بحث عن بحث

حديث (مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم) وحديث (دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ)

 

 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم  ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا وقالت : وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  وَإِمَّا قَالَ: « تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ ؟! » فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ: « دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ ». حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: « حَسْبُكِ » قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاذْهَبِي ». (1)

 

غريب الحديث:

جاريتان : من النساء هي التي تُستَجْرَى في الخدمة ، ويقال: في أيام جِرَائها، أي صِبَاها (2)

قال القرطبي – رحمه الله -: الجارية في النساء كالغلام في الرجال، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما(3)

بُعَاث : هو - بضم الباء - ، يوم مشهور مذكور من أيام الجاهلية كان فيه حَرْبٌ بين الأوس والخزرج، وبُعاث اسم حصن للأوس وقعت الحرب عنده، وكان به مقتلة عظيمة وانتصر الأوس على الخزرج، واستمرت المقتلة 120 سنة حتى جاء الإسلام فألف بينهم، وبعضهم يقوله بالغين بغاث وهو تصحيف (4)

تُغَنِّيانِ : الغين والنون والحرف المعتل أصلان صحيحان، أحدهما الغنى مقصور يدلُّ على الكِفاية، والآخر الغناء ممدود صوتٌ، والأُغْنِيَّةُ؛ اللون من الغناء والجمع أغاني(5)

وكلُّ صوت رفع عند العربِ غِنَاءٌ، والتغنِّي بالقرآن تحسين الصوت بالقراءة، والجهر به، وقد كانت العرب تفعل ذلك بالشعر والحُدَاء والرَّجز، في أسفَارها وأنديتها وحروبها (6)

وتثبت مآثرها بالشعر فتروِّيها أولادها وعبيدها فيكثر إنشادهم لها وروايتهم إياها فيترنّم بها الرّفاق إذا سارت بهم الرِّكاب والساقية على الرّكِيّ والآبَار والسَّامر في القمراء .

كل ذلك عندهم غنَاء ولم يرد به ها هنا في الحديث ذكر الخناء والمجون والانبهار بالنساء والتعريض بالفواحش .

قال ذو الرُّمَّة :

أحبُّ المكان القفرَ من أجلْ أنني         به أتغنّى باسمها غير معجم

أي أجهر بالصوت بذكرها(7)

وأكثر من كانَ يتولّى الغناء الإمَاء دونَ الحرائر ولذلك سميت المغنية قيْنَة، لأن القينة عند العرب الأَمَة(8)

مِزْمَارَة : الزاء والميم والراء أصلان : أحدهما يدلُّ على قلَّة الشيء، يقال: رجل زَمِرُ المروءة أي قليلها، والآخر جِنْسٌ من الأصوات (9)

والمِزْمار والزَّمارة؛ الآلة التي يُزَمَّر بها، والغِنَاء في القَصَبَة لتحسين الصوت وحلاوة نغمته، يقال امرأة زَامِرَةٌ ، و رجلٌ زمَّارٌ.

غَمَزْتُهُمَا : هو كالنَّخْسِ في الشيء بشيء (10) يقال: غَمَزَهُ يَغْمِزه غَمْزًا .

والغَمْزُ : يكون بالإشارة بالعين والحاجب والجفن، و بالعَصْر باليد والكَبْس بها (11)

الدَّرق : ضربٌ من التَرسَةِ، الواحدة دَرَقَة، تتخذ من الجلود ليس فيه خشب والجمع دَرَق ودِراق(12)

الحِرَابُ : الحاء والراء والباء أُصولٌ ثلاثة، أحدها السَّلبُ، والهَلاَك وهو نقيض السِّلْم (13)

والحَرْبَة؛ هي سلاح يتخذ في الحرب قدره دون الرُّمْحُ الكامل وليس بعريض النَّصْل وجمعهُ حِرَابٌ (14).

أَرْفِدَة : الراء والفاء والدال أصلٌ واحدٌ مطردٌ وهو المعاونَة والمظاهَرة بالعطاء وغيره ، ورَفَدَ بنو فلانٍ فلانًا؛ إذا سوَّدوه عليهم وعظَّمُوه (15)

وأرفدة هو أبو الحُبْش الأقدم، وهو لقبٌ لهم(16) 

*  قَالَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بنِ عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم   فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ : « دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ »(17)

 

 

غريب الحديث :

الدُّفُّ :  والدَّفُّ ما يُتلهَّى به (18)، يكون بالفتح والضمِّ، والجمع دُفُوف، والدَّفَّافُ صاحبها(19). والمراد به الدفّ العربي المدوّر بوجه واحد المسمى بالغربال وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو المزهر (20).

يَنْدُبْنَ : أي يرثينهم ويثنين عليهم في بكائهم عليهم، والنّدبة تختص بذكر محاسن الموتى (21)

وقد لا يلزم منها البكاء، ويكون بتذكّر أفضل أفعاله وأوصافه (22)

من فوائد الأحاديث :

1/ في الأحاديث بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم  من الخلقِ الحسَن، وكرم المعاشرةِ والرأفةِ والرحمةِ، وما ينبغي للمرء أن يمتثله مع أهلهِ وإخوانهِ من إيثَاره مسَارَّهم وترويحهم فيما لا حرج عليهم فيه (23)

2/ غناءُ الجاريتين الوارد في الحديث هو : رفعُ الصوت وإنشادُ أشعارِ «مراثي » الجاهليّة الباعثةِ على الشَّجاعة والأنفةِ ومكارمِ الأخلاقِ، بألحانٍ مُرَقَّقة، وأصواتٍ مُستطابة مُستلذَّة .

وهذا الغناءُ يعفُّ عن الهوى المهيِّج للطِّباع، وينأى عن الغزل المثير للشهوات المحرَّمة، الذي يمعن في وصف المفاتن والتشبيب بالمحاسنِ والصُّورِ .. فيحرك الساكن ويبعث الكامن .. وهو معنى قولها: « وليستا بمغنيتين ».

ففيه تحرُّزٌ من الغنَاء المنكر، المعتاد عند أهل المجون والهوى المشتهرين به في أشعار الشوق والغرام والعشق الوصال والتعريض بالفواحش، ووصف الملاحة والحسن وطيب اللقاء وعذوبته، وألم الهجران وعذابه، وكأس الخمر ولذتها، ونحو ذلك من المعاني .. مصحوبًا بآلات الطَّرب المحرَّمة .

فهذا الغناء لا يُختلفُ في تحريمه، لأنَّه اللهو المذموم بالاتفاق .. وحاشَا مجلسه صلى الله عليه وسلم  أن يجري فيه شيء من ذلك بحضرته، وقد يعود الوصف في قولها «ليستا بمغنيتين» إلى نفس الجاريتين أي ليستا ممن اشتهر وعُرِف بحسنِ غنائه وتلحينه ولم تتخذانها صناعة وكسبا وعادة.

أما من سَلم من تلك المحرمات فيجوز القليل منه في أوقات العرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة ونحو ذلك (24)

3/ من الغناء الجائز؛ حُداءُ الركبانِ ونَصْبُ (25) الأعراب، الذي يحثُّ المطِيَّ، ويقصِّر المسيرَ، ويخفِّف السفر .

ويكون إنشادًا بصوتٍ رقيق فيه تمطيط، يرفع الصوت به .

فهذا الحُداء اجازه النبي صلى الله عليه وسلم ، وفعله الصحابة بحضرته ، فلا بأسَ بما خفَّ منه ولم يكن لصاحبه عادة، وهو لا يقدح في المروءة ولا يجرّح الشُّهود (26)

4/ جواز سَماع صوتِ الجارية « التي لم تبلغ » بالغنَاء الذي لا يدعو إلى شرٍّ أو قبيح، ولو لم تكن مملوكةً، لأن النبَّي صلى الله عليه وسلم  سمعه، ولم ينكر على عائشة – رضي الله عنها - سماعه .

واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة – رضي الله عنها - بالخروج (27)

5/ أنكر أبو بكر الصديق – رضي الله عنه - على الجــواري ما سمعه من الغناءِ لأسباب :

1 – لما رآه من اللهو والغناء الذي هو من الباطل وللشيطان فيه حظٌ باعتبار ما يحصل للعبد من تفويت المنافع الدينية والقرب والأعمال الصالحة وإهدار الوقت فيما لا فائدة فيه وسمّاه «مزمارة » أو «مزمورًا» لكثرة التنغيم والترانيم (فالزمير الصوت الحسن)، لا أنَّهما استخدمتا مزمارًا؛ كما يزعم ابن حزم ! .

فلم ينكر الصِّدّيق – رضي الله عنه - الإنشاد وإنَّما ذمَّ مشابهة الزمير، ونسبه إلى الشيطان لما يخشى من فتنته واستهواء النفوس له وقطع الذَّريعة فيه أحسن .

2 – رعايةً لمقام النبي صلى الله عليه وسلم  واحترامًا لقدره أن يصل إلى سمعه الشريف هذا اللهو المباح للناس، لكن لا يليق به عليه السلام، كما أن لبيت النبوّة من الشأن ما ليس لسواه من البيوت، ولنساء النبي صلى الله عليه وسلم  من الأحوال ما لا يشبههن فيه سائر النساء وقد قام في علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم   من مداراته لعائشة – رضي الله عنها – فقد يجاريها فيما ليس هو من شأنه من المباح، كما فعل في قصّة لعب الحبشة وغيرها.

3 – أو ظنَّ – رضي الله عنه - أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم  كان نائمًا، لا علم عنده منهنَّ ولا يسمعهنّ، فقام نيابةً عنه بإنكار هذا الأمر .

فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم  وقال: « دَعْهُمَا ».

وعلّل حكم الإباحة بأنه يوم سرور وفرح شرعي لا يُنكر فيه مثل هذا النشيد ، أما التفافه صلى الله عليه وسلم  بثوبه وإعراضه عن ذلك بوجهه لترفّعه عن مثل هذا اللهو ولئلا يَسْتَحِيْن فيقطعن ما هو مباح لهنَّ ، رأفة بهنَّ ، فعدم إنكاره دالٌّ على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أَقَرَّهن عليه إذ لا يُقرُّ على باطل ، ومثله حداء الركبان .

فيتقصر من الغناء على ما ورد فيه النصُّ وقتًا وكيفيةً لمخالفة الأصل (28)

6/ الرُّخصَةُ في الغنَاء (بصفته الخاصة) مع ضرب الدُّفِّ في أوقات أفراح النكاح، والأعياد ونحوها للنساء والصِّبيان أمرٌ مضت به السُّنَّة .

لا بالأغاني الدافعة للشرور، المشتملة على وصف الجمال والفجور، ومعاقرة الخمور فإنها تحرم في النكاح كما تحرم في غيره. والترخيص في المباح منه مؤقت لأسباب تستدعيه و لا يُجْعل الخاصُّ عامًا ، ولهذا لـمَّا قال أبو بكر –رضي الله عنه-: «أمزمارة الشيطان في بيت رسول الله » ؟! .. لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم  هذه التسمية، لأنه لم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الاجتماع عليه (29)

7/ فيه دليل على أن العيدَ موضوعٌ للراحة وبَسط النفس إلى ما يحلُّ من الدنيا، من اللهو واللعبِ وطيِّبات الرزقِ  وإظهارُ السرور في الأعياد من شِعَار الدين ، ومن الحِكَم في التَّوسعة على النساء والصبيان في أَيَّام العيد والعرس حاجة النفوس إلى الترويح والترفيه في مواسم المسرات والفسح ، إذ لا يمكن صرفهم عن كلِّ ما تتقاضاه الطبائع من الباطل وما تشتهيه النفوس من اللهو .

ولا يمكن حفظ جميع بني آدم من كل ما للشيطان فيه نصيب فإذنَ الشارعُ الحكيم في شيءٍ من اللّهو (المباح) واحتملَهُ لدرءِ مفسدةٍ أعظم منه وهي والانغماس في الملاهي المحرمة والتَّمتُّع بالحرام والإسراف في المآثم .

ومن مصَالح الإباحةِ .. إرضَاءُ النفوس الضعيفة بلهوٍ مباح تنقَادُ بعده إلى محبةِ الله ورسوله  وتستعين به على دينه ، فإن النفوسَ متى نالت شيئًا من حظِّها طوِّعت ببذل ما عليها من الحقِّ(30)

8/ تقديرُ النبي صلى الله عليه وسلم  للحاجات النفسية الفطرية في حياة الناس (31).. كالرغبة في الترويح واللعب .. والفرح والسرور .. والإذن الشرعي فيها بقدرٍ معتدلٍ مصونٍ من الإسراف والعبث والفساد .. فإن العبد يسعى إلى تحقيق مطالب الروح كما يؤدي وظائف الجسد .. بتوازن شرعي لا إفراط فيه ولا تفريط .. فلئن واظب على الجدِّ والحزم في العبَادة ربما يكَلُّ ويتعب ويملُّ.. ومراوحة النفس بين الجدِّ واللهو النافع يمنحها مزيدًا من الإقبال على الدين والنشاط للعمل.

إنَّ اعتراف الحبيب صلى الله عليه وسلم  بحرص عائشة الجارية الفتية المحبّة للّهو والطرب بلا ازدراء أو احتقار.. من أعظم الأدلةِ على واقعيةِ هذا الدينِ.. ومراعاتهِ للطبيعةِ الإنسَانية.. والجوانب العاطفية.. ثم يشمخُ الحبيب صلى الله عليه وسلم .. مثالاً فريدًا .. وزوجًا ودودًا .. يُسخِّر نفسه الكريمة ويذلَّلها لعائشة كيما تروي شوقها إلى اللعب والمرح .. فها هي تعتلي قامته .. تضع خدّها على خدّه الشريف وتنظر وهو ينتظر .. ويصطبر .. تطلبًا لسعادتها واستجلابًا لانبساطها ومودَّتها.. حتى تَسأَم فتكون هي التي تفترُ عن النظر وتنصرف عنه .. لقد لمَسَتْ من النبيَّ صلى الله عليه وسلم  هذه السَّماحة واللطافة .. فطابت نفسًا بالتَّفُّرج على الحبشَة وهم يلعبون في المسجد.. وكشفت عن السرِّ المدهش في مكوثها الطويل .. وهي تنظر بقولها: «وما بي حبُّ النظر إليهم، ولكن أحببتُ أن يبلغ النساء مقامُه لي ومكاني منه .. » (32) !

9/ في قول النبي صلى الله عليه وسلم  لأبي بكر: دعهما يا أبا بكر فإنها أيامُ عيْدٍ يقتضي أن تكون الرخصة معللةً بكونه عيد المسلمين، فلا تتعدَّى الرخصة إلى أعياد الكفَّار فلا يجوز السرور واللعب في أعيادهم كما هو الحال في أعيادنا فلا نشاركهم أفراحهم، إذ لو كان سائغًا لما قال: «إنَّ لِكلِّ قومٍ عيدًا وهَذا عِيْدُنَا ».

فالرُّخصة ليست معلَّقة بمسمى «العيد » مطلقًا، ولكن لأنه عيدنا نحن المسلمون. وفي هذا اللفظ اختصاص كلِّ قوم بعيدهم، وعيدنا محصور فيما شرع الله سبحانه في يومي الفطر والأضحى فليس لنا عيد سواهما (33)

10/ قال ابن تيمية – رحمه الله -: رخّص النبي صلى الله عليه وسلم  في أنواع من اللهو في العرس ونحوه، كما رخّص للنَساء أن يضربن بالدُّف فيها، أما الرِّجال في عهده فلم يكن أحد منهم يضرب بدفٍّ ولا يصفِّق بكفٍّ .

ولما كان الغناء والضرب بالدفِّ من عمل النساء كان السلف يسمُّون من يفعل ذلك من الرجال مخنثًا، وهو مشهور في كلاهم (34)

11/ السُّنَّة إعلان النكاح بالدُّف والغناء المبَاح، ليكون ذلك فرقًا بينه وبين السِّفاح الذي يُسْتَسَرُّ (35)

12/ فيه إقبال العَالم والإمام إلى العرس وإن كان فيه لهو ولعب لم يخرج عن المباحات فيه، وما يبثه هذا الحضور من الألفة والانشراح(36)

13/ في الأحاديث سماع النبي صلى الله عليه وسلم  ما أُنشد بين يَديه من الشعر والمراثي، وقد كانَ الصحابةَ يرتجزونَ في الحرب، ويحدون بالقصائد في الحِلِّ والحرمِ، وكانوا يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ساكتٌ، فربما يبتسم (37)

وما كان في الشعر من ذكر الله، وتعظيم حرماته، وإيثار طاعته وما يزيد في الإيمان والعمل الصالح فهو حسنٌ ، وهذه القصائد لم يزل المسلمون يروونها ويسمعونها ويتدارسونها .

فالشِّعر كلامٌ، حسنهُ حسنٌ و رديئهُ ردئ، إلاّ أنَّ التَّجرد له مذمومٌ لما يشغل عن طاعة الله، ونظمه وإنشاده مباح ما لم يكن فيه ما يستكره (38)

14/ قال ابن بطال – رحمه الله -: مما أباح النبي صلى الله عليه وسلم  من الغناء إنشاد المراثي التي تحزن وتبعث النفوس على الانتقام من العدو (39)

والندب الجائز على الميت؛ ذكره بأحسن أوصافه نثرًا وشعرًا بلا مبالغة، أو غلوٍّ، مما يهيج التشويق إليه والبكاء وشق الجيوب ونحوها من المحاذير الشرعية في النياحة .

ولعلّه أبيح لما يورثه من المصالح كالدُّعَاءِ لهم والترحمُّ عليهم و الاقتداء بهم والحماسَة للثأر لهم من الكفَّار.

15/ فيه تأديب الأب ابنته بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج، وعلّل بعضهم بأنّ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء، وفيه نظر، حيث يمكن حصول التَّأديبِ والعطفِ منهما معًا (40)

16/ وفيه مشروعية الإنكار في مجالس الصالحين، وإن كان هناك من هو أولى، ولا يعدُّ هذا افتياتًا على الكبير، بل هو أدبٌ، ورعايةُ حرمةٍ، وإجلالُ الفاضل من أن يتولّى ذلك بنفسه وصيانة لمجلسه (41)

17/ حسنُ خلقِ أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنه - وحياؤُها، حيث راعتْ خاطَر أبيها، ومشاعرَ زوجها، ومهابته، فأخرجت الجاريتين بالإشارة لهما حذرًا أن ينزعج من هو أكبر منها بالرغم من سماح النبي صلى الله عليه وسلم  لهما (42)

18/ في الحديث الثاني جوازُ اللّعبِ بالحرابِ والدّروع ونحوِهَا على طريق المسَايفة، والمثاقفة والتواثب للتَدريب على الحرب وتنشيط الجوارح على تقليب السلاح لتخفَّ الأيدي بها. وسمِّي لعبًا لما فيه من مشابهة اللعب، لأنه يقصد إلى الطعن والضرب ويوهم به قرينه ولا يفعله .

وكونه في المسجد لأنه من باب الاستعداد للجهاد فكان من أعمال البرِّ .. وليس هذا من سنن يوم العيد أو هيئة الخروج إليه، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم  أحدًا من أصحابه بالتأهُّب بها، ولم يستحبه العلماء (43)، وإنما هو أمرٌ من عادة الحبش يوم العيد، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم  لأنه يغتفر في العيد ما لا يغتفر في غيره، فالاستدلال بالحديث على إباحته لا على ندبه (44)

19/ في نظر عائشة – رضي الله عنها - إلى الحبشة وهم يلعبون دليل على جواز نظر النساء إلى لهو الرجال الأجانب على مثل تلك الحال من التدريب للحرب، بلا شهوة لقولها: «و ما بي حبّ النظر إليهم » فزال ما يخشى من وقوع الفتنة؛ أما النظر إلى صور الرجال بتأمل المحاسن، والالتذاذ بها بشهوة، حرام بالاتفاق.

وإن كان بغير شهوة ولا مخافة فتنة أو مفسدة ففي جوازه وجهان للشافعية :

أصحهما التحريم، لقوله تعالى ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ (45)

وأجابوا عن حديث عائشة بأجوبة :

1- ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما الأصل أنها نظرت إلى لعبهم وحرابهم وهو المقصود من رؤيتهم، ولا يلزم من ذلك تعمُّد النظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصدٍ صرفته في الحال.

2 – لعلَّ هذا قبل نزول الآية في تحريم النظر .

3 – أو أنها كانت صغيرة قبل بلوغها، لكن تعقب ابن حجر على هذا، وقال: إن نظـرها إليهم بعـد بلوغها، لأن قدوم الحبشة سنة 7هـ، فيكون عمرها حينئذٍ (15) عامًا(46)

20/ في الحديث الثالث إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم  ما تضمَّنه الشعر من المبالغة في الإطراء حتى خرج إلى ما ليس فيه، أصلاً.

ومن مقاصد الشعر المديح والرثاء وغيرها وقد يدخله الكذب في باب المبالغة، فهذا لا حرمة فيه ولا إثم ما لم يفضِ إلى الغلو، كقول الشاعر :

ولو لم يَكُن في كَفِّه غير روحهِ           لجاد بها فليتَّق الله سائلهُ (47)

فهذا عبارةٌ عن الوصف بنهاية السَّخاء ، فإن لم يكن صاحبه سخيًا كان كاذبا آثما، وإن كان سخيًا فالمبالغة من صنعة الشعر الذي لا يقصد منه أن يعتقد صورتَه (48)

وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم  من قبيل الأول المذموم شرعًا، وهو الوصف بما ليس فيه أصلاً، وانضاف إليه ما هو من خصائص الله سبحانه حيث أطلقت عليه الجارية علمه بالغيب في قولها: «وفينا نبي يعلم ما في غدٍ »، وهو من صفات الله سبحانه المختصَّة بـه، قال تعالى:( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (49)

وسائر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم  يخبر به من الغيوب بإعلام الله تعالى إيَّاه، لا أنه يَسْتَقِلُّ بعلم ذلك(50)

قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً )(51)

وقالَ القسطلاَّني – رحمه الله -: يحتملُ أن يكونَ المنع [أيضًا] وصفه عليه السلام في أثناء اللعب واللهو، إذ مقامُه أجلُّ وأشرف من أن يذكر إلا في مجالس العلم والجدِّ (52). وهو متوجِّهٌ لَكن المعَتمد هو الأول لما ورد التصريح به في رواية حمَّاد (53)

21/ جلوس النبي صلى الله عليه وسلم  على فراش الرُّبَيّع – رضي الله عنه - تشريفٌ لها، وهو محمول على أن ذلك كان من وراء حجابٍ، أو كان قبل نزول آية الحجاب .

 


 


(1) متفق عليه ، رواه البخاري – واللفظ له –(74 ح949، 950) وفي (77 ح987) بلفظ: أن أَبَا بَكْر دَخَلَ عَلَيْها وعِنْدَها جَاريتَان في أيام مِنى تُدَفِّفانِ وتَضْرِبَان، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  متغشٍ بِثَوْبِهِ فانْتَهَرهُما أبو بَكرٍ، فَكَشَفَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  عَنْ وَجْهِهِ وِقَالَ: « دَعْهُمَا يَا أبا بَكْر فَإِنَّها أَيامُ عِيْدٍ ».وَتِلْكَ الأَيامُ أيَّامُ مِنىً .

وفي (75 ح952) وفيه زيادة قولها: « وَلَيْسَتَا بِمغَنِّيتَيْنِ، فقال أبو بكر: أَبِمَزَامِيْر الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وذلك في يوم عيدٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : « يا أبا بَكْرٍ، إنَّ لكُلِّ قومٍ عيدًا وهذا عيدُنَا».- ومسلم (817 ح892) .

(2) معجم مقاييس اللغة (ص195) .

(3) المفهم (3/1494)، عمدة القاري (6/268) .

(4) لسان العرب (2/117)، أعلام الحديث (3/1700) شرح السنة (4/322)، النهايـة في غريب الحديـث (1/139)، عمدة القاري (6/269)، التطريف في التصحيف (ص66)، شرح سنن ابن ماجه (ص137).

(5) معجم مقاييس اللغة (ص777) .

(6) مشارق الأنوار (2/169)، النهاية (3/392)، شرح السنة (4/322) .

(7) ديوان ذي الرُّمَّة ، غيلان بن عقبة العدوي (2/1172)، الغريب للخطابي (1/656) .

(8) ينظر: لسان العرب (2/117)، ومختار الصحاح (ص202)، الفائق (1/61) .

(9) معجم مقاييس اللغة (ص439) .

(10) معجم مقاييس اللغة (ص775) .

(11) لسان العرب (5/388)، مختار الصحاح (ص201)، النهاية في غريب الحديث (3/385) .

(12) لسان العرب (10/95)، مختار الصحاح (ص85) .

(13) معجم مقاييس اللغة (ص239) .

(14) لسان العرب (1/303)، مشارق الأنوار (1/235) .

(15) معجم مقاييس اللغة (ص394) .

(16) اللسان (3/183)، مشارق الأنوار (1/370)، النهاية (2/242) .

(17) صحيح رواه البخاري – واللفظ له – (445 ح5147) و (326 ح 4001)

(18) معجم مقاييس اللغة (ص329) .

(19) ينظر: لسان العرب (9/104)، مختار الصحاح (ص87)، مشارق الأنوار (1/326) .

(20) إكمال المعلم (3/308)، شرح السيوطي (3/197) .

(21) مشارق الأنوار (2/9) .

(22) لسان العرب (1/753)، مختار الصحاح (ص271)، النهاية في غريب الحديث (5/33) .

(23)شرح ابن بطال (2/548)، وينظر: المنهاج (6/424)، عمدة القاري (6/272) .

(24) ينظر: شرح ابن بطال (2/550)، إكمال المعلم (3/306)، المفهم (3/1495)، المنهاج (6/422)، الكلام على مسألة السماع (ص121)، إغاثة اللهفان (1/228)، نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص25)، شرح الكرماني (6/60)، شرح السنة (4/322)، فتح الباري (2/563)، عمدة القاري (6/270، 271)، إرشاد الساري (2/639)، شرح سنن ابن ماجـه (ص137)، الديباج (2/466)، عون المعبود (13/181).

(25) النَّصب : جنسٌ من الغناء  مما  يعلَّى به الصوت. ا. هـ، معجم مقاييس اللغة (ص993) .

(26) ينظر: شرح ابن بطال (2/551)، التمهيد (22/198)، إكمال المعلم (3/306)، شرح الكرماني (6/61)، الفتح (2/563) .

(27) فتح الباري (3/563)، شرح السيوطي (3/197) .

(28)  ينظر: شرح ابن بطال (2/549)، إكمال المعلم (3/307)، المفهم (3/1496، 1497)، شرح السنة (4/323)، المنهاج (6/423)، فتح الباري (2/563)، عمدة القاري (6/270، 272)، إرشاد الساري (2/640)، كتاب الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام (ص106، 107)، (ص113) .

(29)  الاستقامة (1/287)، وينظر: المفهم (3/1495)، مجموع الفتاوى (11/566)، نزهة الأسماع (ص41)، نيل الأوطار (6/337) .

(30) ينظر: شرح ابن بطال (2/549)، إكمال المعلم (3/308)، الاستقامة(1/288)، روضة المحبين(1/291)، الكلام على مسألة السماع (ص311)، الفتح (2/562 و563)، عمدة القاري (6/271).

(31)  اقرأ حول هذه الفائدة: في كتاب: قضايا اللهو الترفيه؛ مبحث: فطرية الترويح في حياة الناس (ص111) وما بعدها، ومبحث: منطلقات الإسلام في إقراره باللهو والترفيه (ص121) وما بعدها، وشواهد من السيرة على مشروعية الترفيه (ص127) وما بعدها .

(32)  رواه النسائي في الكبرى (5/307 ح8951) بسنده عن عائشة قالت: دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي [ رسول الله صلى الله عليه وسلم  ] يَا حُمَيْراء أتُحِّبينَ أَنْ تَنْظُري إليهم ؟ » فقلت: نعم، فقام بالباب، وجئته فوضعتُ ذقني على عاتقه فأسندت وجهي إلى خده، ومن قولهم يومئذٍ: « أبا القاسم طيبًا»، فقال رسول الله: حَسْبُكِ؟ فقلت: يا رسول الله، لا تعجل. فقام لي، ثم قال: حَسْبُكِ؟ فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: «وما بي حب النَّظر إليهم .. ». قال ابن حجر: إسناده صحيح، ولم أقف على حديث صحيح سمَّاها «حميراء » سواه. اهـ فتح الباري (2/564) .

 (33)  ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/193، 194، 195) .

(34)  مجموع الفتاوى (11/566)، وينظر: تحفة الأحوذي (4/178)، الغناء في العرس مختص بالنساء فلا ينبغي للرجال.

(35)  شرح ابن بطال (7/263)، فتح الباري (9/254)، عمدة القاري (20/136)، إرشاد الساري (11/426، 427) .

(36)  شرح ابن بطال (7/263)، الفتح (9/254)، عمدة القاري (20/136) .

(37)  روى الترمذي (1937 ح2850) بسنده  عن جابر بن سمرة قال: «جالست رسول الله صلى الله عليه وسلم  أكثر من مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت فربما يبتسم معهم ». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

(38)  ينظر: إحياء علوم الدين (3/126)، الاستقامة (1/243)، الكلام على مسألة السماع (ص268، 269)، الآداب الشرعية (2/103، 104)، قضايا اللهو والترفيه (ص218، 219) .

(39)  شرح ابن بطال (2/550)، وينظر الفتح (7/306) .

(40)  الفتح (2/563)، عمدة القاري (6/272) .

(41)  إكمال المعلم (3/307)، المنهاج (6/423)، الفتح (2/563)، شرح الكرماني (6/61)، عمدة القاري (6/272) .

(42)  الفتح (2/563)، عمدة القاري (6/272) .

(43)  إلا ما قال القرطبي: هو من المندوب ولذلك أباحه النبي صلى الله عليه وسلم . ا. هـ المفهم (3/1497) .

(44) ينظر: شرح ابن بطال (2/548)، إكمال المعلم (3/308، 309)، المفهم (3/1497)، المنهاج (6/424)، شرح الكرماني (6/60، 61)، الفتح (2/564- 566)، عمدة القاري (6/271)، إرشاد الساري (2/641) .

(45) سورة النور، الآية: 31 .

(46)  ينظر: شرح ابن بطال (2/548)، (7/363، 364)، إكمال المعلم (3/309)، المفهم (3/1497)، المنهاج (6/424)، شرح الكرماني (6/61)، فتح الباري (2/566)، عمدة القاري (6/271)، إرشاد الساري (2/641).

(47) القائل هو : أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في ديوانه يمدح المعتصم بالله (ص232) .

(48)  إحيَاء علوم الدين (3/126) .

(49)  سورة النمل، الآية: 65 .

(50)  ينظر: شرح ابن بطال (7/263)، شرح الكرماني (19/109)، الفتح (9/254، 255)، عمـدة القـاري (20/135)، إرشاد السَّاري (11/426)، تحفة الأحوذي (4/179) .

(51)  سورة الجنّ، الآية: 26 ومن الآية: 27 .

(52)  إرشاد الساري (11/426) .

(53)  تحفة الأحوذي (4/180) .