بحث عن بحث

 حديث (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ...)

  عن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ تَعَالَى سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ.

فَقَالَ: « إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي وَإِلاَّ فَلاَ ».

قَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ . قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَضَرَبَتْ بِالدُّفِّ . (1)

السائلة :

هي التي نذرت واسمها سَدِيْسَة الأنصارية مولاة حفصة بنت عمر – رضي الله عنهما - تعدُّ من أهل المدينة (2) ضبطت عند الأكثر (بفتح السين)، ويقال: بالتصغير (بضم السين)(3)

غريبُ الحديثِ :

نَذَرْتُ : النون والذال والراء كلمة تدلُّ على تخويف أو تخوُّف ،و المعنى أنه يَخافُ إذا أخلفَ(4)

النَّذْر : بفتح النُّونِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ هو ما ينذُرُه الإنسانُ على نفسه؛ أي يوجبه ويلتزمه من طاعة [أو غير ذلك]، لسبب مُوجِبٍ له، لا تبرُّعًا (5)وجمعه النُّذُور (6)

من فوائد الحديث :

1/ ضربُ الدُّفِّ ليس مما يعد في باب الطاعات التي تتعلّق بها النذُّور غالبًا، وأحسَن حاله أن يكون من باب اللهو المباح .

غير أنه لمّا اتصل بإظهار الفرح والسرور – لسلامة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدومه من بعض غزواته صالحًا منصورًا مذلاّ الكفار، مُرْغِمًا المنافقين – صار فعله كبعض القُرَب، ولهذا المعنى، ورغبةً منه صلى الله عليه وسلم في وفاء نذرها وإبرار حلفها أذن لها بضرب الدفِّ، والله أعلم (7)

2/ فيه دليلٌ على أن الوفاء بالنذر الذي فيه قربَةٌ واجبٌ، لقوله عليه السلام: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْت فافْعَلِي وَإِلاّ فَلاَ ».

والسرور برجوعه سالمًا من الغزو الذي تهلك فيه الأنفس قربةٌ وطاعةٌ وعبادة مستحبَّة (8)

3/ قال ابن حجر – رحمه الله - : اْختِلفَ في جواز الضرب بالدف في غير النكاح والعيد، ورجّح بعضهم الإباحة والحديث حجة في ذلك، فحملوا إذنه لها في الضرب بالدفّ على أصل الإباحة لا على خصوص الوفاء بالنذر (9). ا.هـ.

4/ تمكين الرسُول صلى الله عليه وسلم للجارية الضَّربَ بالدُّف بين يديه لأنها نذرت به وعدَّت انصراف النبي صلى الله عليه وسلم على حال السلامة نعمة من نعم الله، فانقلب الأمر فيه من المباح إلى المستحب، كما تقرر آنفًا، فلم يكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وحصل الوفاء بنذرها بأدنى ضربٍ، ولما دخل عمر – رضي الله عنه - أمسكت عنه وحمد النبي صلى الله عليه وسلم انتهاءها عمَّا كانت فيه قبل مجيئه (10).

ولم يأمرها أن تستمرَّ فيه، ولم يَدْعُهَا إليه، أو يستنكر امتناعها منه، وما قال لعمر –رضي الله عنه- « دعها » كما أنكر على أبي بكرٍ –رضي الله عنه- حينما انتهر الجاريتين، فقال: «دعهما ».

فالحاصل؛ أنه عليه الصلاة والسلام أقرَّ الجارية السَّوداء على ترك التدفيف، ودلَّ هذا على أن الحالات في ضربه متفاوتةٌ، من حالةٍ تَستدعي الاستمرار وأخرى يكفي فيها تحقيق المقصود بمطلق التسمية((11)

5/ في قول النَّبي صلى الله عليه وسلم : « إنَّ الشيَطان ليَفْرُقُ منكَ يا عُمَر .. » .

فضيلة عظيمة لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه - تقتضي عدم تسلُّط الشيطان عليه بالوسوسة، وأنه محفوظٌ من ذلك فلا سبيل له عليه، وهذا لا يستلزم الحكم بالعصمة لعمر، فإنها من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وواجبة في حقه، وفي غيره ممكنة، ولا يمنع وسوسة الشيطان له بحسب قدرته وخلاصته :

أنه دليل على صلابة عمر في الدين وتحصُّنه بالحق واستمرار حاله على الجدِّ (12)

6/ وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم « إن الشيطان ليفرق منك .. ».

ما معناه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اطّلع على أن الشيطان حضر لمحبته سماع اللهو وما يرجوه من الفتنة، فلما حضر عمر فرَّ الشيطان خوفًا منه لصدعه بالحق .. أو أن الشيطان لم يحضر أصلاً وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً لصورةِ ما صَدر من المرأة المذكورة، وهي إنما شرعت في شيء أصله من اللهو فلما دخل عمر خشيت من مبادرته لكونه لم يعلم بخصوص النذر أو اليمين الذي صدر منها، فشبَّه النبي صلى الله عليه وسلم حالها بحالة الشيطان الذي يخاف من حضور عمر، والشيء بالشيء يذكر. وهذان الجوابان لابن حجر – رحمه الله – (13)

7/ ليس في الرواية السابقة تفضيل عمر علي أبي بكر – رضي الله عنهما - فالصّديق نال درجة الرحمة، والفاروق بلغ درجة الحق، وهما من المبشرين بالجنة، والمقرّبون صنفان :

صنف له نفس كريمة ليّنة وقلب لطيف مشفق، منفرد بالواحد الأحد ذاهل عن ملذات الدنيا، وعلم الله الكريم الرحمان منه ذلك فأرخى عليه، ووسَّع عليه وأمده برحمة وصبر ورفق.

وصنف له نفسٌ صعبةٌ مُلجَمةٌ بالهيبَة، وقلب قوي بالحق، متعلِّق بالعظيم الحكيم سبحانه وتعالى وعلم الله سبحانه منه ذلك فمنحه من قوته وسلطانه ما يستقيم معه حاله .

والحق الحكيم سبحانه يستعمل هذا وذاك في كل أمرٍ، وهما على خير وحق، فكلٌ مشمِّر للطاعات، مسابقٌ للخيرات متطلبٌ رضى ربِّ الأرض والسماوات (14)

 

 


 

(1) رواه أحمد – واللفظ له - (5/356)و (5/353) وفي آخره زيادة: فضربتْ فدخل أبو بكر وهي تضرب ودخل غيره وهي تضرب ثم دخل عمر قال: فجعلت دفَّها خلفها وهي مُقنعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الشيطان ليفرق منك يا عمر، أنا جالس هنا، ودخل هؤلاء، فلما أن دخلتَ فعلتْ ما فعلتْ » .

والترمذي (2032 ح3690)، و ابن حبان في صحيحه (10/231 ح4386) وفيه قالت:

أشرق البدر علينا من ثنيات الوداع                            وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

و له شاهد رواه أبو داود (1470 ح3312) بسنده  عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه : أن امرأةً أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ قال: « أَوفي بنذرك » قالت: إني نذرتُ أن أذبَحَ بمان كذا وكذا – مكانٌ كان يذبحُ فيه أهلُ الجاهلية – قال: « لصنمٍ ؟! ». قالت: لا . قال: « لو ثَنٍ »؟ قالت: لا .قال: « أوفي بنذرِكِ ».

هذا الحديث صحيح، رجال إسناده ثقات ما عدا (حسين بن واقد) وقد حكم الترمذي على حديثه المخرج في المتن بأنه حسن صحيح، ونقله ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (2/442) قال الزيلعي في نصب الراية (3/300): هذا حديث صحيح وقال عمر بن علي الأندلسي في تحفة المحتاج (2/583): رواه ابن حبان في صحيحه بطريق جيدّ . والشاهد: فيه أبو قدامة الحارثُ بن عُبَيْد؛ قال أحمد: مضطرب الحديث، وضعّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ   الجرح والتعديل (3/81)، الكامل (2/188)، الكاشف (1/303)، التقريب (ص147) ..

(2)  الاستيعاب (4/1860)، أسد الغابة (6/139)، الإصابة (7/694) .

(3) إيضاح الإشكال (ص138) .                                                                               

(4) معجم مقاييس اللغة (ص984) .

(5) مشارق الأنوار (2/10، 11) .

(6) ينظر معناه في: لسان العرب (5/200)، مختار الصحاح (ص272)، النهاية في غريب الحديث (5/37، 38) .

(7) ينظر: سنن البيهقي (10/77)، الفتح (11/720)، عون المعبود (9/100). قال ابن قدامة – رحمه الله -: لأن المكلف لو حلف على فعل مباح برَّ بحلفه، فكذلك إذا نذره، لأن النذر كاليمين، وإن شاء تركه وعليه كفَّارة يمين. ا.هـ المغني (10/69) .قال الشوكاني – رحمه الله - : ومن المباح ما يكون مندوبًا بالقصد والنية الصالحة كالنوم في القائلة للتقوي على قيام الليل. نيل الأوطار (9/144) .

(8)  ينظر: سنن البيهقي (10/77)، فتح الباري (11/720)، نيل الأوطار (9/144)، تحفة الأحوذي(10/122) .

(9) الفتح (11/720)، تحفة الأحوذي (10/122)، وينظر: نيل الأوطار (8/271، 272) .

(10) فيض القدير (5/238) .

(11) ينظر: تحفة الأحوذي (10/122) .

(12) ينظر: تحفة الأحوذي (10/123) .

(13) فتح الباري (11/720)، وينظر: فيض القدير (3/12) .

(14) ينظر: نوادر الأصول من أحاديث الرسول (1/230)، (2/32) .