بحث عن بحث

 

 حديث (يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ...)

 

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ -وَهُوَ حَلِيفُهُ- فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  :

« أَرْضِعِيهِ » قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ؟ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم   وَقَالَ :

« قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ » .

زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  . (1)  

 السَّائلة :

هي سَهْلَةُ بنتُ سُهَيل (بالتصغير) بن عمرو بن عبد شمس، من بني عامر بن لؤي القرشي.

أسلمت قديمًا وهاجرت مع زوجها أبي حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة إلى الحبشة .

وولدت له هناك محمد بن أبي حذيفة ، وهي أيضًا أم سَليط بن عبد الله  القرشي العامري، وأم بُكير بن شماخ ، وأم سَالم بن عبدالرحمن بن عَوْف .

روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنها القاسم بن محمد . (2)  

من فوائد الحديث :

اختلف أهل العلم - رحمهم الله - في حكم رضاع الكبير على قولين (3)  :

الأول : رضاع الكبير يثبت الحرمة ويرفع الحجاب ويبيح الخلوة :

وهو مذهب عائشة – رضي الله عنها - وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن عُليَّة وداود، قال ابن حجر: وفي نسبة ذلك إليه نظر، فإن ابن حزم ذكر عن داود أنه مع الجمهور وهو أخبر بمذهب صاحبهم. ا. هـ (4)  

وقال الصنعاني: والقول برضاع الكبير مذهب داود الظاهري نسبه إليه ابن حزم (5)

ونصره ابن حزم بشدة (6 ) ، وقال ابن العربي: لعمر الله إنه لقوي (7) .

أدلتهم :

1 – قول الله تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ ) (8) .

وجه الدلالة : ذِكر الرَّضَاعِ مُطلقًا غير مقيَّدٍ بوقتٍ معيَّن (9) .

2– حديث سهلة امرأة أبي حذيفة وهو نصٌّ صحيح صريح في إثبات الحرمة برضاع الكبير.

3 – أنه فتوى عائشة – رضي الله عنها - وهي أفقه نساء الأمة على الإطلاق، وراوية أحاديث الرضاع وأعلم بمرادها ، وصحَّ عنها أنها كانت تُدخل عليها الكبير إذا أرضعته في حال كبره أختٌ من أخواتها رضاعًا محرمًا، وهي – رضي الله عنها - تنصر هذا الحكم وتناظر عليه مَن منعه مِن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  حتى ماتت – رضي الله عنها – (10) .

القول الثاني : اعتبار الصغر في الرضاع المحرم :

ذهب الجمهور إلى أن المحرم من الرضاع ما كان في الحولين، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  ما عدا عائشة وحفصة – رضي الله عنهم - والثوري والشعبي والأوزاعي.. وغيرهم (11) .

وقال به جمهور التابعين، وفقهاء الأمصار وذهب إليه أبو حنيفة (12)  ومالك (13)  والشافعي (14)  وأحمد (15)  وأصحابهم ، وادَّعى الباجي الإجماعَ عليه بعد الخلاف (16) .

أدلتهم :

1 – قوله تعالى: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)  (17) .

وقوله تعالى:( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) (18) .

وجـهُ الدّلالة :

قال الشافعي – رحمه الله -: جعل سبحانه تمام الرضاعة حولين كاملين، وما جعل الله له غاية فالحكم بعد مضي الغاية فيه غيره قبل مُضيِّها (19) .

وقال القرطبي – رحمه الله -: لا شك أن الذي هو دون الحولين من الأجل وقتُ رضاعٍ، وأن تمام الرضاع كان بتمام الحولين .

والتمام من الأشياء التي لا معنى إلى الزيادة فيه، فلا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين.

وعليه فإن كان ما دون الحولين من الرضاع محرِّمـًا فما وراءه غيرَ محرِّم (20) .

الجوابُ عنه :

قال ابن حزم – رحمه الله -: أمر الله تعالى الوالدات بإرضاع أولادهن عامين، وليس في هذا تحريم الرضاعة بعد ذلك، ولا أن التحريم ينقطع بتمام الحولين (21)  .

فورودها لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة على المرضعة التي يجبر عليها الأب رضي أم كره(22)

وقال أبو بكر الجصَّاص – رحمه الله -: لا يخلو توقيت الحولين من أحد المعنيين :

1 – إمَّا أن يكون تقديرًا لمدة الرضاع الموجب للتحريم .

2 – أو ما يلزم الأب من نفقة الرضاع .

وعند تلاوة آخر الآية نجد قوله تعالى:( وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

فالمراد أن ذكر الحولين إنما هو توقيت لما يلزم الأب من نفقة الرضاع ويجبره الحاكم عليه وليس  توقيت نهاية الرضاع الموجب للتحريم (23) .

2 – حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اُنْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّما الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ»(24)

وجـه الدّلالة :

قال المهلّب – رحمه الله -: انظرن ما سبب هذه الأخوة فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حين تسدَّ الرضاعة المجاعة (25) .

وقال ابن حجر –رحمه الله-: قوله (من المجاعة) أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحل بها الخلوة حيث يكون الرضيع طفلاً صغيرًا يسد اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه فيصير كجزء من المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها .

فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة فالحديث للتّحفظ في الرضاعة ، وأنها لا تحرّم كل وقت وإنما وقتًا دون وقت (26) .

الجـواب عنه :

- أن عائشة – رضي الله عنها - هي راوية هذا الحديث وهذه قرينة ترجح أحد المعنيين المحتملين من قوله: « من المجاعة » ويكون المعنى الراجح صفة الرضاعة الكثيرة التي تشبع من المجاعة لا زمنها، وحديث سهلة من روايتها أيضًا وقد أخذت برضاع الكبير، ولو كان هذا الحديث مخالفًا لحديث سهلة لما ذهبت إليه  وتركت حديثًا واجهها به رسول الله صلى الله عليه وسلم  ورأت تغيّر وجهه (27)  .

- هذا الحديث يدلُّ على أن الرضاع المحرِّم غير متعلق بالحولين، لأنه لو كان الحولان توقيتًا له لما قال: الرضاعة من المجاعة، ولقال: الرضاعة في الحولين .

فلمّا لم يذكر الحولين وذكر المجاعة كان معناه أن اللبن إذا كان يسد جوعته ويقوي بدنه فرضاعته صحيحة ولو بعد الحولين (28) .

فالحديث متَّجهٌ إلى صفة الرضاع لا إلى زمنه .

3 – حديث أم سلمة قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « لاَ يُحرِّم مِنَ الرَّضَاعَةِ إلاّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ في الثَّديِ وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ » (29) .

وهو نص صريح في زمن الرضاع المحرم جاء مؤكدًا بثلاثة أوصاف :

1. فتق الأمعاء : أي سلك فيها، والأمعاء جمع المعي بفتح الميم وكسرها (30) .

ومعناه هو : اشتراط الرضاع في الصغر؛ لأن أمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها إلا اللبن لكونه من ألطف الأغذية وأما  أمعاء الكبير فمنفتقة لا تحتاج إلى الفتق باللبن (31)  .

2. كونه في الثّدي : أي في زمن الثدي و العرب تقول مات فلان في الثدي أي في زمن الرضاع ؛ وهما الحولان (32) .

3. قبل الفطام : أي قبل انتهاء الحولين (33) .

الجواب عنه :

قال ابن حزمٍ – رحمه الله -: هذا خبرٌ منقطعٌ ؛ فاطمةُ بنتِ المنذر لم تسمع من أم سلمة (أم المؤمنين) – رضي الله عنها -، لأنها صغيرة لم تلقها فكيف تسمع منها أو تحفظ عنها ؟ (34) .

وهذه علَّة مردودة، قال ابن القيم – رحمه الله -: لا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير جدًا أشياء ويحفظها ، وقد عقل محمود بن الربيع المجّة وهو ابن سبع سنين(35) و فاطمة كانت وقت وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة ، وهذا سن جيد للسماع. هـ (36) .

وقد رواه الترمذي وصححه وكذا الحاكم وهذا  يدفع علّة الانقطاع فإنهما لا يصححان ما كان منقطعًا لأنه من قسم الضعيف.

وقال الشوكاني – رحمه الله -: إدراك فاطمة بنتُ المنذر أمَّ سلمةَ ممكن لا جَرْم، وقد خرَّجه ابنُ حبانَ في صحيحهِ ومن شرطه الاتصالُ (37) .

وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام القرشية تابعية ثقة، روت عن أم سلمة وغيرها (38) .

4 – حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «لا رضاع إلا ما كان في الحولين»(39)

وجـه الدلالة :

اشتراط الحولين لصحة الرضاع، أما رضاع الكبير فلا يتعلق به التحريم (40) .

الجـواب :

الصحيح وقف هذا الحديث على ابن عباس – رضي الله عنه – (41) .

مناقشة حديث سهلة – رضي الله عنها -:

1/ الاعتراض عليه بدعوى النسخ :

قال ابن المنذر – رحمه الله -: لا يبعد أن يكون حديث سهلة منسوخًا (42)  .

فحديث سهلة في رضاع سالم كان في أول الهجــرة وقصته عقيب نزول قوله تعالى (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) (43)  وهي نزلت أول الهجرة، والأحاديث الأخرى المشترطة للصِّغر رواها من الصحابة أبو هريرة وقد أسلم عام فتح خيبر، وابن عباس قدم المدينة قبل الفتح فدلَّ على أنها ناسخة للحكم (44) .

الــرد :

قال ابن حجر – رحمه الله -: هذا مستند ضعيف جدًا، فإنه لا يلزم من تأخر إسلام الراوي أن يكون ما رواه متأخرًا، وأحاديث اشتراط الصغر رواها كبار الصحابة أيضًا مثل أم سلمة، وابن مسعود، عائشة – رضي الله عنهم - (45) .

- في سياق قصة سالم ما يدل على أن التحليل بعد انعقاد التحريم. ففي قوله: «كيف أرضعه وهو رجلٌ كبير ؟! ».

وفي رواية: « إنه لذو لحيةٍ» - ما يشعر بأنها كانت تعرف اعتبار الصغر في الرضاع المحرم، وأن حديثها كان بعد نزول الآيات في رضاع الحولين (46)  .

- لو كان الحديث منسوخًا لاحتج بذلك أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  وغيرهن على عائشة – رضي الله عنهن -، بل إن عائشة روت هذه الأحاديث وهي أعلم بها إن كان فيها نسخ أو لا، ولو كان منسوخًا لما عملت وأفتت به بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم  (47)  .

2/ الاعتراضُ عليه بدعوى الخُصوصيَّة :

قال ابن القيم – رحمه الله -: حديث سهلة مخصوص بسالم دون من عداه، وهذا المسلك أقوى مما قبله، وقالت به أم سلمة ومن معها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم  .

وذكر أهل العلم أن مما يبين اختصاصه بسالم :

- سؤال سهلة بعد نزول آية الحجاب، التي تقتضي أنه لا يحل للمرأة إبداءُ زينتها إلا لمن ذكر في الآية وسمِّي فيها، ولا يخص أحد من عمومهم إلا بدليل .

فعلمنا أن إبداء سهلة زينتها لسالم خاصٌّ به .

- وقالوا : إذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  الناس بأمرٍ أو نهاهم عن شيء (بكتاب الله أو سنته)، ثم أمر واحدًا من الأمة بخلاف أُمر الناس به أو نهوا عنه فإن ذلك يكون خاصًا به وحده، وليس أمره صلى الله عليه وسلم  للواحد أمر للجميع، لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الأمر الأول بل نقول: إنه خاص بذلك الواحد لتتفق النصوص وتأتلف (48) .

قال الشافعي – رحمه الله -: هذا – والله أعلم - في سالم مولى أبي حذيفة خاصة والخاص لا يكون إلا مخرجًا من حكم العام، فإذا كان كذلك، فحكم الخاص غير العام (49) .

ومما يؤيد القول بالتخصيص قول أم سلمة – رضي الله عنها -: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: « والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم  لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا» (50) .

قال الزرقاني – رحمه الله -: فهو خاص به دون الناس؛ لأنها قضية في عين لم تأت في غيره، واحتفّت بها قرينة التبّني، وضيق البيت الذي لا يجد مأوىً سواه، وصفات لا توجد في غيره فلا يقاس عليه(51) .

قال ابن عبدالبر – رحمه الله -: عدم تحديث ابن أبي مليكة وقوله: « فمكثت سنة أو قريبًا منها لا أحدث به وهبته ثم لقيت القاسم فأخبرته »(52) ، يدلُّك على أنه حديثٌ تُرِكَ قديمًا ولم يُعمل به، ولم يَتَلقَّهُ الجمهورُ بالقبولِ على عمومهِ بل تلقَّوْهُ على أنَّه مخصوصٌ (53) .

الـردُّ :

- لو كان الحكم خاصًا بسالم وحده دون غيره من الناس لبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقطع بخصوصيته له، وأنه لا يجوز لأحد بعده (54) ، كما بين لأبي بردة بن نيار أن يذبح جذعته أضحية له، وأنها لا تجزئ عن أحدٍ بعده (55) .

قال ابن القيّم – رحمه الله -: وأين يقع ذبح جذعةٍ أضحيةً من هذا الحكم العظيم المتعلّق به حلُّ الفرج وتحريمه، وثبوت المحرمية والخلوة بالمرأة والسفر بها ؟! فمعلوم قطعًا أن هذا أولى ببيان التخصيص لو كان خاصًا (56) .

- قول أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم   - ما عدا عائشة وحفصة - بالخصوصية إنما هو ظن منهن، كما في الرواية: عند أبي داود: « والله ما ندري، لعلها كانت رخصة لسالم .. ».

قال ابن حجر: إسناده صحيح (57)

فإذ اهو ظن بلا شك، والظن لا يُعارضُ به السنن الثابتة(58) ، قال تعالى: (ومَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)  (59) .

- احتجاج عائشة – رضي الله عنها - بالسنة الثابتة على أم سلمة التي احتجت باجتهادها.

لذلك لما قالت أم سلمة: إنه ليدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي، قالت عائشة: أمالك في رسول الله أسوة حسنة؟ وذكرت قصة سهلة فسكتت أم سلمة (60) .

قال ابن القيم – رحمه الله -: وشتان بين احتجاج أم سلمة بظنها واحتجاج عائشة بالسنة الثابتة.. وسكوت أم سلمة بعدما سمعت حجة عائشة إما رجوع إلى مذهب عائشة، وإما انقطاع في يدها (61) .

ولعلهن أبين ذلك؛ لما لأمهات المؤمنين من شدة الحكم في الحجاب واختصاصهن بالتغليظ في ذلك (62) .

الراجح :

أن حديث سهلة ليس بمنسوخ ، ولا مخصوص ، ولا عام في كلِّ أحد ، وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغنى عن دخوله على المرأة، فليس له بيت يؤويه سوى دارها ويشق احتجابها عنه مع دوام بقائه عندها ، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة ، حيث بلغ حد الاضطرار ، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثّر رضاعه ، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير.

وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، ورجحّه الشوكاني – رحمهما الله -، والأحاديث النافية لرضاع الكبير إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة أو عامة فتخصص هذه الحال من عمومها، وهذه طريقة متوسطة بين من منع رضاع الكبير مطلقًا ومن أجازه مطلقًا وهو جمع حسن بين الأدلة وإعمال لها من غير مخالفة لظاهرها بدعوى النسخ أو الاختصاص، بشخص معين، وقواعد الشرع تشهد له (63) .


(1)صحيح رواه مسلم – واللفظ له – (923 ح1453) ، وفي لفظ  عن حميد بن نافع قال: سمعت زينب بنت أبي سلمة تقول: سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم  تقول لعائشة: والله! ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة .

فقالت: لم ؟ قد جاءت سهلة بنت سُهَيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  . فقالت: يا رسول الله! والله إني لأرى في وجه أبي حُذيفة من دخول سالمٍ  ، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : « أَرْضِعِيْهِ » .

(2) الاستيعاب (4/1865)، أسد الغابة (6/154)، الإصابة (7/716) .

(3)  قال ابن حجر: ذكر الطبري في مسند علي هذه المسألة وساق بإسناده الصحيح من حفصة مثل قول عائشة وهو مما يخص به عموم قول أم سلمة: « أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا» الفتح (9/185).

ينظر لهذه المسألة: المدونة (5/407)، الأم (5/28)، مختصر اختلاف الفقهاء (2/315)، أحكام القرآن للجصّاص (2/112)، المحلى (10/17)، التمهيد (8/256)، المهذب (2/155)، القبس (3/171)، إكمال المعلم (4/640)، بدائع الصنائع (4/5)، بداية المجتهد (2/28)،)، ، المغني (8/142)، تفسير القرطبي (3/162، 494)، المنهاج (10/273)، مجموع الفتاوى (34/60)، زاد المعاد (5/577)، إعلام الموقعين (4/346)، سبل السلام (3/214)، فتح الباري (9/184)، عمدة القاري (20/84)، شرح الزرقاني (3/316)، نيل الأوطار (7/120)، عون المعبود (6/46).

(4)  فتح الباري (9/185).

قال الأسيوطي: وقال داود رضاع الكبير يحرم وهو مخالف لكافة الفقهاء، جواهر العقود (2/163)، وبداية المجتهد (2/28)، المنهاج (10/30).

(5)  سبل السلام (3/215) .

(6)  المحلى (10/18) .

(7)  شرح الزرقاني (3/316) .

(8)  سورة النساء، الآية: 23 .

(9)  سبل السلام (3/215) .

(10)    ينظر : زاد المعاد (5/587) .

(11)   مختصر اختلاف العلماء (2/315)، المحلى (10/19)، التمهيد (8/263)، بداية المجتهد (2/28)، تفسير القرطبي (3/162)، زاد المعاد (5/577)، سبل السلام (3/213)، نيل الأوطار (7/120).

(12)  قال الكاساني: والأصح الاقتصار على الحولين في حق التحريم وبه أخذ الطحاوي. ا. هـ. البحر الرائق (3/239) وانظر حاشية ابن عابدين (3/211) .

(13)    المدَّونة (5/407) ، الموطأ (2/604) .

(14)    الأم (5/28)، المهذب (2/155) .

(15)    كشاف القناع (5/445)، المغني (8/142)، تفسير القرطبي (3/162) .

(16)    شرح الزرقاني (3/318) .

(17)   سورة البقرة، الآية: 233 .

(18)   سورة لقمان، الآية: 14 .

(19)    الأم (5/28)، المهذب (2/155) .

(20)    تفسير القرآن (2/494)، وقال ابن عبدالبر: وما كان بعد الحولين ولو بيوم أو بيومين فهو في حكم رضاع الكبير، لا يحرم شيئًا، لأن الله سبحانه جعل تمام الرضاعة حولين ولا سبيل إلى أن يزاد عليهما إلا بنصٍّ أو توقيف ممن يجب له التسليم وذلك غير موجود. التمهيد (8/263) .

(21)    المحلى (10/22) .

(22)    سبل السلام (3/215) .

(23)    أحكام القرآن (2/113) .

(24)   متفق عليه، رواه البخاري (209 ح 2647)ورواه مسلم (923 ح 1455) .

(25)    فتح الباري (9/183).

(26)    ينظر : سبل السلام (3/ 215) .

(27)    ينظر: سبل السلام (3/215) .

(28)    أحكام القرآن للجصاص (2/115) .

(29) رواه الترمـذي (1764 ح1152) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، و ينظر : تلخيص الحبير (4/4)، تحفة المحتاج (2/424)

(30)  نيل الأوطار (7/ 122) .

(31)  بدائع الصنائع (4/5)، وينظر شرح الزرقاني (3/318) .

(32)    مجموع الفتاوى (34/ 59)، نيل الأوطار (7/122)، تحفة الأحوذي (4/264).

(33)   سبل السلام (3/217) .

(34)    المحلى (10/21)، ينظر: نيل الأوطار (7/121) .

(35)   رواه البخاري (9 ح 77) .

(36)     ينظر : زاد المعاد (5/ 590) .

(37)    تحفة المحتاج (2/425)، وينظر تلخيص الحبير (4/5) فإنه لم يعلّه بالانقطاع .

(38)   معرفة الثقات (2/458)، الثقات (5/301)، تهذيب الكمال (35/265)، التقريب (ص752).

(39)    رواه الدارقطني في سننه (4/174 ح10).

(40)    تحفة الفقهاء للسمرقندي (2/236) .

(41)    قال ابن عدي (الكامل 7/103): لم يسند هذا الحديث عن سفيان بن عيينة غير الهيثم بن جميل الأنطاكي، وليس بالحافظ يغلط على الثقات، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب، وغير الهيثم يوقفه على ابن عباس. ا. هـ

وقال البيهقي فس سننه (7/462): الصحيح أنه موقوف على ابن عباس وقال ابن حجر: أصحاب ابن عيينة وقفوه وهو الصواب. ا. هـ  الدراية (2/68) .

ورواه موقوفًا على ابن عباس : مالك في الموطأ (2/602 ح1257) وعبدالرزاق (7/465 ح13903) وابن أبي شيبة في مصنفه (3/550) .

(42)    شرح الزرقاني (3/317) .

(43)   سورة الأحزاب، الآية: 5 .

(44)    زاد المعاد (5/581) .

(45)   فتح الباري (9/185) .

(46)   ينظر: زاد المعاد (5/582) .

(47)    ينظر: زاد المعاد (5/586، 587) .

(48)    زاد المعاد (5/587) .

(49)    الأم (5/28) .

(50)    رواه مسلم (923 ح1454)  .

(51)   شرح الزرقاني (3/ 317) .

(52)    رواه مسلم (923 ح 1453) .

(53)   التمهيد (8/262)، وينظر شرح الزرقاني (3/317) .

(54)    ينظر: زاد المعاد (5/582)، شرح الزرقاني (3/316)، عون المعبود (6/46) .

(55)    متفق عليه، روى البخاري (477 ح5545 »وفيه ؛ فقام أبو بردة بن دينار وقد ذبح فقال: إن عندي جذعة، فقال: «اذْبَحْهَا وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ » ورواه مسلم (1028 ح1961).

(56)    زاد المعاد (5/583) .

(57)    فتح الباري (9/186) .

(58)   المحلى (10/23)، زاد المعاد (5/582) .

(59)   سورة يونس، الآية: 36 .

(60)  رواه مسلم (923 ح1453) .

(61)    زاد المعاد (5/582)، وينظر المحلى (10/23) .

(62)  إكمال المعلم (4/642) .

(63)  زاد المعاد: (5/593)، وينظر: إعلام الموقعين (4/346، 347)، نيل الأوطار (7/120)، عون المعبود(6/47)