بحث عن بحث

 

 

أحاديث في اللباس والزينة(2-4)

 

يتبع مِنْ فَوائِد الأَحادِيْث :

3/ اختلف أهل العلم – رحمهم الله - في حكم استعمال ما فيه صورة حيوان؛ ولبيان المسألة نحتاج إلى التفصيل.

أ ) ما فيه صورة (ذات روح)، من الثياب والحلي والتُّحف والسُّتور التي تُعلَّق أو تُلْبَس أو تصان .

- مذهب أبي حنيفة – رحمه الله - أن الصورَ المنهيَّ عنها هي المعلَّقةُ في الجدرانِ والثيابِ والسُّتور (1).

وقطع الرأس عن الجسد بخيطٍ مع بقاءِ الرأسِ على حالِهِ لا ينفي الكراهة، لأن من الطيور ما هو مطوّق، ويكون قطعه بمحوه، وطمس الوجه (2)

- وذهب مالك – رحمه الله - إلى كراهية عموم الصور، وكان يكرهها تنزهًا ولا يراها محرمة، ولم يحرم ما كان في الثوب والبيت ولكن ينبغي له أن يتنزه عن ذلك كله ويكرهه، ودخول البيت الذي فيه تصاوير مكروه (3) .

- ومال الشافعي – رحمه الله - إلى الكراهة أيضًا، وما كان على صورة الحيوان على حائطٍ أو سترٍ فهو كالصَّنم، لأنه معظَّم (4)

قال الشافعي: إن رأى صورًا ذوات أرواح لم يدخل المنزل الذي فيه تلك الصور إن كانت منصوبة، وينهاهم (5) .

أما المشهور في مذهب أحمد – رحمه الله -: أنه لا يجوز لبس ما فيه صور الحيوان من الدّواب والطير وغير ذلك، لا يلبسه الرجل ولا المرأة، ولا يعلَّق سترًا فيه صورة وكذلك جميع أنواع اللباس، وهو قول أكثر الأصحاب .

وقال أيضًا إنما يكره من الستر ذي الصورة ما علِّق وما كان نصبًا، وإذا كان تمثالاً منصوبًا يقطع رأسه، والصورة الرأس، والصورة التي على الثياب تكره ولا تحرم، فإن لم يكن لها رأس جاز اللبس.

وقد سئل عن الوليمة إذا رأى على الجدران صورًا ؟

قال: يخرج، فقيل له، فإن كان في الستر؟

فقال: هذا أسهل من أن تكون على الجدران، ولكن إذا رأى هذا وبَّخهم ونهاهم؛ فقد نصَّ على التفريق بين الصور في الثياب، فحرمها في الجدران، وكرهها في الثوب، لما فيه من ابتذالٍ لنفس الصورة، فأشبهت الصورة التي تداس وتوطأ (6) .

واستدُّلوا بعموم الأدلّة في النَّهي عن التَّصوير، وامتناع دخول الملائكة بيتًا فيه صورة، وهتك النبي صلى الله عليه وسلم ما علّق في بيته من الصور. ولما فيه من معنى التعظيم .

* قال الطحاوي – رحمه الله - : لا يختلفون في أن التصاوير في الستور المعلقة مكروه وكذلك ما كان نقشًا في البناء (7) .

وقال النووي – رحمه الله -: اتخاذ ما فيه صورة على حائط أو ثوبٍ ملبوسٍ أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنا حرام، وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين وهو مذهب الثوري ومالك وأبو حنيفة (8) .

ب) ما فيه صورةٌ من الثيابِ والبسطِ والوسَائِدِ والمرافق ونحوها مما يفرش ويوطأ ويمتهن.

- مذهب أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف أن ما يوطأ ويمتهن ويفرش فهو خارج من النهي(9)

- وكان مالك – رحمه الله - لا يرى بأسًا بها في البسط والوسائد، والثياب.

قال ابن عبدالبرِّ – رحمه الله -: كل صورة مرقومة في ثوب، فلا بأس بها على كل حالٍ(10)

- وقال الشافعي – رحمه الله -: إن كانت الصور توطأ فلا بأس، أو ثوبًا مستترًا به فلا بأس، وليس في الستر شيء أكرهه أكثر من السَّرف (11)

- وفي مذهب أحمد – رحمه الله -: جواز افتراش الصور وجعله مخدَّا بلا كراهة، والتصاوير إذا كانت توطأ فلا بأس بالجلوس عليها .

وقال: الصورة التي في الثياب تكره ولا تحرم، وهي في الرقم أيسر وتركها أفضل وأحسن(12)

فالأئمة الأربعة – رحمهم الله - وغيرهم يرون جواز اتخاذ ما يمتهن من الصور ويداس في البسط والوسائد ونحوها (13)

ومال إلى الجواز جماعة من الصحابة والتابعين :

منهم: سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – (14)  .

روى هشام بن عروة عن أبيه: أنَّه يتَّكئُ على المرافق فيها تماثيلُ الطيرِ والرجالِ (15)

وعن ليث قال: رأيت سالم بن عبدالله متكئًا على وسادةٍ حمراءَ فيها تماثيلُ، فقلت له، فقال: إنما يكره هذا لمن ينصبُه ويصنعُهُ (16) .

وعن محمد بن سيرين أنه قال: كانوا لا يرون ما وطئ وبُسِط من التَّصاوير مثل الذي نُصِبَ(17) .

وعن عكرمة قال: كانوا يقولون في التصاوير في البسط والوسائد التي توطأ ذلُّ لها (18)

وقال: لا يرون بأسًا بما وطئت الأقدام (19)

وعن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ (20)

وعن عطاء في التماثيل ما كان مبسوطًا يوطأ ويبسط فلا بأس وما كان ينصب فإنى أكرهه (21)

قال ابن عبدالبر: وهذا أعدل المذاهب وأوسطها وعليه أكثر العلماء (22) وهو قول الثوري (23)

من الأدلة على جواز الصورة المرقومة فيما يمتَهن :

1 – حديث عائشة الوارد في المتن: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزاته، فأخذت نمطًا فستَّرته على الباب  وفي آخره قالت: فقطعنا منه وسادتين وحشوتهما ليفًا فلم يعب عليَّ. ولم تبين عائشة –رضي الله عنها- كيفيةً معيَّنةً لهذا القطع، هل زال معه معنى الصورة أم لا... فيحمل اللفظ على عمومه، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم صنيعها .

2 – الحديث المتفق عليه عن بُسْرِ بن سعيدٍ أن زَيْدَ بن خالدٍ الجُهَنِيَّ حدَّثَهُ، ومع بُسْر عُبَيْدُ اللهِ الخَوْلاَنِيُّ، أن أبا طَلْحَة حَدَّثَهُ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ صُورَةٌ ».

قال بُسْرٌ: فَمرِضَ زَيْدُ بنُ خَالِدٍ، فَعُدْنَاهُ، فإذا نحنُ في بَيْتِهِ بسِتْرٍ فِيْهِ تَصَاوِيرُ، فقلت لعبيداللهِ الخَوْلانِيِّ: ألم يُحَدِّثْنَا في التَصَّاوِيرِ ؟

قال: إنَّه قال: إلاّ رَقْمًا في ثوبٍ، ألم تَسْمَعْهُ؟

قلت: لا، قال: بلى، قد ذكر ذلك(24) .

ومعنى: رقمًا؛ هو: الراء والقاف والميم أصلٌ واحدٌ يدل على خطٍ وكتابة و نقش وما أشبه ذلك(25) و المراد في الحديث ما رسم ونقش من الصور بالخطوط والرسوم والظاهرة على الثياب. وأنها مستثناة من النهي العام (26) .

3 – ما رواه أحمد في مسنده (2/305 ح8031) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان في البيت تمثال رجلٍ وكان في البيت قرام سترٍ فيه تماثيل، فمر برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر يقطع فيجعل منه وسادتان توطآن ومر بالكلب فيخرج، ففعـل رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين - عليهما السلام - تحت نضد لهما (27)

4 – ما رواه أحمد في مسنده (6/247) وهي زيادة على الصحيحين بلفظ: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفرٍ وقد اشتريت نَمَطًا فيه صورة فسترته على سهوة بيتي، فلما دخل كره ما صنعت وقال أتسترين الجُدُرَ يا عائشة ؟

فطرحته فقطعته مرفقين، فقد رأته متكئًا على إحداهما وفيها صورة  .

ورواه ابن حبان في صحيحه (13/165 ح 5854) بسنده عن النضر بن شميل قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق به، بلفظ: « وأمر بالستر الذي فيه التمثال أن يقطع رأس التمثال، وجعل منه وسادتان .. » الحديث .

5 – ما رواه مالك في الموطأ (2/966) عن أبي النضر عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، قال: فوجد عنده سهل بن حنيف، فدعا أبو طلحة إنسانًا فنزع نمطًا من تحته، فقال له سهل بن حنيف: لم تنزعه؟ قال: لأنَّ فيهِ تَصَاوِير، وقد قالَ فيها رسُول الله صلى الله عليه وسلم ما قَدْ عَلِمتَ .

فقال سَهْلٌ: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إلا مَا كَانَ رَقمًا في ثوبٍ؟ ».

قال: بلى، ولكنَّهُ أطيبُ لنَفْسِي. قال ابن العربي: هذا حديث صحيح(28).

وقال ابن حزم – رحمه الله -: فصحَّ أن الصور في الستور مكروهة غير محرمة وفي الوسائد وغير الستور ليست مكروهة الاستخدام (29) .

وقال أبو جعفر – رحمه الله -: ثبت خروج الصور التي في الثياب الموطوءة الممتهنة من الصور المنهي عنها، وثبت أن المنهي عنه الصور التي هي نظير ما يفعله النصارى في كنائسهم من الصور في جدرانها ومن تعليق الثياب المصورة فيها (30) .

قال ابن تيمية – رحمه الله - : جازت في الثوب لأن الصورة تبتذل وتهان فتزول مظنَّة تعظيم الصورة التي امتنعت الملائكة من الدخول لأجله (31) .

وقال: الفرق بين المرقوم في الثوب وغيره أن الصورة على غيره من الأجسام الصلبة تبقى ثابتة منتصبة على هيئة الصورة التي خلقها الله، فتتحقق فيها مفسدة الصور، بخلاف الصورة على الثوب، فإنها تلتوي وتنطوي ويتغير وضعها بطيِّ الثوب ونشره، ولا تبقى على صورة الحيوان الذي خلق الله عز وجل (32)

ويمكن الجمع بين أدلة النهي عن الصور عمومًا وما جاء في المرقوم خاصَّةً على النحو الآتي:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم أولاً عن الصور كلها وإن كانت رقمًا؛ لأنهم كانوا حديثي عهدٍ بعبادة الصور، فنهى عن ذلك جملة، ثم لما تقررَّ نهيه عن ذلك وأمن عليهم تعظيمها أباح ما كان رقمًا في ثوبٍ للضرورة إلى اتخاذ الثياب فيكون كالمخصِّص لحديث عائشة – رضي الله عنها -، وأباح ما يمتهن لأنه يؤمن على الجاهل تعظيم ما يمتهن وتكريمه، وبقي النهي فيما تَرفه ولا يمتهن، وفيما لا حاجة بالناس إلى اتخاذه، وما يبقى مخلَّدًا في مثل الحجر وشبهه من الصور التي لها أجرامٌ وظلٌ؛ لأن في صنيعها التشبه بخلق الله تعالى، وتعظيمها على ما كانت الجاهلية تعظم بعض الصور.

أو يحمل حديث عائشة – رضي الله عنها – على الكراهة، وحديث أبي طلحة على مطلق الجواز، وهو لا ينافي الكراهة (33)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ينظر: شرح معاني الآثار (4/285) .

(2) البحر الرائق (2/31) .

(3) التمهيد (21/196)، التاج والإكليل (4/4)، ذكر النفراوي: من الصور الجائزة: التي لا ظل لها كالمرسومة في الفرش أو الحائط. الفواكه الدواني (2/245)، المغني (7/215) .

(4) المهذب (2/65)، ينظر: روضة الطالبين (7/335)، قال: ومن المنكرات صور الحيوانات على السقوف والجدران والثياب الملبوسة والستور المعلقة، ولو كانت صور الحيوانات مقطوعة الرؤوس فلا بأس على الصحيح. ا. هـ وفتح الوهاب (2/105)، بداية المبتدي (1/20) .

(5) الأم (6/181) .

(6) ينظر: الفروع (1/311)، المبدع (1/378)، الكافي في فقه أحمد (1/116، 117)، شرح العمدة (4/388، 389، 390)، والتمهيد (1/302).

قال ابن تيمية – رحمه الله - : ومن أصحابنا من جعل تعليق الستر المصور حرامًا قولاً واحدًا، وجعل الخلاف في الكراهة أو التحريم في الملابس خاصة، والصواب أن لا فرق بينهما - يعني في التحريم. ا. هـ. ينظر: كشاف القناع (1/279، 280)، المغني (7/215) .

(7) مختصر اختلاف العلماء (4/379) .

(8) المنهاج (14/308)، فتح الباري (10/475)، إرشاد الساري (12/625)، نيل الأوطار (2/98)، تحفة الأحوذي (5/349) .

(9) شرح معاني الآثار (4/285)، قال أبو جعفر: المستثنى من النهي؛ الثياب المبسوطة كهيئة البسط لا ما سواها من الثياب المعلقة والملبوسة وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. شرح معاني الآثار (4/287) .

(10) التمهيد (21/197، 198)، مختصر اختلاف العلماء (4/379)، تحفة الأحوذي (5/349) .

(11) الأم (6/182)، مختصر اختلاف العلماء (4/379) .

(12) كشاف القناع (1/280)، شرح العمدة (4/388، 392)، المبدع (1/378)، الفروع (1/311، 312) المغني (7/215) .

(13) ينظر: التمهيد (21/198)، (16/53)، المنهاج (14/308)، فتح الباري (10/475)، عمدة القاري (12/40)، نيل الأوطار (2/98)، تحفة الأحوذي (8/72)، بلوغ الأماني (17/284).

(14) شرح ابن بطال (9/179) .

(15) رواه ابن أبي شيبة (5/207 ح25288). وابن عبدالبر في التمهيد (21/199).

(16) رواه ابن أبي شيبة (5/207 ح25287). وذكره وابن عبدالبر في التمهيد (21/198) .

(17) رواه أيضًا (الصفحة السابقة ح25289) ، وابن عبدالبر في التمهيد (21/199) .

(18) رواه في (الصفحة السابقة ح25290).

(19) رواه في (5/208 ح25291) و روى ابن عبدالبر الأثرين في التمهيد (21/199) .

(20) رواه في مصنفه (5/208 ح25296) ، ورواه في التمهيد (21/199) .

(21) رواه في الصفحة السابقة (ح25297)، وفي التمهيد (21/199) .

(22) التمهيد (21/199) .

(23) شرح ابن بطال (9/179) .

(24) رواه مسلم – واللفظ له - (1054 ح2106).   والبخاري (505 ح5958). ولم يذكر نفي بسرٍ سماع استثناء الرقم. ورواه في الموضع نفسه تعليقًا.

(25) معجم مقاييس اللغة (ص396) .

(26) لسان العرب (12/249)، مختار الصحاح (ص106)، الفائق (2/78)، النهاية (2/253) .

(27) رواه في مسنده بسند صحيح.

(28) القبس في شرح موطأ ابن أنس (4/347) .

(29) المحلى (9/26) .

(30) شرح معاني الآثار (4/285) .

(31) شرح العمدة (4/393).

(32) شرح العمدة (4/390).

(33) شرح ابن بطال (9/180)، وينظر: إكمال المعلم (6/634) .