بحث عن بحث

 

 

الآدابُ النبويةُ للسائلة (2-7)

 

 

 

1 / تحري الأوقات المناسبة للسؤال :

إن ميراث النبوة الذي انتفع به المفتي وتفقه عليه وجعل يزجيه لمن يستفتيه من خاصة وعامّة، ورجل وامرأة، وجليل وحقير يقتضي أن يرخي الناس عليه آداب الاحترام والتقدير والتبجيل، فلا تنتهك خلوات غفلته وراحته بهجمة سؤال عابر، فيسأل في ساعة السكون والنوم، أو لدى الانشغال والتكدرّ .

وحينئذٍ يكون الذهن خاملاً أو مشوَّشًا يعزُّ عليه فهم المسألة، واستدعاء الأدلة، واستنباط الحكم والمقايسة، ونحو ذلك مما يحتاجه المفتي لبيان الحقِّ ، و من تلك الأوقات و الأحوال التي يحسن تحاشي السؤال فيها :

أ) أوقات النوم والراحة

ومن صور ذلك :

دخول أبي بكر الصّديق - رضي الله عنه - على عائشة - رضي الله عنها - وعندها جاريتان تغنيِّان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مغشٍّ وجهه مدير ظهره، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان؟‍‍‍‍وانتهرهما.. قالت عائشة: فأمرتهما فخرجتا، ولم يسألا النبي صلى الله عليه وسلم.

رعايةً لميقات راحته، وعنايةً بنومه وهجعته، وحماية لجنابه الكريم أن يتسلَّل إليه ما يؤذي ولو كان سؤالاً يسيرًا.

وعندما تاهت قلادة عائشة - رضي الله عنها - ودبَّ القلق في أنحاء معسكر الصحابـة -رضي الله عنهم - وجاء أبو بكر - رضي الله عنه - فجعل يلهزها، ويقول ما شاء الله أن يقول، تتحمل ما نالها من الالآم المبرِّحة، الحسيَّة والمعنويَّة، ولا يمنعها من الفرار أو الشكوى إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ونومه على فخذها .

حقًا .. ما أعذب ما تعاني من العذاب، وما أطيب ما تسمع من الانتهار والسِّباب، ما دام الحبيب عليه الصلاة والسلام هادئًا، مطمئنًا، مستغرقًا في سباتٍ عميق.

ب) أوقات تكدّر الخاطر وتعكّر المزاج

مثاله :

قول عائشة - رضي الله عنها - لما رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم طيب نفس، قلت: يا رسول الله ادعُ الله لي...

لعلَّ أسمح الأوقات، وأنفع المواطن لاستدرار علم المفتي، وانبعاث فوائده، هي لحظات الصفاء الهانئة التي يعتدل فيها المزاج، ويرتاح البال، ويلذُّ للفكر البحث والنظر والتأمل...

وها هي عائشة - رضي الله عنها – على صغر سنِّها – تستشف هذا المعنى الدقيق، فالتقطت أطيب الأوقات المواتية لانشراح صدر النبي صلى الله عليه وسلم وطيب نفسه، وسألته حينها – برفق – أن يدعو لها.

فما كان منه – عليه الصلاة والسلام – إلا أن حقق سُؤلها، ودعى لها بخير الدنيا والآخرة.

ولقد تمثَّلت - رضي الله عنها - غاية الأدب في استشعار هذا المعنى الجليل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حادثة الإفك ، التي آذت بيت النبوة، وزلزلت أركان الصحابة، وعصفت بكيان ذلك المجتمع النظيف، النَّـزيه، الطاهر.

وبالرغم من قولة السوء الرائجة التي تكاد تخنق أنفاسها الزكية.

وبالرغم من نظرات الشَّكِّ والريبة التي تُداهم مشاعرها العفيفة.. وتهتك إحساسها النقيّ..

وبالرغم من لهيب الأسى والحسرة والذهول الذي تلظّى به أبواها المسنّان..

بالرغم من ذلك كله.. نراها - رضي الله عنها - تُؤْثِرُ الإعراض عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة هذا الأمر، وتفاصيل ما حدث.. وتهرع إلى بيت أبويها، لعلمها بانزعاج الحبيب صلى الله عليه وسلم، وتأثره البليغ مما فشى بين الناس، وذاع، حتى طفح الحزن على قسمات وجهه وخلجات جنانه.

ج) اغتنام الوقت المناسب للسؤال

لقد أنس الصحابة - رضي الله عنهم - أهمية انتقاء الأوقات الملائمة للسؤال والفتوى، والطلب.

فكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لحفصــة - رضي الله عنها -: إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس فسليه عن الآيــة: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  )(1)(2)   .

وقال أبو بكر الصديق لعائشة – رضي الله عنهما - : إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس فاذكري له أني ذكرت فاطمة، لعلّ الله أن ييسرها لي(3) .


(1) رواه ابن كثير في تفسيره (1/562) معلقًا على عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن الشيباني عن عمرو بن مرَّة عن سعيد بن المسيب أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة؟ قال: فأنزل الله (يستفتونك) الآية، فكأن عمر لم يفهم فقال لحفصة إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس » الحديث وهذا إسناد ضعيف للانقطاع الظاهر بين المصنف وابن أبي شيبة - رحمه الله - .

(2) سورة النساء، من الآية: 176.

(3) رواه البزار (مجمع الزوائد 9/207) وفيه محمد بن ثابت ابن أسلم، وهو ضعيف.وقال البخاري: فيه نظر.

التاريخ الكبير (1/50)، ضعفاء العقيلي (4/39)، التقريب (ص470).