بحث عن بحث

 

 

 الآدابُ النبويةُ للسائلة (5-7)

 

 

8/ عدم المراجعة في الحكم إلا لحاجة

الأصل فيمن استفتى أهل العلم وظهر له الحق وتبين له الهدى، وجوب اتباعه ولزومه والمبادرة إلى العمل به.

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً  )(1)

وقد عاتب النبي صلى الله عليه وسلم  في مرضه بعض أزواجه لتأخرهن في إنفاذ أمره ومراجعتهن فيه وهو استخلاف أبي بكر في إمامة الصلاة فقال مغاضبًا « إنكن صواحب يوسف؟! ».

ويستثنى من هذا الأصل وجود الحاجة ولها حالان:

·  أحدهما: المراجعة لعدم فهم المراد، أو لشبهة تعترض المعنى فتمنع من تصوره وإدراك حقيقته، فتجوز المراجعة بلا تكلف وتعنت لمزيد من البيان والإيضاح للحكم الشرعي.

مثاله:

قول عائشة - رضي الله عنها - بعدما قبل النبي صلى الله عليه وسلم  هدية أم حفيد –: أما كنت نهيت عن طعام الأعراب؟.

وعندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم  عائشة - رضي الله عنها - أن تأذن لأفلح عمها من الرضاعة قالت: إنما أرضعتني المرأة وليس الرجل.

لقد أبان النبي صلى الله عليه وسلم  لها الفتوى وهداها إلى الحق بسماحة ورضى بلا لوم أو تعنيف أو تضجر من المراجعة في العلم.

الثاني: المراجعة رغبة في التزوُّد من الخير.

وهذه المصلحة الشرعية لا تتأتى إلا في عهد النبوة لتنزّل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم  والحكم بين الناس بشرع الله تعالى.

قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً  )(2)

ومنـزلة الرسالة وتفويض الأحكام لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم  لا تنبغي لأحد من بعده من الناس حتى تقوم الساعة، وقد كمل في زمنه الدين وتمتّ نعمه الإسلام، وثبتت الأحكام.

ومن أمثلة المراجعات الجائزة:

حديث: «ما من امرأةٍ منكن يموت لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها سترًا من النار... » فرغبت النساء في مزيد من الخير والأجر، فقالت امرأة منهن: أو اثنين؟! فقال صلى الله عليه وسلم : « أو اثنين».

وحديث أم سلمة في ذيول النساء. قال النبي صلى الله عليه وسلم : « يرخينه شبرًا ». فتاقت - رضي الله عنها - إلى المبالغة في الاحتشام والستر فراجعت النبي صلى الله عليه وسلم  ليزيدهن على الشبر، بقولها: إذًا تنكشف أقدامهن؟! فوافقها النبي صلى الله عليه وسلم  وزادهن بقوله: « يرخينه ذراعًا لا يزدن عليه ».


(1) سورة الأحزاب، من الآية: 36.

(2) سورة النساء، من الآية: 105.