بحث عن بحث

 

 

 الآدابُ النبويةُ للسائلة (1-7)

  

 

 

مدخـــــــــل

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه  وبعد:

في صدر الإسلام نشأت مدرسة العلم الأولى وتألَّقت على يد مؤسِّسها سَيِّد المرسلين، وقدوة العالمين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

لقد بناها روضـةً زاهيةً بالعلم زاكية بالحكمة، معينهـا الكتاب والسنـة، قال تعالى:( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (1)  .

غايتها العظمى؛ إنقاذ الناس من غياهب الجهل، ودياجير الضَّلال إلى سبيل الهدى والنور وصراط الله المستقيم، قال تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (2) مدادُ روّادهَا الصبرُ واليقينُ في مراحل التعلُّم والتعليم والتَّحمُّل والبلاغ، قال تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (3) .

وثمرتها المأمولة هي الغنيمة الأبديَّة والسَّعادة السَّرمدية في جنان الرحمن والفوز بالرضوان.

قال تعالى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ  )(4) .

لقد علم الحكيم سبحانه حاجة العباد إلى تلك الهداية والنور، والنهل من المعين النقي والمنبع الصافي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأودع في فطرهم مفتاح العلم والحكمة حيث جعل من طبيعة الإنسان حبُّ السؤال عمّا يجهل والبحث عما يفيد، واستطلاع المعرفة، واستجلاء الحقيقة.

ودعى الباري سبحانه إلى التزوُّد من ذوي العلم والبصيرة حين تخفى الأحكام، وتجهل شرائع الإسـلام فقــال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً  )  (5) .

في مدرسة العلم والإيمان اعتنى المربِّي - عليه الصلاة والسلام - بتأسيس الشخصية العلميَّة الفذَّة في نفوس أصحابه - رضي الله عنهم -، فصاغهم نمطًا فريدًا تسري في دمائهم لذَّة العلم والفهم، ويلتحم بآمالهم حبُّ الهداية والإصلاح، والتمثُّل بالأخلاق الكريمة والآداب الرفيعة.

« لقد اتَّبع صلى الله عليه وسلم في هذا التأسيس أسلوبًا جديدًا في التربية والتعليم يقوم على المفاتحة والمناقشة والمكاشفة على ما يقتضيه الأدب النبوي في النقد والحوار والمراجعة » (6) .

واعتبر السؤال شفاء العيِّ، ومنفذ العلم والمعرفة، فأتاح للصحابة الكرام ومن وراءهم من الأمة، أن يستفتوا فيما احتاجوا إليه وجهلوا حكمه سؤال تفقُّه لا تعنُّت.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سلوني، فهابوه أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: لا تشرك بالله شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان .. وفي آخره: قال: « هذا جبريل أراد أن تعلَّموا إذا لم تسألوا »(7) . وفي رواية: « هذا جبريل جاء يعلِّم الناس دينهم »(8) .

في قوله: « أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا » .

تحفيز لأصحابه واستثارة هَّمتهم لطرح التساؤلات الحسنة في مواطنها النافعة، ليجنى منها المزيد من العلم والفائدة وتمثّل لهم ذلك في صورة حيَّة يرونها ويلمسون آثارها وهـي مجيء الملك جبريل - عليه السلام - في هيئة طالب العلم وطرح مسألته النافعة وفي الترغيب على السـؤال عما جهله المكلف مـن مهمّات الدين وأحكامه فتحٌ لباب التعلّم المستمر الذي لا حدّ له.

وفي هيبة أصحابه - رضي الله عنهم - أن يسألوه، إطلالةٌ مشرقة على الأدب النبوي الكريم الذي تربَّى عليه الصحابة، فكان من سمتهم توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيم مسألته خشية الوقوع في السؤال المكروه المنهي عنه لكثرته أو رداءته وسوئه.

قال ابن المنير – رحمه الله - : في قوله: « يعلَّم الناس دينهم ». دلالة على أن السؤال الحسن يسمَّى علمًا وتعليمًا لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - لم يصدر منه سوى السؤال ومع ذلك فقد سمَّاه معلِّمًا، وقد اشتهر قولهم، حسن السؤال نصف العلم، ويمكن أن يؤخذ هذا من الحديث، لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معًا (9) .

وفيه أيضًا سؤال العالم العالمِ عمَّا لا يجهله السائل ليعلمه السامعون (10)

ومما يكره في السؤال إرساله عاريًا من الأدب الحسن، فيحرم السائل ثمرته من العلم النافع والهداية للخير.

ولا يسأل عن شيء في غير موضعه، إلا لحاجةٍ أو علم بإيثار الشيخ ذلك(11)

وأما السؤال الذي لا يراد منه تحصيل الحقيقة، والتزوّد من العلم فهو السؤال المنهي عنه، لصدوره من المختبر المتحدّي عن ريبة وشكٍّ ومكابرة وعناد، أو من المتعجّب المستغرب عن إهانة واستهتار .

 وهدفه إثارة الشُّبه، وتعجيز الشيخ، واستفزازه وإحراجه .

وهناك أمور تركها الله سبحانه مجملة لا ضير على الناس في تركها هكذا كما أرادها الله بلا بحث واستفسار .

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ )  (12)

فنهى الله عز وجل المؤمنين أن يسألوا عن أشياء يسوؤهم الكشف عنها، لأن السؤال في عهد النبوة وفترة نزول القرآن قد يجعل الإجابة متعيّنة، تسوء بعضهم وتشقُّ عليهم، وعلى من بعدهم .

وأنذرهم بما يترتب عليها من تكاليف عفا الله عنها فتركها ولم يفرضها ليكون في الإجمال سعة وتيسير (13)

ولقد امتثل النساء في عهد النبوة هذا الأدب الرباني الرفيع في السُّؤال والتفقُّه، وتشربن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم حبَّ طلب العلم والتخلّق بآداب الفتوى، وسنقف فيما يلي من الصفحات على تلك الآداب التي تحلين بها لنقتفي خطاهن ونمتثل هديهن .


(1) سورة البقرة، من الآية: 129.

(2) سورة المائدة، الآية: 16.

(3) سورة السجدة، الآية: 24.

(4) سورة التوبة، الآيتان: 21، 22.

(5) سورة الفرقان، من الآية: 59.

(6) ينظر: كتاب حول التربية والتعليم ص (74).

(7) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، (682ح 10) .

(8) رواه البخاري (6ح 50) ورواه مسلم (681ح 9).

(9) فتح الباري (1/167).

(10) شرح ابن بطال (1/115).

(11) تذكرة السامع والمتكلم، (ص215).

(12) سورة المائدة، الآية: 101 .

(13) ينظر في ظلال القرآن .