بحث عن بحث

 

 

حديث (فَأَكَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  مِنْ الْأَقِطِ وَالسَّمْنِ...)

 

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  أَقِطًا وَسَمْنًا وَأَضُبًّا. فَأَكَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  مِنْ الْأَقِطِ وَالسَّمْنِ وَتَرَكَ الأضُبَّ تَقَذُّرًا .

قَالَ ابْنُ عَبَّاس:ٍ فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  . (1)  

 

غريب الحديث :

أقِطـًا : الهمزة والقاف والطاء تدلُّ على الخلط، والقطعة أَقِطَةٌ (2).

وهو : لبن مجفف يابس ، وذلك أن يؤخذ اللبن فيطبخ وكلما طفا عليه من بياض اللبن شيء جمع في إناء ثم يجفف ، وهو من أطعم العرب (3) .

أَضُبًّا : جمع الضَّبّ : من دوابِّ الأرض معروف ، من أطولها نفسًا وأصبرها على الجوع ، يشبه الوَرَل، له ذنب ذو عُقَدٍ(4) ،والجمع ضِبَابٌ (5) وكذا ضُبّانٌ إذا كثرت جدًّا.

المُهْدِيَة : هي أم حُفَيْد – بمضمومة وفتح فاء وسكون ياء وإهمال دال - واسمها هُزَيْلَة (بالتصغير) بنت الحارِث بن حَزْنِ الهِلالية، الأَعْرابِيَّة، أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأم الفضل، وهي خالة عبدالله بن عباس – رضي الله عنهما - . (6)  

من فوائد الحديث :

1/ سَماحة المُصطفى صلى الله عليه وسلم  وحُسن تواضعه في قبول تلك الهديَّة من الأعرابيَّة، وما يورثه ذلك من تآلف الخواطر، وجبر القلوب وإحكام المودَّة، وما تبثُّ الهديَّة من معاني الأخوة والترابط في المجتمع المسلم .

2 / فيه من الأدب تَلقِّي النبَّي صلى الله عليه وسلم  مَا وهبتهُ المرأة بحفاوةٍ وتقدير؛ أكل منها، ودعى إليها بعض الصحابة فطعموا، وهذا ضَرْبٌ من اعتزازه بتحفة المرأة، وإكرام الواهبة ومؤانسة أصحابه ومؤاكلتهم .

3/ قال النووي – رحمهم الله -: أجمع المسلمون على أن أكل الضَّبِّ حلال، إلا ما حكي من كراهته عن أصحابٍ لأبي حنيفة، ومما حكاه القاضي عياض عن قوم قالوا هو حرام، وما أظنه يصح عن أحد، وإن صح فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله. ا. هـ (7) .

ولو كان حرامًا لنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن أكله، ولما قَبِل به، ولردّه إلى واهبته، فيفهم من تقريره الجواز (8) .

4/ كراهية النبي صلى الله عليه وسلم  الضبَّ ونفوره منه ليس من عيب الطعام وازدرائه، وإنما هو إخبارٌ بأن هذا الطعام الخاص لا يشتهيه لثقل رائحته أو استهجان طبيعته (9) .

5 / فيه من الفقه جواز ترك أكل ما هو حلال، إذ لم تجر له بأكله عادة، ولا يحسن بالمرء أن يُكره نفسه على ما يعافه، فهو في سَعَة من ذلك(10)  .

قال ابن القيم – رحمه الله -: وهذا أصلٌ عظيم في حفظ الصحة، فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا تشتهيه كان تضرره به أكثر من انتفاعه (11) .

6/ فيه جود الأعرابيَّة بأنفس ما تملك من طعام أهل البادية وهو اللبن والأقط والسمن، والضِّبَابُ التي كانت الأعراب تأكلها وتعجب بها وتقدمها في وليمة العرس ونحوها (12)  .


(1)  صحيح ، رواه البخاري – واللفظ له - (203 ح2575) و (466 ح5402) و (612 ح7358) و (465 ح5389)و مسلم (1026 ح1947) .

(2)   معجم مقاييس اللغة (ص67) .

(3)   لسان العرب (7/257)، مختار الصحاح (ص8)، النهاية (1/57)، عمدة القاري (21/46) .

(4)   لسان العرب (1/538)، النهاية في غريب الحديث (3/70) .

(5)   معجم مقاييس اللغة (ص573) .

(6)   الاستيعاب (4/1920)، أسد الغابة (6/286)، الإصابة (8/147)، المغني في ضبط أسماء الرجال (ص79) .

(7)    المنهاج (13/98). وينظر: سنن الترمذي (ص1834)، شرح ابن بطال (5/448)، المحلى (7/431)، إكمال المعلم (6/381)، المغني (9/336)، جامع العلوم والحكم (ص282)، فتح الباري (9/832)، الجامع الصغير للسيوطي (ص362)، شرح سنن ابن ماجه (ص233)، فيض القدير (5/244)، شرح الزرقاني (4/472، 473)، سبل السلام (4/78)، عون المعبود (10/190، 191)، تحفة الأحوذي (5/403، 404) .

(8)   التمهيد (17/70)، شرح الأبّي (5/285)، عمدة القاري (25/70)، إرشاد الساري (12/159)، نيل الأوطار (8/287) .

(9)   ينظر: الديباج (5/113)، فتح الباري (9/832)، شرح الأبيّ (5/283) .

(10)  ينظر: شرح ابن بطال (5/449)، تأويل مختلف الحديث (1/269)، شرح الكرماني (11/116)، فتح الباري (9/832)، شرح الزرقاني (4/473)، غذاء الألباب (2/131) .

(11)  زاد المعاد (4/218) .

(12)  تأويل مختلف الحديث (1/268)، المغني (9/336) .