بحث عن بحث

 

 

 أحاديث في اللباس والزينة(3-4)

 

 

 

يتبع الخلاف في المسأله :

ج ) ذهب ابن شهاب الزهري – رحمه الله - إلى منع الصور واستعمالِ ما هي فيه، ممتهنةً كانت أو غير ممتهنة، أو كانت بظلِّ أو مرقومة بلا ظلٍّ، في ثوبٍ أو آلة أو حائط وإن قطع رأس الصورة أو فرقت هيئتها جاز (1)

قال النووي – رحمه الله -: وهذا مذهب قويٌّ (2) ، وصحَّحه ابنُ العربيّ(3) .

وقال المباركفوري – رحمه الله -: وهو الأحوط عندي وأعدل الأقوال . (4)  

الأدلـة :

1 – الحديث الوارد في المتن، عن عائشة –رضي الله عنها- أنها اشترت نُمرُقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية .. فشعرت بأنها قد انتهكت شيئًا من حرمات الله التي لا يغضب النبي صلى الله عليه وسلم إلا بسببها، فقدمت التوبة قبل اطّلاعها على الذنب واستحضار سبب المؤاخذة، وهو من حسن أدبها – رضي الله عنها - وبليغ تلطّفها برسول الله صلى الله عليه وسلم (5)  .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « مَا بَالُ هذهِ النُّمْرُقَةَ ؟ ».

وكان الجواب أنها: اشترتها ليقعد النبي صلى الله عليه وسلم عليها ويتوسَّدها، فهي إذن موطوءة ممتهنة!

وبالرغم من ذلك أنكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ختم به الحديث، من حال أصحاب الصور الذين يعذَّبون يومَ القيامةِ، وحرمانِ البيتِ الذي هي فيه من دخول الملائكة –عليهم السلام-.

قال القاضي عياض – رحمه الله -: وهذا الحديث أشد ما جاء في هذا الباب (6) ، يعني في المنع .

قال النووي – رحمه الله -: الأظهر أن امتناع دخول الملائكة البيت الذي فيه صورة عامٌ في كل صورةٍ فيه، لإطلاق الحديث (7) .

وقال بعضهم: إذا ثبت الوعيد لصانعها فهو حاصل لمستعملها، لأنها لم تصنع إلا لتستعمل فالصانع سبب والمستعمل مباشر، فهو أولى (8) .

2- ما رواه أحمد من الزيادة على الصحيحين: «فقد رأته متكئًا على إحداهما وفيها صورة».

وهي في المسند عن عثمان بن عمر بن فارس، أبو محمد البصري، سمع أسامة بن زيد الليثي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق.

وقال ابن حجر: ثقة (9) .

وأسامة بن زيد الليثي أبو زيد مولاهم، روى عن القاسم بن محمد وغيره، قال يحيى بن معين: ثقة، وكذلك العجلي، وقال ابن معين مرة: ليس بحديثه ولا برواياته بأس.

وقال ابن عدي: هو حسن الحديث أرجو أنه لا بأس به .

وقال أبو حاتم: يُكتب حديثهُ ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كان يخطئ، وترك يحيى بن سعيد حديثه بآخرة.

وقال أحمد بن حنبل: ليس بشيء، فراجعه ابنه عبدالله فيه، فقال: إذا تدبّرت حديثه تعرف فيه النُّكرة .

وقال النسائي ليس بالقوي وقال ابن حجر: صدوق يهم (10) .

وعبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، القرشي، وهو الإمام الثبت الفقيه أفضل أهل زمانه، كان حجةً ورعًا فقيه النفس كبير الشأن.

وقال أحمد: هو ثقة ثقة ثقة، قال النووي: اتفقوا على جلالته وإمامته وفضيلته وصلاحه(11) .

أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر الصِّديق كانت في حجر عائشة وروت عنها، وروى عنها عبدالرحمن بن القاسم، ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: مقبولة (12)

فالحاصل.. أن هذه الزيادة من الصدوق الذي يهم وهو (أسامة بن زيد الليثي)، زيادةٌ شاذةٌ على الحديث المتفق عليه، الذي يترجَّح تقديمه عليها .

3 – حديث « الرقم » الوارد في استثناء النهي أجيب عنه بما يلي :

* أنه محمول على الرسوم المنقوشة على صورة الشجر ورحال الإبل، ونحوها مما ليس بحيوان وهذا جائز(13)- وهو توجيه بعيد -.

* قال ابن تيمية – رحمه الله -: حديث أبي طلحة (في الرقم) الأشبه - والله أعلم - أن الاستثناء فيه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن البخاري ومسلم روياه عن أبي طلحة بلفظ: « لا تَدْخُلُ الملائِكَة بَيْتًا فِيهِ كلبٌ ولا صورةٌ »، وفي رواية : « ولا تماثيل ».

ولو كان أبو طلحة قد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إلا رقمًا في ثوب » لما جاز له أن يروي اللفظ العام دون ما استثنى منه ولو رواه كذلك لحفظه عنه ابن عباسٍ وغيره .

وما رواه زيد بن خالد الجهني عن عبيدالله الخولاني حينما سأله عن الستر المصور عند أبي طلحة .. فقال إلا رقمًا في ثوب .. خفض بها صوته. قال ابن تيمية: فلعله قالها من عنده ولم يرفعها في حديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما يدرج المحدث في حديثه زيادة يحسب المستمع أنها مسوقةٌ عمن حدّث عنه .

ثم قال: وإن كانت هذه الزيادة محفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بها والله أعلم ما رقم من الصور التي لا روح فيها، أو كان ما يوطأ ويداس من الثياب (14) .

وهذا هو الراجح الصحيح لأنها زيادة مرفوعة متفقٌ عليها، ولا يلزم أن يكون الاستثناء في نفس الدليل .

* إذا كان الأصل في التصوير أنه محرم بالاتفاق وليس في الحديث إلا استثناء ما يوجب التحريم، فيكون الحكم فيه الكراهة، جمعًا بين الأحاديث (15)

4 – ما تأوله بعضهم من اتخاذ القرام وسائد لا دلالة فيه على اشتمالها صورة، إذ لعلّه في هتك النبي صلى الله عليه وسلم الستر انقطع، وتفرقت صورته وانقسمت أشكالها، فلم يبق منها في وسادة صورة كاملة تامة .

قال القاضي عياض – رحمه الله -: وإذا كان هذا، لم يكن في الحديث حجة في جواز اتخاذ الصور فيما يمتهن (16)  .

وقال بعض العلماء: إذا قطع رأس الصورة صار تغييرًا لها ويباح اتخاذها حينئذٍ (17) ، لأن سائر الأعضاء أبعاض الحيوان ففي إبقائها إبقاء لبعض الصورة؛ لكن لما كان الحيوان لا تبقى فيه حياة بدون الرأس كان بمنزلة الشجر فزال عنه التحريم (18)  .

وعن ابن عباس قال: « الصورة الرأس فإذا قطع الرأس فليس بصورة » (19) . ولأن الصور لا تعبد ولا تعظم بدون الرأس عادةً (20) .

وحديث أحمد: « اقطع رؤوسها واجعلها وسائد»، وحديث: «أن لا تدع صورة إلا طمستها »، فلم يكره إلا الصورة لأن النهي إنما جاء فيها خاصة (21)

د ) ذهبت طائفة من العلماء إلى أن المكروه من التصاوير ما كان في حيطان البيوت أو ماله ظل وأما ما كان رقمًا في ثوب فهو جائز، سواء كان الثوب منصوبًا معلقًا أو مبسوطًا وبه قال القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة، وخالفَ حديثَه عن عائشة (رضي الله عنها)  ! (22) .

الأدلـة :

1 – معنى العموم في حديث: « إلا رقمًا في ثوب ».

قال ابن حجر – رحمه الله -: هذا اللفظ أعمُّ من أن يكون معلقًا أو مفروشًا (23)

فكلُّ صورةٍ مرقومةٍ في ثوبٍ فلا بأس بها على كل حالٍ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثنى الرقم في الثوب، ولم يخصَّ من ذلك شيئًا ولا نوعًا (24)

2 – الحديث الأول الوارد في المتن: كان لنا ستر فيه تمثال طيرٍ مستقبل باب البيت.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «حوِّليه فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا ».

ففي هذا الحديث لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم الستر، ولم يأمر عائشة بفساد تمثال الطير الذي كان في الستر، ولكنه أمر بتنحيته عن موضعه الذي كان معلّقًا فيه، من أجل كراهيته لرؤيته إياه، لما يذكِّر من الدنيا وزينتها، وفي قوله: « فَإنِّى كُلمَّا رَأَيْتُهُ ذكرتُ الدُّنْيَا ».

دليل بيّنٌ على أنه كان يدخل البيت الذي ذلك فيه فيراه، ولا ينهى عائشة عن اتخاذه، للفرق بين ما كان علمًا في ثوبٍ وما كان تمثالاً ممثلاً قائمًا بنفسه (25)

وقال ابن حزم – رحمه الله -: المعلق من الثياب التي فيها الصور مكروه، ليس حرامًا ولكن من تركها أُجِرَ، وهتكُ الستر لعائشة اختيار منه للأفضل لها ! (26)

ولذلك استدركت عائشة – رضي الله عنها - على أبي طلحة في الحديث  السابق في المتن، سبب هتك الستر وهو : « أن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين ».

قال البيهقي – رحمه الله -: فهذه العبارة تدل على كراهة ستر الجدار،وفي بعض ألفاظه بسبب الصورة. ا. هـ وهو أقوى أسباب الهتك، أو أنه محمول على ما كان قبل التحريم. وقال غيره: وليس في السياق ما يدل على التحريم من ستر الجدران، وإنما فيه نفي الأمر لذلك، ونفي الأمر لا يستلزم ثبوت النهي (27)

والحاصل .. أن القاسم بن محمد وهو أفضل أهل زمانه، وهو الذي روى حديث «النمرقة»  فلولا أنه فهم الرخصة في الصورة مثل الحجلة ما استجاز استعمالها .. لكن الجمع بين الأحاديث الواردة في الصور يدل على أنه مذهب مرجوح والمرخَّص ما كان ممتهنًا لا ما كان منصوبًا معلقًا (28) .

قال ابن العربي – رحمه الله -: حاصل ما في اتخاذ الصورة أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع .

وإن كانت رقمًا فأربعة أقوال : الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، حتى الرقم، والتفصيل فإن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل منع، وإن قطع الرأس وتفرقت الأجزاء جاز وهذا هو الأصح.

ورجحه ابن عبدالبر وهو أعدل المذاهب وعليه أكثر العلماء .

والرابع : إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقًا فلا (29)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ينظر: شرح معاني الآثار (4/283)، التمهيد (21/195)، (16/51)، إكمال المعلم (6/634)، المنهاج  (14/308)، إرشاد الساري (12/624) .

(2) المنهاج (14/308) .

(3) قال: ما ورد مما صح في باب الصور متعارضٌ، لم يعرف المتقدم من المتأخر، فوجب أن ينظر فيه، والذي يستقر الآن عندي: أنه إذا فصِّل وقطّع جاز بلا كلام، وإن كان رقمًا ولم يكن مجسدًا ففيه إشكال، أقواه أنه يجوز، لأنه نص في الإباحة بعد التحريم. ا. هـ. من القبس في شرح موطأ ابن أنس، (4/347)، وينظر الفتح (10/480).

(4) تحفة الأحوذي (5/350)

(5) ينظر: فتح الباري (10/477)، إرشاد الساري (12/629)، شرح الزرقاني (4/470) .

(6) إكمال المعلم (6/639) .

(7) المنهاج (14/310)، إرشاد الساري (12/629)، عون المعبود (11/139)، الديباج (5/146)، الفواكه الدواني (2/345).

(8) فيض القدير (2/325).

(9) الجرح والتعديل (6/159)، الثقات (8/451)، التقريب (ص385).

(10)  التاريخ الكبير (2/22)، الجرح والتعديل (2/284)، معرفة الثقات (1/216)، الثقات (6/74)، الكامل في ضعفاء الرجال (1/394)، ميزان الاعتدال (1/323)، الكاشف (1/232)، التقريب (ص98).

(11) التاريخ الكبير (5/339)، تهذيب الأسماء (1/282)، سير أعلام النبلاء (6/5).

(12) الثقات (4/63)، تهذيب الكمال (35/126)، التقريب (ص743) .

(13) المنهاج (14/ 311)، عون المعبود (11/141)، تحفة الأحوذي (5/351) .

(14) شرح العمدة (4/394، 395، 396) .

(15) شرح العمدة (4/389) .

(16) إكمال المعلم (6/639)، وينظر التمهيد (21/198)، المنهاج (14/626)، إرشاد الساري (12/626).

(17) إكمال المعلم (6/639)، وينظر: التمهيد (16/53)، معالم السنن (4/389) .

(18) شرح العمدة (4/397)، وينظر: المبدع (1/378)، الفروع (1/311) .

(19) رواه الخلال وأبو حفص، شرح العمدة (4/398)، وروى الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/287) بسنده عن أبي هريرة مثله .

(20) البحر الرائق (2/30) .

(21) شرح العمدة (4/398) .

(22) قال النووي: وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي هتكه النبي صلى الله عليه وسلم لا يشك أحد أنه بلا ظل .

ينظر: شرح ابن بطال (9/179)، إكمال المعلم (7/635)، المنهاج (14/308)، فتح الباري (10/475) نيل الأوطار (2/98)، تحفة الأحوذي (5/350).

(23) فتح الباري (10/475) .

(24) التمهيد (21/197) .روى ابن أبي شيبة في مسنده (5/208) عن ابن عون قال: دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته قال: فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس والعنقاء.

قال ابن حجر – رحمه الله - : إسناده صحيح. الفتح (10/475) .

(25) شرح ابن بطال (9/182)، وينظر: إكمال المعلم (6/636 ، 637) .

(26) الإحكام لابن حزم (4/460) .

(27) فتح الباري (9/311) وهو الصحيح، لأنه منعُ كراهةٍ تنزيهٍ لا تحريم. ا. هـ، المنهاج (14/186)، نيل الأوطار (6/333)، عون المعبود (11/140)، قال أبو الطيب – رحمه الله - : التصوير وكسوة الجدار كلاهما أمران منكران أنكر عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(28) ينظر: فتح الباري (10/475) .

(29) عارضة الأحوذي (7/253)، وينظر: فتح الباري (10/478)، إرشاد الساري (12/627)، شرح الزرقاني (4/469) .