بحث عن بحث

  

 حديث (بَعَثَتْ مَعِي أُمُّ سُلَيْمٍ بِمِكْتَلٍ فِيهِ رُطَبٌ...)

 

عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَعَثَتْ مَعِي أُمُّ سُلَيْمٍ بِمِكْتَلٍ فِيهِ رُطَبٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَلَمْ أَجِدْهُ وَخَرَجَ قَرِيبًا إِلَى مَوْلًى لَهُ. دَعَاهُ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا. فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَأْكُلُ. قَالَ: فَدَعَانِي لآِكُلَ مَعَهُ .

قَالَ: وَصَنَعَ ثَرِيدَةً بِلَحْمٍ وَقَرْعٍ. قَالَ: فَإِذَا هُوَ يُعْجِبُهُ الْقَرْعُ. قَالَ فَجَعَلْتُ أَجْمَعُهُ فَأُدْنِيهِ مِنْهُ ، فَلَمَّا طَعِمْنَا مِنْهُ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَوَضَعْتُ الْمِكْتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَقْسِمُ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِهِ.(1)

غريب الحديث :

مِكْتَل: والكاف والتاءُ واللام أُصيلٌ يدلُّ على تجمعُّ، يقال: هذه كتلةٌ من شيء؛ أي قطعةٌ مجتمعةٌ (2) .

والمِكْتَلُ: الزَّنبيل الكبير الذي يُحمل فيه كتل التمر أو العنب ، ويسعُ خمسة عشر صاعًا إلى عشرين (3) .

ثَرِيْدَةً : طعامٌ معروفٌ، من ثَرَدَ الخبز إذا كسَره، وقيل لما يهشم من الخبز ويُبَلُّ بماء المرق وغيره ثريدة، والثريد غالبًا لا يكون إلاّ من لحمٍ مع خبز (4) .

 

من فوائد الحديث :

1/ فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مؤانسة أصحابه وتواضعه لهم ومخالطتهم واللطف بمن دونه من أتباعه، من محترفٍ وخادم وغيره، فلا يأنف إجابة دعوتهم، والمجيء إلى منازلهم، ومشاركتهم الطعام ومؤاكلة الخيَّاط والخدّام (5) .

2/ يباح لمن يؤاكل أهله وخدمه أن يتخيّر ما يشتهيه مما يراه من الطعام إذا علم عدم كراهتهم، فقد جالت يد النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أن أحدًا لا يتقذر أثره بل كانوا يتبركون بريقه، وممامسة يده (6) .

كما في الرواية المتفق عليها: « فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدبّاء من حوالي القصعة ».

3/ فيه منقبة ظاهرة لأنس –رضي الله عنه- حيث بلغت محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محبة ما أحبه، واقتفاء أثره صلى الله عليه وسلم وحرصه على تقديم ما يشتهيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ليصبح في متناول يديه، وإيثاره النبيَّ بحظِّه منه (7)

4/ فائدة أكل القرع وآثاره الصحيّة كثيرة وهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالاً (8) .

5/ في الحديث أدب نبوي رائع، ولفتة تربوية حكيمة تتمثل في عناية النبي صلى الله عليه وسلم بما يهدي إليه والتناول منه وإن لم يكن في حاجة إليه تكريمًا لأهل الفضل والجود .

نراه صلى الله عليه وسلم يعود إلى بيته طاعمًا ريانًا لا حاجة بـه إلى غذاء مع خادمه أنس – رضي الله عنه - الذي سارع مغتبطـًا تغمره الفرحة والسرور بتقديم هدية أمه : «مكتل فيه رطب»، وَوَضْعِها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن أقبل إليها باهتمام بالغ وتلقّاها بتقدير ظاهر : «فَجَعَلَ يَأْكُلُ ويَقْسِمُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِهِ » !! .

 


(1)  إسناده صحيح ، رواه ابن ماجه – واللفظ له - (2677 ح3303) و أصل الحديث متفق عليه البخاري (163 ح 2092) بسنده عن أنس قال: « إن خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله خبزًا ومرقًا فيه دباء وقديد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة ، قال: فلم أزل أحبُّ الدُّبَّاء من يومئذ »و (467 ح5421) ، ومسلم (1042 ح 2041). قال ابن حجر وغيره: هذا إسناد صحيح. ا. هـ وله أصول صحيحة مُخرَّجة في الصحيحين وغيرها ينظر فتح الباري (9/656)، وينظر: مصباح الزجاجه (3/80).

(2)   معجم مقاييس اللغة (ص884) .

(3)   ينظر: لسان العرب (11/582)، مشارق الأنوار (1/421)، الفائق (1/439).

(4)   لسان العرب (3/102)، مختار الصحاح (ص35)، عون المعبود (10/183) .

(5)   ينظر: شرح ابن بطال (6/224)، فتح الباري (9/657)، عمدة القاري (11/211) .

(6)   شرح ابن بطال (6/225)، التمهيد (1/276)، المنهاج (13/221)، الفتح (9/655)، عمدة القاري    (11/211)، شرح الزرقاني (3/211)، عون المعبود (10/183)، تحفة الأحوذي (5/474).

(7)   ينظر: الفتح (9/657)، عمدة القاري (11/211) .

(8)   زاد المعاد (4/405) .