تعالى فيه تلميحٌ إلى أن من دونه أحقُّ بذلك الدعاء وأولى بالخشية (2) .

2/ تجلِّي عظيم صنع الباري سبحانه في عجائب القلب، لا يهتدي إليه إلا الرّاسخون في العلم، المراقبون لقلوبهم، المشفقون على أحوالهم، المُلِحُّون في دعائهم: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (3)  (4) .

3/ قدرة الحكيم العلاّم على تصريف قلوب عباده بما شاء، لا يمتنع عليه شيء، ولا يفوته منها شيء، فيثبِّت القلب على الطاعة والاستقامة والهمّ بالحسنة أو يُمِيْله إلى المعصية والضلالة والهمّ بالسيئة بحسب ما يعرف وينكر من الخواطر المترادفة، والدواعي المتعارضة، والصوارف المختلفة التي تُحَبِّبُ له الهداية والخيرات أو تزين له الغواية والسيئات (5)  .

قال تعالى( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)  (6) .

4/ بيانُ الحكمةِ من تخصيص ذكر القلب من سائر الجوارح، وليس المقصود به هنا العضو اللحمي المودع في الجانب الأيسر من الصدر، إنما يراد به اللطيفة الربانية حيث جعله الخبير سبحانه حقيقة الإنسان المدرك المخاطب المطالب، المثاب أو المعاقب، لأنه ملك الجوارح، وقائد الجُنْد يَأمرُ بما يُعمر من خير أو شر (7)  .

5/ الإشارة إلى سرعة تقلُّب القلب، وتبدُّل حاله، فعبَّر به دون الفؤاد، كما قال عمر ابن أبي ربيعة :   

 ما سمي القلب إلا من تقلُّـبه         ولا الفؤادُ فؤادًا غير أن عقلا (8)

وتقليب القلوب على الحقيقة، وعبرّ بالأصبعين دون اليدين لأنه أسرع في التقليب، وحركة الأصابع أسرع من حركة اليد فناسب التعبير بها، واكتملت الصورة البلاغية بهذا الوصف المهيب، الذي يدركه المخاطب ويعقل معناه (9) .

6/ القلب الصحيح هو المشتاق إلى معرفة ربه تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، وكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف ومنه أخوف وله أطلب وإليه أقرب وكان ذكره نعيم حياته وقرة عينه، ولو غفل عنه لخطةً لاستغاث.. يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك (10) .

7/ سئل شيخ الإسلام عن من أصيب بسهم من سهام الهوى ؟

فأجاب: ليكثر من الدعاء بقوله: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرِّف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك وطاعة رسولك .

فإنه متى أدمن الدعاء والتضرع لله صرف قلبه عما سواه كما قال تعالى: ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)  (11) .

ويخلف عليه محبة خالقه ووليِّه الذي لا صلاح له ولا فلاح إلا بأن يوحِّده في الحب، ويقبل عليه في العبادة، لينال الرضى والسعادة (12)  .

8/ يستحبُّ الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في إكثاره من تلك الدعوات وإظهارِ قلَّةِ حيلته وافتقاره إلى ربِّه أن يهديه ويلهمه الرَّشاد.

واسترساله في الضراعة والمسألة لكمال توحيده ويقينه بأن الله سبحانه يتصرف في ملكوته كيف يشاء، فالخلق كله له، والأمر كله له، والحكم كله له، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئة، وما لم يشأ لم يمكن أن يجلبه إلا مشيئته، ومن اتّكل على نظره ومعرفته خُذِل وضَلَّ، قال تعالى: ( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)  (13) .

فالعبد مفتقر إلى الله في أن يحبِّبَ إليه الإيمان ويثبِّت قلبه عليه ويبغِّض إليه الكفر ويصرف قلبه عنه، وإلا فقد يعلم الحق ولا يحبه ولا يريده فيكون من المعاندين الضالِّين (14) .


(1) رواه أحمد في مسنده (6/91) و في مسنده (2/250) بزيادةٍ في الدعاء هي: «وطاعتكِ » بعد على دينك، وقوله: « ومَاَ يؤمِّنُنِي وَإنّما قُلُوبُ العبادِ بين أصُبْعَي الرحمنِ، إِنَّهُ إِذَا أَرادَ أَنْ يَقْلِبَ قلبَ عبدِهِ قَلبَهُ ».

و النسائي في الكبرى (4/414 ح7737) ، وابن أبي شيبـة (6/25 ح 29199) و أبو يعلى في مسنده (8/128) و الطبراني في الأوسط (2/147 ح1530) . الحديث صحيح، رجال إسناده ثقات، رجال مسلم، وله شاهد من حديث النواس بن سمعان .

رواه ابن حبان (3/222 ح943) و الحاكم (1/525) كلاهما مرفوعا بقوله :«مَا مِنْ قَلبٍ إلا بينَ أُصْبُعَين من أَصَابع الرّحمن إن شَاءَ أَقَامَهُ وإنْ شَاء أزَاغهُ، وكانَ رسولُ الله r يقول اللّهُمّ يَا مُقَلِّبَ القُلوب ثبتْ قَلْبِي على ديْنك، والميزانُ بيدِ الرحمنِ يرفعُ أقوامًا ويضع آخرين إلى يوم القيامة » هذا لفظ الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي([1]) .

(2) ينظر : فتح الباري (13/466)، الجامع الصغير للسيوطي (1/211)، فيض القدير (5/167).

(3) سورة آل عمران، الآية: 8 .

(4)  ينظر : إحياء علوم الدين (3/46)، الجامع الصغير للسيوطي (1/212)، فيض القدير (5/167).

(5) ينظر: شرح ابن بطال (10/419)، فتح الباري (13/466)، وعمدة القاري (25/94)، والاعتقاد (1/152)، تحفة الأحوذي (6/291) .

(6) سورة الشمس، الآيات: 7- 10 .

(7) ينظر : التبيان في أقسام القرآن (1/263)، وفيض القدير (2/379) .

(8) ينظر:قصيدته في الموسوعة الشعرية، وعمدة القاري (25/94) .

(9) ينظر: التبيان في أقسام القرآن (2/263)، نوادر الأصول (4/120)، الجامع الصغير للسيوطي (1/212)، فيض القدير (2/379- 380) .

(10) ينظر : شرح قصيدة ابن القيم (1/23) .

(11) سورة يوسف، الآية: 24 .

(12) ينظر : مجموع الفتاوى (32/5)، روضة المحبين (1/109- 111) .

(13) سورة الإسراء، الآية: 74 .

(14) ينظر: طريق الهجرتين (1/26)، درء التعارض (9/34- 35) .