بحث عن بحث

 

 

حديث (اذْهَبْ فَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ...)

 

 عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  زَيْنَبَ أَهْدَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ . فَقَالَ أَنَسٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  : « اذْهَبْ فَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ » .

فَدَعَوْتُ لَهُ مَنْ لَقِيتُ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، وَوَضَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  يَدَهُ عَلَى الطَّعَامِ فَدَعَا فِيه،ِ وَقَالَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَلَمْ أَدَعْ أَحَدًا لَقِيتُهُ إِلاَّ دَعَوْتُهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَخَرَجُوا، وَبَقِيَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَطَالُوا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  يَسْتَحْيِي مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ شَيْئًا، فَخَرَجَ وَتَرَكَهُمْ فِي الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) قَالَ قَتَادَةُ: غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ طَعَامًا : (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا) حَتَّى بَلَغَ  (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب: 35] . (1)  

غريبُ الحديثِ :

حَيْسًا : الحاء والياء والسين أصلٌ واحد ، وهو الخَلْطُ (2) ، والحَيْس – بفتح الحاء وسين مهملة - هو الطعام المتَّخذ من التمر والأَقط والسَّمْن، وقد يُجْعَلُ عِوَضُ الأقِط الدَّقيق أو الفتيت (3) .

تَوْر : بفتح التاء من الأواني، مذكرٌ، قيل هو عربي، وقيل دخيلٌ، وهو إناء معروف تذكره العرب، وتشربُ فيه، كالقدح، يكون من حجارةٍ أو صُفْرٍ، وقد يتوضأ منه (4) .

مِنْ فَوائد الحِدَيثِ :

1/ سخاء  أم سليم -رضي الله عنها- خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم  -من النسب أو الرضاعة- وتعاهدها منح رسول الله صلى الله عليه وسلم  الهدايا، مبعوثة بالسلام العاطر، مُغَلَّفةً باعتذارها الرقيق المزجي بين يدي حَيْسَتِهَا  التي صنعتها بيديها، وهي توصي ابنها –كما في رواية مسلم وغيره-: «قُل بعثتْ بِهذَا إليكَ أُمِّي، وهي تقرئك السَّلامَ، وتقولُ إنَّ هَذا لكَ منَّا قليلٌ يا رسُول اللهِ » فوصفتها بأنها قليلة، والمودة إذا صحت سقطت الكلفة .

فحفظ الغلامُ الوصِيَّة اللطيفة، وأدى الرسَالة الحكيمة الكريمة (5)

2/ الحديث أصل في استحباب الهديَّة للعروس لإدخال السرور عليه في يوم عرسه والقيام عنه ببعض الكُلَف، كإعانته بصنع طعامٍ ونحوه لوليمته لانشغاله بأمره، وأهله، عن تهيئة الطعام وإعداده، كما كان هذا المعنى _من الإهداء _ مستحبًا لأهل الميت لاشتغالهم بالحزن (6) .

3/ قال ابن بطال _ رحمه الله _: من سُنَّةِ العروس إذا فضل له طعام عن حاجته وحاجة أهله أن يدعو له من خفَّ عليه من إخوانه، فيكون زيادةً في الإعلان بالنكاح، وسببًا إلى صالح دعاء الآكلين(7) .

4/ جواز الدعوة إلى الطعام على الصفة التي فوض بها النبي صلى الله عليه وسلم  أنسًا واستنابه عليها، بدعوة المعيَّن وغير المعيَّن كما في قوله: «ادع لي من لقيت من المسلمين، وفي رواية فلانًا وفلانًا ومن لقيت »، قال علماء المالكية: إذ لم يتعين المدعو لم يجب عليه إجابة (8)

5/ فيه من أعلام النبوة بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم  ويده الشريفة، فاستحال القليل كثيرًا وصار الطعام وفيرًا، وأشبع زُهَاء ثلاثمائة رجل! كما حزرهم أنس –رضي الله عنه- وقال كما في رواية مسلم: «فما أدري حين وضعتُ كان أكثر أم حين رفعت ؟! » (9) .

6/ روى مسلم – رحمه الله - وغيره عن أنس بن مالك – رضي الله عنه - قال: مَا أَوْلَمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم  على امرأةٍ من نِسَائهِ أكثَر أو أفضلَ مما أَوْلَم على زَيْنَب فقالَ ثابتُ البنانيُّ: بِمَ أَوْلَمَ ؟ قالَ: أَطْعَمُهمُ خُبزًا ولحمًا حتَّى تركوه (10)

ذكر القاضي عياض – رحمه الله - أن الروايات التي ذكرت قصة عرس زينب وإن تشابهت فإنهما قضيتان، إحداهما: وليمته التي أشبعهم فيهم خبزًا ولحمًا، والثانية : هذه التي دعاهم لما أهدته له أم سليم من الحيس .

وذِكْرُ آية الحجاب في قصة وليمة اللَّحم وهمٌ من بعضِ الرواة ، وتركيب قصةٍ على أخرى! وتعقبه القرطبي وابن حجر – رحمهما الله - وغيرهما :

قال القرطبي: الأَوْلَى من هذا إن يقال إنَّ القضية واحدة، وليس فيها وهم، فإنه يمكن أن يجتمع في الوليمة أمران، أَكَلَ قومٌ الخبزَ واللحمَ حتى شبعوا، ولما جاء الحيس استدعى غيرهم من الناس وجرى ما ذكر (11)

قال ابن حجر: وأولى منه أن يقال: إن حضور الحيسة صادف حضور الخبز واللحم فأكل كلهم من كل ذلك  ا. هـ (12)  .

وهذا الجمع لا يؤدي إلى تناقض، فإذا أمكن حُمِلَ عليه، وهو أولى من تطريق الوهم للثقات الأثبات من غير ضرورة تدعو إليه ولا أمر بيِّنٍ يدل عليه (13) .

7/ التزام المنهج السليم في التربية الجادَّة للفتيان والصغار، بإسناد بعض الأعمال والمسؤوليات إليهم وتكليفهم بأدوار مُهمَّة ومشاورتهم في القضايا اليومية بما يناسب مقدراتهم الجسمية والعقلية، ألا ترى إلى أم سليم – المربية العاقلة الحكيمة – تراودها فكرة جميلة فتستشير فيها أنسًا قائلة: «لو أهدينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم  هديةً » ؟.

فيجيبها سريعًا بما ظنَّته أن يقول: افعلي ... !

ثم تحمِّله وصيةً كان في أتم الاستعداد لها .. والعناية بها فيؤديها بكل سعادة وامتنان .. !! ولم يقف الأمر عند هذا .. بل كلَّفه النبي صلى الله عليه وسلم  وهو عروس أن يدعو الرجال إلى وليمة زواجه ويعيّن له خواصَّ أصحابه .. ثم يدع له حرية البحث والتَّحري لدعوة من يرى من المسلمين؟!! وفيهم قوَّاد المعارك وجهابذة العلماء وأرباب الحجى؟!! هذا الموقف الحكيم تجسيد حقيقي لاعتداد النبي صلى الله عليه وسلم  برأي الغلام، والاعتماد على قدرته وجرأته وثبات شخصيته، وهو سبب نجاح أنس في أداء هذه المهمة على الوجه المرضي .

8/ في إغضاء النبي صلى الله عليه وسلم  عن إخراج بعض أصحابه الذين أطالوا المكث في بيته أبلغ الأمثلة في حسن الأدب، بالصبر على الأذى من الصديق والصاحب والجار والمعرفة، والاستحياء منه، لاسيما إذا لم يقصد الأذى، وإنما كانت إساءته عن جهل أو غفلةٍ، فهذا أولى أن يستحيا منه(14) .

لكن يلفت انتباهه بالتعريض والتلميح عوضًا عن البيان والتصريح، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم  وهو يدخل ويخرج ولا يقول لمن أطال الجلوس اخرج ! لغزارة لطفه وشدة حيائه (15) .

9/ فيه كراهة التطويل والجلوس عند العروس، ومن يعلم أن له شغلاً، أو تفرغًا لأمرٍ من أمور نفسه أو أمور المسلمين (16)

10/ فيه اتخاذ الوليمة في العرس والدعوة إليها، قال ابن العربي – رحمه الله - : وهي السنة لإعلان النكاح (17) .


(1) صحيحٌ رواه مسلم – واللفظ له - (917 ح1428) و البخاري – تعليقًا - (446 ح5163) .

(2) معجم مقاييس اللغة (ص272) .

(3) لسان العرب (6/61)، مشارق الأنوار (1/272)، النهاية في غريب الحديث (1/467)، شرح الكرماني  (19/118)، عون المعبود (10/140)، تحفة الأحوذي (4/185) .

(4) لسان العرب (4/96)، مشارق الأنوار (1/161)، إكمال المعلم (4/601)، المفهم (5/2410)، المنهاج (9/233) .

(5) ينظر: المفهم (5/2410)، المنهاج (9/232)، شرح الأبي (4/52)، عمدة القاري (20/151)، تحفة الأحوذي (9/60) .

(6) ينظر: شرح ابن بطال (7/281)، إكمال المعلم (4/601)، المفهم (5/2410)، المنهاج (9/231)،.

(7) شرح ابن بطال (7/281)، وينظر إكمال المعلم (4/601)، وعمدة القاري (20/151) .

(8) ينظر: إكمال المعلم (4/600)، المفهم (5/2410)، المنهاج (9/233)، شرح الأبي (4/53) .

(9) ينظر: شرح ابن بطال (7/281) ، المنهاج (9/233)، فتح الباري (9/283)، نيل الأوطار (6/329) .

(10) رواه في النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش (917 ح 1428) .

(11) إكمال المعلم (4/602)، المفهم (5/2411، 2412)، شرح الأبيّ (4/53)، الفتح (9/283).

(12) الفتح (9/283، 284)، إرشاد الساري (11/ 442) .

(13) المفهم (5/2412) .

(14) ينظر: شرح ابن بطال (7/281)، إكمال المعلم (4/599) .

(15) عمدة القاري (20/151) .

(16) إكمال المعلم (4/599)، شرح الأبيّ (4/53) .

(17) القبس شرح موطأ ابن أنس (3/86)، عمدة القاري (20/151) .