بحث عن بحث

 

 

 حديث (إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ..)

 

 

عن أبي عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ:" إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ".

ودَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ . فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ ؟

فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ ؟

فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَلَيَّنْتُهُ فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ - يَشُكُّ عُمَرُ - فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاء فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ».

ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ : « فِي الرَّفِيقِ الأْعْلَى » حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ .(1)  

غريب الحديث:

سَحْرِي: السين والحاء والراء أصول ثلاثة متباينة، أحدها – وهو المراد في الحديث – عضْوٌ من الأعضاء وهو ما لَصِقَ بالحُلقوم والمريء من أعلى البطن، ويقال بل هي الرئة أو سواد القلب ونواحيه، ويقال منه للجبان: انتفخ سَحرُه، إذا ارتفع القلب إلى الحلقوم من شدة الخوف، ويسمى السُّحْرِ، والسَّحْر والسَّحَر وجمعه أسْحَارٌ (2)

نَحري: النحر هو الترقوة أعلى الصَّدر، في موضع القلادة منه والجمع نُحُورٌ (3)  .

رَكْوَةٌ: (بفتح أوله وسكون ثانية وفتح الواو) وعاءُ الشيء (4)

و الرِّكْوةُ: إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ يجمع فيه الماء وغيره وقيل هي للماء خاصة ، للشرب أو الوضوء، والجمع رَكَوَاتٍ بالتحريك: وركَاءٌ(5).

عُلبَة: العلبة هي جِلدة تؤخذُ من جنب جلد البعير إذا سلخ، فتسوّى مستديرة، ثم تملأ رَمْلاً سهلاً، ثم تضمّ أطرافها وتوكى بحبل وتترك حتى تجف وتيبس ثم يقطع رأسها تشبه قصعةً مدوَّرة كأنها نحتت نحتًا.

يستعملها الراعي والبدوي فيحلب فيها ويشرب ، وقيل هي قدحٌ من خشبٍ، والجمع عُلَبٌ وعِلابٌ (6) .

من فوائد الحديث:

1/ عند تدبُّر معاني الحديث، وتأمُّل دلالاته الشريفة نلمح آيةً عظيمة من آيات الحكيم سبحانه التي امتنَّ بها على نبيِّه وسائر عباده فقال تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (7) .

إنها مشاعرُ المودَّة والرحمةِ التي لا تستوعبها نزوةُ الشهوةِ الجامحة، أو حاجةُ الجسد المحضة فحسب!.

بل تُجَاوِزُ ذلك لتَتَغشَّى هذين الخليلين، وتجعل في التقائهما اتحادَ قلبين وروحين ونفسين  علاقتُهما وثيقةُ العرى، متينة الأواصر، وافرة الآمال .. وارفة الظِّلال .

فلا غرو أن تفخر الحبيبة الصديقة - رضي الله عنها – التي عرفت حبّه لها - بهذه النعمة السابغة، الخالصة لها من دون الناس ... فتسكب عاطر الذكريات ... في هذه الكلمات: «إنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَليَّ أنَّ رَسُولَ الله  صلى الله عليه وسلم  تُوفِّيَ في بَيْتي، وَفي يَومي، وَبين سَحْري ونَحْريْ، وَأنَّ الله جَمَعَ بَينَ رِيقي وَرِيقِهِ عندْ مَوتِه ».

2/ يتجلَّى من سياق الحديث الشريف حاجةُ الزوج إلى العاطفة الجيَّاشة والحنان الغامر والحضن الدافئ... وأثرُ هذه المشاعر في سكون النفس وراحة البال، وهدوء الأعصاب وسعادة الحياة.

لقد أدركت الصديقة عائشة - رضي الله عنها - هذا الجانب المهم في حياتها الزوجية ..

فطفقت تروِّي الحبيب صلى الله عليه وسلم  من ودِّها النَّديّ وأشواقها الحارَّة ودلالها الأخَّاذ..

حتى إذا حاصرته مشاعر الضعف والأسى، وتزاحمت عليه هموم المرض والبلاء، واقتربت لحظات الفراق العصيبة الحاسمة نراها اصطفته لنفسها، وآوته إلى حضنها مُسنَدًا إلى صدرها بترفّق ولطف .. !.

فكان سيِّد المرسلين « بين سَحْرِها ونَحْرِها » في أهنأ مكان .. محاطًا بالرعاية والحنان .. وفؤاده الكسير أقرب ما يكون إلى قلبها، وأنفاسه المضطربة قد خالطت أنفاسها ، في تعانق حسِّي ومعنويٍّ لا مثيل له ...!.

إنِّها بحسِّها المرهف وشعورها الحيِّ ترقب باهتمام بالغ حركات الحبيب صلى الله عليه وسلم  وسكناته ... بل .. وإيماءاته، وتعي بقلبها المشفق نظرات عينيه!.

فتقرأ فيهما رغبته في تطييب فيه ... فتمنحه السواك بلهفة .. وترى في مقلتيه استياءه من شدَّته، وضعفه عن الاستياك فتهتف بسؤالها الحنون «أليِّنه لك ؟ » ويجيبها بإشارة مُنهكةٍ، فلا تلبث أن تقضمه وتُلَيِّنَه وتمضغه وتدفعه إليه، فيستاك به كأحسن السواك ويودِّعها رضيَّا ... هنيًّا.. طابَتْ نَفْسُهُ .. وطَابَ نَفَسُه !.

3/ قال ابن بطال – رحمه الله -: مُرِّض النبي صلى الله عليه وسلم  في بيت عائشة لأنها كانت أرفق به وألطف بتمريضه ولحبِّه لها (8)

4/ هذا الحديث دليل على تأكّد استحباب السّواك وتعاهده خاصّة في الأوقات التي يلاقي فيها العبد ربه لأنه صلى الله عليه وسلم  لم يدعه مع ما هو فيه من شاغل المرض ودنوِّ الأجل (9) .

5/ وفيه جواز استعمال سواك الآخر بعد تطييبه وطهارة ريق ابن آدم (10)  وقد ترجم البخاري لهذا الحديث: باب من تسوّك بسواك غيره.

6/ قال النووي - رحمه الله -: الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد «بالرفيق الأعلى» الأنبياء الساكنون أعلى علِّييِّن ولفظة رفيق تطلق على الواحد والجمع (11) ورجحه ابن حجر وقال هو المعتمد وعليه اقتصر أكثر الشرَّاح (12)  .

قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً )(13)  .

وقيل معنى الرَّفيق الأعلى هو الله عز وجل، لأنه من صفاته وأسمائه كما في الحديث: « إنَّ الله رَفَيْقٌ يُحبُّ الرِّفْقَ » (14) ويحتمل أن يراد به روح القدس - عليه السلام - وقيل غير ذلك(15)

7/ قال ابن القيم – رحمه الله - :

الأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها، وروح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  في الرفيق الأعلى في أعلى عليِّين ولها اتصال ببدنه بحيث إذا سلم المسلم على الميت ردّ الله عليه روحه إلى القبر فترد السلام وتسمع الكلام (16) .

8/ الحياة الطيِّبة للمؤمن هي بعد مفارقة روحه بدنَه وخلاصِها من هذا السجن وضيقه، إلى الفضاء الرَّحب والرَّوح والراحة والريحان. قال تعالى:( فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) (17) .

ويكفي في طيب هذه الحياة مرافقة الرفيق الأعلى ومفارقة الرفيق الأدنى المؤذي المنكّد الذي تنغِّصُ رؤيته ومشاهدته الحياة فضلاً عن مخالطته وعشرته قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً ) (18)  وهذه المعية ثابتة في الدنيا ودار البرزخ ودار الجزاء والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاثة (19)  .

 

 


(1) متفق عليه ، رواه البخاري (365ح 4449) و  (365ح 4451)  نحوه وفي آخر: « فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ مُسْتَنًّا ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا فَسَقَطَتْ يَدُهُ أَوْ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الدُّنْيَا وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الْآخِرَةِ ».

و (364 ح 4438) وفيه: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم  وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبدالرحمن سواك رطب يستنُّ به، فأبدَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم  بصره، فأخذت السِّواك فقضمته ونفضته وطيَّبته ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فاستنَّ به، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  استن استنانًا قطُّ أحسَن منه » وفي آخر الحديث: وكانت تقول: مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي.

ورواه مسلم (1106ح 2444) .

(2) معجم مقاييس اللغة (ص485)، لسان العرب (4/348)، مختار الصحاح (ص122)، الغريب لابن سلام (4/322)، الغريب للخطابي (1/398)، الفائق (2/162)، النهاية (2/346).

(3) معجم مقاييس اللغة (ص979)، لسان العرب (5/195)، مختار الصحاح (ص270)، النهاية (5/26).

(4) معجم مقاييس اللغة (ص398).

(5) لسان العرب (14/333)، مختار الصحاح ص (107)، النهاية (2/261).

(6) لسان العرب (1/628).

(7) سورة الروم، الآية: 21.و ينظر في تفسير الآية ومعانيها من كتاب: في ظلال القرآن.

(8) شرح ابن بطال (7/344)، قال ابن حجر – رحمه الله -: يؤخذ منه العمل بالإشارة عند الحاجة إليها، وقوة فطنة عائشة، الفتح (8/175).

(9) ينظر : فتح الباري (2/479).

(10) ينظر: شرح ابن بطال (2/487).

(11) المنهاج (15/204).

(12) فتح الباري (8/174).

(13) سورة النساء، الآية: 69 .

(14) متفق عليه ، تقدم تخريجه.

(15) ينظر: إكمال المعلم (7/452)، إرشاد الساري (9/404).

(16) الروح (ص17).

(17) سورة الواقعة، الآيتين: 88، 89.

(18) سورة النساء، الآية : 69.

(19) ينظر: مدارج السالكين (3/274)، الروح (ص101).