بحث عن بحث

 


حديث (إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً...)

 

 

 عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى »، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟!

فَقَالَ : « أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ ».

قَالَتْ : أَجَلْ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلاَّ اسْمَكَ . (1)

 

مِنْ فَوَائِد الحديثِ :

1/ مِنْ فِطنَة الرَّجُل، ورِقَّة عاطفته، ويقظة إحسَاسه استقراؤه لحال زوجته، من فعلها وقولها وحركاتها، فيما يتعلَّق بالميل إليه وعدمه، والحكم بما تقتضيه القرائن.

لأنه صلى الله عليه وسلم جزم برضَا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه وسكوتها .. !

فبنى على تغيّر الحالتين من الذِّكْرِ والترك، تغيرُّ الحالين من الرضا والغضب (2)

وهذا تأصيل للمنهج العلمي الصحيح القائم على الملاحظة والتتبع ثم استنتاج الحقيقية، والتحقق منها، وليس الظنون والشكوك المفضية إلى الخلاف والشقاق .

2/ من الحكمة إشعار العشير بما ينوب خاطره من الوداد والعتاب والعناية بمعرفة دلائل الرضَا والأسى .. والفرح والحزن .. لحسن التَّصرف مع أسبابها.. وما يورثــه ذلك من علاج للخلافات الزّوجيَّة .. والمشكلات الأسريـة، ليهنأ الزوجان بحياةٍ آمنةٍ .. هادئةٍ .. سعيدة .. !

3/ غضب عائشَة – رضي الله عنها - على النبي صلى الله عليه وسلم لفرط غيرتها عليه، أو لعوارض الحياة اليومية ومكابدة متاعبها وأعبائها ، ونحو ذلك ، مما لا حرج في التَّأثر به مع بقاء أصل المحبة وعدم استلزام البغض، ولولا ذلك لكان غضبها معصية، وهجره كبيرة، إذ ليس كهجر أحد من الناس.

وعند تأمُّل قولها: أَجَلْ - وهي تقال في التصديق -، والله يا رسول الله ما أَهْجُرُ إلاّ اسْمَكَ حصرٌ لطيفٌ جدًا ... أخبرتْ أنَّها في حال الغضب الذي يسلبُ العاقلُ اختياره ورأيه لا تنفكُّ عن المحبَّةِ العظيمة المستقرة في قلبها، الممتزجة بروحها، الصادقة في عواطفها .. وإن كانت تترك التسمية اللفظية وتعبر عنها بالهجران لتدل على أنها تتألم من هذا الصدود الذي لا اختيار لها فيه.. فقلبها .. معلَّقٌ بذاته الكريمة ممتلئٌ مودَّة ومحبَّة (3)

ولسان حالها يقول ..

وما هجرتْكَ النفسُ أَنَّكَ عندها قليلٌ ..

                                        ولا أَنْ قلَّ مِنـكَ نصيبها .. » (4)

ولكنَّها - يا سيد الناس – لوعــــةٌ ..

                                       مِنَ الوجْدِ تَأْبَى النُّطَق عند حبيبها

4/ قال ابن بَطّال – رحمه الله -: فيه الصَّبر على النساء وما يبدو منهن من الجفاء، والحرج عند الغيرة، لما جبلن عليه منها، وأنهن لا يملكنها، فعفي عن عقوبتهن على ذلك .. وعذرهن الله فيه (5)

5/ ذهب بعض أهل العلم على أن مثل ما ذكر في الحديث – من ترك ذكر الاسم، وبسط الوجه، وترك السلام والإعراض – هو الذي يباح عند المغاضبة والتساخط بين المسلمين، وإذا كان في أمور الدنيا، ولا يحل ذلك بعد ثلاث، وأما ما زاد على ذلك من الاجتناب وقطع الكلام جملة، فإنه لأهل الفسوق والمعاصي تأديبًا لهم، ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث : « بابُ ما يجوزُ منَ الهِجرْانِ لمنْ عَصَى ». وأدخل حديث المتخلفين الثلاثة، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كلاهم.

فالغرض من الترجمة بيان صفة الهجران الجائز، وأنه يتنوع بقدر الجرم فمن كان من أهل العصيان يستحق الهجران بترك المكالمة كما في قصة كعب – رضي الله عنه -، وما كان من المغاضبة بين الأهل والإخوان فيجوز الهجر فيه بترك التسمية أو بترك بسط الوجه مع عدم هجر السلام والكلام (6)

6/ في اختيار عائشة – رضي الله عنها - ذكر إبراهيم عليه الصلاة والسَّلام دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها وحدَّة ذكائها ..

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به كما نص عليه القرآن الكريم(7)، فلما لم يكن لها بدٌّ من هجر الاسم الشريف أبدلته بما هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة (8).               


(1)  متفقٌ عليه رواه البخاري (452 ح5228) و (513 ح6078) (1106 ح2439) .

(2)  ينظر: فتح الباري (9/407)، عمدة القاري (20/210)، إرشاد الساري (11/515).

(3)  ينظر: إكمال المعلم (7/446)، المنهاج (15/200)، شرح الأبّي (6/262)، فتح الباري (9/408)، عمدة القاري (20/211)، إرشاد الساري (13/95، 96)، و(11/515).

(4) ديوان مجنون ليلى، قيس بن الملوح (ص71).

(5) شرح ابن بطال (7/352، 353) .

(6) ينظر: إكمال المعلم (7/446)، شرح الأبيّ (6/263)، فتح الباري (10/610)، وذكر المقدسي في: الآداب الشرعية (1/268، 269، 270) هجر الكافر والفاسق والفرق بين الأقارب وغيرهم في الهجر فليراجع .

(7) قال تعالى: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) سورة آل عمران، الآية: 68 .

(8) فتح الباري (9/408)، عمدة القاري (20/210)، إرشاد الساري (11/515) .