بحث عن بحث

 حديث (مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي......)

 

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم   فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي قَدْ وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي » . (1)

 

السَّائِلة :

لم أقف على من عيَّنها .

من فوائد الحديث :

حكم التكنيّ بكنية النبي صلى الله عليه وسلم  والتَّسمِّي باسمه مسألة اختلف فيها العلماء على مذاهب كثيرة:

1 – مذهبُ الشافعي وأحمد في رواية وأهلِ الظَّاهِر ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والطحاوي – رحمهم الله - : لا يجوز التكني بأبي القاسم لأحد مطلقًا، سواء كان اسمه محمدًا أو أحمدًا أو لم يكن لظاهر الحديث (2) :

«تسَمَّوا بِاسْمِيْ وَلا تَكَنَّوا بِكُنْيَتي »(3)

وذهب آخرون من السلف إلى منع تسمية الولد (القاسم) لئلا يكون سببًا إلى التكني به.

وغيّر مروان بن الحكم – حين بلغه هذا الحديث – اسم ابنه القاسم إلى عبدالملك وفعله بعض الأنصار .

2 – وذهب جماعة من السلف إلى أن الممنوع الجمع بين الكنية والاسم، ولا بأس بالتكني بأبي القاسم مجردًا، ما لم يكن الاسم محمدًا أو أحمد، أو بالتسمية بأحمد أو محمد مجردًا ما لم تكن الكنية بأبي القاسم .

وممن رأى ذلك أحمد في رواية وبعض الظاهرية .

واستدلوا على ذلك بحديث جابر –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم  : «من تسمى باسمي فلا يتكنّى بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي »(4)  كما استندوا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم  : «لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي »(5)

3 – أنَّ النهي عن التكني بكنيته مع التسميِّ باسمه منسوخ، فإنه كان في أول الأمر خاصًا بحياة النبي صلى الله عليه وسلم  لئلا يلتبس به في النداء كما في الحديث الذي يرويه أنس –رضي الله عنه –  قال: نادى رجلٌ رجلاً بالبقيع: يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: يا رَسُولَ اللهِ إنِّي لم أعنِكَ إنَّما دعوت فلانًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «تسَمَّوا بِاسْمِي وَلاَ تَكَنَّوا بِكُنْيَتِيْ »(6)  ثم نسخ هذا النهي (7) فيباح اليوم التكني بأبي القاسم لكل أحد سواء من كان اسمه محمد أو أحمد أو غيره وهو مذهب مالك .

وبه قال جمهور السلف وفقهاء الأمصار والعلماء وقد اشتهر أن جماعة تكنوا بأبي القاسم في العصر الأول وفيما بعد ذلك إلى اليوم مع كثرة فاعله وعدم الإنكار .

4 – وذهب ابن جرير إلى أنه ليس بمنسوخ وإنما كان النهي للتنزيه والأدب لا للتحريم.

والراجح من ذلك – والله أعلم - كراهة التكني بكنية النبي صلى الله عليه وسلم  وأما التسمية باسمه فجائز إجماعًا وكراهة الكنية للتنزيه .

والآثار الثابتة تدل على النهي عن الجمع بين الاسم والكنية وإباحة إفراد كل واحد منها، ثم نهى بعد ذلك عن التّكنيّ بكنيته فكان هذا النهي زائدًا على ما تقدم، وأحاديثه كثيرة صحيحة.

وحديث المتن لا يقوى على رد تلك الآثار الصحيحة .

وقد أنكرت الأنصار على رجل سمَّى غلامه القاسم فقالت: لا نكنَّيك أبا القاسم ولا ننعمك عينًا، وكرهت له تلك الكنية ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذلك لما بلغه (8) .

وأما القول بالتخصيص في زمن النبي صلى الله عليه وسلم  فمتوجّه، لكن ربما نزل حكم لسبب وزال السبب وبقي الحكم، كالغسل يوم الجمعة، فالأولى ترك تلك الكنية إكبارًا لمقام النبي صلى الله عليه وسلم  وإجلالاً له وهو أبرأ للذِّمة وأعظم للحرمة (9) .


(1) رواه أبو داود – واللفظ له - (1587 ح 4968) و أحمد (6/209) و الطبراني في الأوسط (2/ 9 ح 1057) وفي الصغير (1/32 ح16) و البيهقي في السنن، في الضحايا، باب:ما جاء من الرخصة في الجمع بينهما (9/309 ح19114).           

رجاله ثقات، إلا محمد بن عمران الحَجَبيّ ؛ لم أقف على من وصف حاله عدا ما ذكره ابن حجر من أنه مستورٌ، وقال تعليقًا على هذا الحديث بعد تخريجه : ومحمد المذكور مجهولٌ! ، ولم يتابع عليه .وقال في التهذيب : وهو متن منكر مخالف للأحاديث الصحيحة .وقال الذهبي: الحديث منكر .

وقال البيهقي: أحاديث النهي عن التكني بأبي القاسم على الإطلاق أصح من حديث الحجبي هذا وأكثر، فالحكم لها دونه .

(2)  ينظر في هذه المسألة: شرح معاني الآثار (4/335)، شـرح ابن بطـال (9/342)، إكمال المعلـم (7/7)، المنهاج (14/338)، الآداب الشرعية (3/166)، فتح الباري (10/700)، عمدة القاري(22/206)، فيض القدير (1/317)، عون المعبود (13/208)، تحفة الأحوذي (8/106) .

(3) متفق عليه، رواه مسلم – واللفظ له (1059 ح2133) بسنده عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «تَسَمَّوا باسْمِي، وَلاَ تَكَنَّوا بكُنْيَتِي، فَإِنِّي أَنَا أَبُو القَاسِمِ، أَقْسِمُ بَيْنَكُم » وفي رواية: «وَلاَ تَكْتَنُوا ».

وفي بعض طرقه عند مسلم عن جابر –رضي الله عنه- قال: ولد لرجل منا غلامٌ، فسمَّاه محمدًا، فقال له قومه: لا ندعك تسمي باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق به حامله على ظهره، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم  فأخبره بهم وذكر الحديث ، ورواه البخاري (288 ح3538).

(4)  رواه أبو داود (1587 ح4966) ، رجاله ثقات . و أحمد (3/33) وروى الترمذي (1936ح2842) بسنده  عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «إذا تسميتم بي فلا تكنَّوا بي »قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ورجاله ثقات ، قال البيهقي في شعب الإيمان (6/393): هذا إسناد صحيح

(5) رواه أحمد – واللفظ له - (5/363) و قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/50)، رواه أحمد، رجاله رجال الصحيح .

(6)  متفق عليه، رواه مسلم (1058 ح2131 ) و البخاري (288 ح 3537) بسنده  عن أنس –رضي الله عنه- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم  في السوق فقال رجل: يا أبا القاسم ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: « سمُّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي » .

(7)  ورخِّص فيهما كما روى أبو داود (1587 ح4967) بسنده عن  علي –رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله إنْ وُلِدَ لي من بعدَك ولدٌ اسميهِ باسمكَ وأكُنَيِّهِ بِكُنْيَتِكَ». قال: « نَعَمْ » .ورجاله ثقات .

ورواه أحمد (1/95)  وزاد: فكانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم  لعلي.ورواه الحاكم في المستدرك (4/278) وزاد: قال علي – رضي الله عنه – فكانت هذه رخصة لي. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وذكر الذهبي في التلخيص ولم يعلق عليه. قال الطحاوي (شرح معاني الآثار 4/335): ليس في الحديث ما يدل على أنه رخصة لعلي فحسب، ولعل الزيادة من قَوْل مَنْ بَعْد عليٍّ، وقد يجوز أن تكون رخصة له، ويجوز أن يكون خلاف ذلك، والدليل عليه تسمية جماعةِ في زمنِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  بمحمد وتكنِّيهم بأبي القاسم منهم محمد بن طلحة ومحمد بن الأشعث ومحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن سعد ابن أبي وقاص . وغيرهم .وينظر: ناسخ الحديث ومنسوخه (ص379) .

(8) سبق تخريجه .

وقال ابن عون عن ابن سيرين: كانوا يكرهون أن يكنّى أبا القاسم وإن لم يكن اسمه محمدًا .ينظر: تحفة المودود (ص139) .

(9) وقد صوّب ذلك ابن القيم – رحمه الله - في زاد المعاد (2/347) وقال: التسمي باسمه جائز، والتكني بكنيته ممنوع منه والمنع في حياته أشد والجمع بينهما ممنوع منه، وحديث عائشة – رضي الله عنها - (حديث المتن) غريب لا يعارض بمثله الحديث الصحيح وحديث علي – رضي الله عنه - في صحته نظر والترمذي – رحمه الله - فيه نوع تساهل في التصحيح وقد قال علي إنها رخصة له وهذا يدل على – رضي الله عنه - بقاء المنع لمن سواه والله أعلم .