بحث عن بحث

 

 

 حديث (...قَدْ نَهَى أَنْ نَأْكُلَ طَعَامَ الأْعْرَابِ...)

 

* عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَهْدَتْ أُمُّ سُنْبُلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَبَنًا فَلَمْ تَجِدْهُ، فَقَالَتْ لَهَا: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ نَهَى أَنْ نَأْكُلَ طَعَامَ الأْعْرَابِ »، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا مَعَكِ يَا أُمَّ سُنْبُلَةَ ؟ » .

قَالَتْ: لَبَنًا أَهْدَيْتُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ !.

قَالَ: « اسْكُبِي أُمَّ سُنْبُلَةَ » فَسَكَبَتْ. فَقَالَ: نَاوِلِي أَبَا بَكْرٍ. فَفَعَلَتْ. فَقَالَ: اسْكُبِي أُمَّ سُنْبُلَةَ فَسَكَبَتْ. فَنَاوَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَشَرِبَ .

قَالَتْ عَائِشَةُ -وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَشْرَبُ مِنْ لَبَنٍ - وَأَبْرَدِهَا عَلَى الْكَبِدِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنْتُ حُدِّثْتُ : « أَنَّكَ قَدْ نَهَيْتَ عَنْ طَعَامِ الأَعْرَابِ ».

فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِالأْعْرَاب،ِ هُمْ أَهْلُ بَادِيَتِنَا وَنَحْنُ أَهْلُ حَاضِرَتِهِمْ، وَإِذَا دُعُوا أَجَابُوا فَلَيْسُوا بالأْعْرَابِ ». (1)

المُهْدِيَةُ :

 هي أمُّ سُنْبُلةَ الأسْلَمِيَّةُ، تعدُّ في أهلِ المدينة، وحديثها في أهل المدينة، روى عنها أحفادها الثلاثة زرعة ومحمد وسليمان بن الحصين بن سياه . (2)  

غريبُ الحديث :

الأعراب : العين والراء والباء أصول ثلاثة أحدها : الإبانة والإفصاح (3) ، وهم ساكنوا البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة، والواحد: أَعْرابيٌّ، وهو البدوي الذي يرتاد الكلأ ويتتبع مساقط الغيث سواء كان من العرب أو من مواليهم .

وقد قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم طمعًا في الصَّدقات، لا رغبةً في الإسلام (4) قال القاضي عياض – رحمه الله -: وأعراب المسلمين: بواديهم الذين لم يهاجروا (5) .

من فوائد الحديث :

1/ تلطّف النبيّ صلى الله عليه وسلم مع الأعرابيَّة وترحيبه بها واحتفائه بهديتها مع الدعاء لها بالخير والبركة، ومبالغته في تطييب خاطرها وإدخال السرور عليها بتمكينها من خدمته «اسْكُبي  أُمَّ سُنْبَلة  »! وتأكيده على ذلك بالتكرار اللفظي الذي يلفت النظر إلى أهمية المهدية وعظم مكانتها .

2/ حسن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق – رضي الله عنه - بإشراكه معه في الهديَّة، بل مناولته منها قبل أن يطعم منها النبيّ عليه الصلاة والسلام .

وفيها منقبة ظاهرة لأبي بكر الصديق – رضي الله عنه - .

3/ الأعراب المذمومون في الحديث هم الذين ذكرهم الله سبحانه في كتابه بأسوأ الأوصاف وشرّ النعوت، قال تعالى:( الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (6) .

فهم أشدُّ كفرًا بالله وأعظمُ حجودًا لتوحيده، وأخبث نفاقًا من غيرهم من أهل الحضر والمدن.

وإنما وصفهم بذلك لبعدهم عن سماع التنزيل، ومعرفة الآيات والسنن، وإضاعة حقوق الله وشرائع دينه وقلّة مخالطتهم أهل العلم، ولجفائهم وقسوة قلوبهم وغِلَظِ طباعهم.

وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سنبلة بأنها ليست منهم لقربها من النّبيّ صلى الله عليه وسلم مكانًا ومكانةً، فهي ممن «إذا دعوا أجابوا»(7) . وهذا ضابط دقيق للتفريق بين التَّسمية اللفظية والحقيقة الشرعية .

4/ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن طعام الأعراب لتأثره بعادات الجاهلية؛ كما يفعل بعض الأعراب من الذبح لغير الله سبحانه والذبح على القبور ومعاقرة الإبل، والمراد به، نحر الإبل إلى المائة (إذا وردت الماء مع إبل صاحبه مراهنة) . إلى غير ذلك مما نهى عنه الإسلام وحرّم أكله .

وأمَّا ما ذبحه أعراب المسلمين فجائز؛ لأنَّ الغالب أنهم عرفوا التسمية، وما ذبحه المسلم يؤكل وتقبل هديته ويحمل على أنه سمّى عليه لأن المسلم لا يظن به في كلّ شيءٍ إلا الخير حتى يتبيّن خلاف ذلك (8).

وتقدَّم أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قبل هديّة « أمّ حُفَيد » وهي متزوجة في الأعراب .

5/ قال الخطابي – رحمه الله -: فيه من العلم؛ أن ما يوجد في أيدي الناس من اللّحوم في أسواق بلدان المسلمين وما يحمل إليها على أيدي الأعراب، وما كان من بلاد الإسلام المتاخمة لبلاد أهل الكفر وكان عهد أهلها حديثًا بالإسلام فإن الظاهر من أمره الإباحة، وكذلك الألبان والأجبان .

لأن غالب الظَّنِّ بمن كان من أهل دين الإسلام أنه يذبح باسم الله، ولا يُطعم المسلمين الميتة، وكذلك هذا فيما يُحمل من البراري من الطير والعصافير المذبوحة ونحوها (9) .

6/ فيه ملمحٌ يبيِّنُ جانبًا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أهله بلين الخطاب وعرض الأسباب التي تكشف النقاب عن المراد بـ « الأعراب »كما في رواية الحاكم «يا عايش –بالترخيم- أنهم ليسوا بأعراب هم أهل باديتنا .. ».


 

(1) رواه أحمد –والفظ له- (6/133) و الحاكم في المستدرك، في الأطعمة (4/128) و أبو يعلى في مسنده (8/209 ح4773)، والبيهقي في شعب الإيمان (6/480 ح 8982) قالَ الهيثميُّ : رجال أحمد رجال الصحيح ، ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبيّ على تصحيحه .

وللحديث شاهد عن أم سنبلة , رواه الطبراني في الكبير (25/163 ح396) بسنده عن أم سنبلة الحديث نحوه، وفي آخره  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خذوا هديَّة أم سنبلة فهي أهل باديتنا ونحن أهل حاضرتها ».ورواه أيضًا في الأوسط (8/250 ح8545) وذكر البخاري في التاريخ الكبير (3/440) . وبالنظر إلى إسناد الحديث وطرقه نجده حسناً. والله أعلم . مجمع الزوائد (4/149)

(2) الاستيعاب (4/1941)، أسد الغابة (6/348)، الإصابة (8/232) .

(3) معجم مقاييس اللغة (ص739) .

(4) لسان العرب (1/586)، الغريب للخطابي (2/257) .

(5) مشارق الأنوار (2/91) .

(6) سورة التوبة، الآية: 97 .

(7) ينظر : تفسير الطبري (11/3)، تفسير القرطبي (8/231)، تحفة الأحوذي (6/440) .

(8) شرح معاني الآثار (4/168)، التمهيد (22/300)، المحلى (7/417)، اقتضاء الصراط المستقيم (ص260)، فتح الباري (9/793)، سبل السلام (4/85)، نيل الأوطار (9/17)، عون المعبود (8/13) .

(9)  بتصرف يسير جدًا. أعلام الحديث (3/2076) .