بحث عن بحث

 

 

 الآدابُ النبويةُ للسائلة (6-7)

 

 

9/ الاستجابة والإذعان للحكم الشرعي

من صفة المؤمن سرعة الإجابة لأمر الله ورسوله، وامتثال النصيحة، والاعتبار بالموعظة، والمبادرة بالتوبة، ولزوم الحكم الشرعي، وهذه المتابعة تورث الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جنان الرحمن. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )(1) .

والإعراض عن حكم الله عز وجل وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم  مكابرة وعناد وضلالة والتَّسويفُ والتردد في الامتثال سَفَهٌ وجهالة.

ومن خلال صحبتي الماتعة – في هذه الدراسة الحديثية – لأزواج سيِّد المرسلين ونساء المؤمنين لمست بوضوح ما كُنَّ عليه من حسن الأدب مع توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم  ، وإنفاذها بطواعية، ورضى تام، طمعًا في موافقة هدية واغتنام مرضاته وتعظيمًا لحرمات الله وحماية حدوده.

وليس هذا في باب الواجبات والمحرمات فحسب، بل واظبن على متابعة سنته والانقياد لشرعته حتى في المستحبات والفضائل!!

ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعظ النساء يوم العيد ويرغبهن في الصدقة، فيشمِّرن عن ساعد الجدِّ ويتنافسن في البذل والسخاء مسارعات إلى حليهِّن - بلا تثبط أو تلكُّؤ – يُلقين بقلائدهن وخواتيمهن في ثوب بلال!.

وصورة أخرى رائعة.. وموقف فريد مؤثِّر نتبيِّن سناه وطيب جناه، لما همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  بزيارة ابنته الحبيبة فاطمة - رضي الله عنها -، وأقبل على بيتها فرأى على بابها سترًا فيه نقش وزخرفة، فاستاء لذاك المنظر وعزَّ عليه اتخاذ تلك السّتارة، لمنافاتها مقام الزُّهد والتجرد من علائق الدنيا ومتاعها الزائل وبهجتها الفانية.

فأعرض عن دخول بيتها, ونقض عزمه عن تلك الزيارة، وولّى مدبرًا!.

الأمر الذي ملأ فاطمة - رضي الله عنها - فزعًا وذعرًا، فأشفقت على الحبيب صلى الله عليه وسلم  من تكدّر خاطره وانزعاجه وبعثت إليه من يسأله عن سبب نفوره وإبائه ومباعدته لتمنعه.

10 – التأكد والتَّوثق من الفتوى ونسبتها الصحيحة إلى قائلها، وعدم الاتكاء على ما شاع عند الناس وتناقلوه

ينبغي لطالب العلم والمسترشد إلى الحق أن يتبين مصدر الفتوى ليطمئن إلى صحة نسبتها إلى العالم المفتي احتياطًا لأمر دينه، وليقف عن كثب على معناها، ودلالتها.

وكم أعتز فخرًا بمجيء تلك المرأة الحريصة على العلم الشغوفة بمعرفة الحق، فلم تطب نفسًا بما تداولـه الناس من الفتوى، ونقلوه لها وإنما أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم  لتتأكد بنفسها من الحكم الشرعي، بلا واسطة بينها وبينه عليه الصلاة والسلام. فقالت: « إني ولدت غلامًا فسميته محمدًا، وكّنيته أبا القاسم فُذُكِرَ لي أنك تكره ذلك... » الحديث.

ولئن كان هذا التحرِّي والتوثّق من الفتوى محمودًا في عهد النبوة النيِّر بالهدى والعلم وأهله أهل فضل وديانة وصدق، فكيف بعصرنا هذا؟! الذي راجت فيه البدع وكثرت فيه الأقاويل على الله بلا علم وظهر التساهل في نقل الفتاوى وتحريفها والنيل من مصدرها والتهاون بحرمات الله عز وجل!!

11 – الدقة والصدق في نقل الشكوى ورواية الخبر

تربّي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  في مدرسة الإيمان على محبَّة الصدق في الحديث وملازمته والنفور من قول الزور والنـزاهة من الكذب، و اجتنابه عملاً بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ )(2)،وقوله تعالى:(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ )(3)   .

  ومن الأمثلة المعبِّرة عن هذا المعنى الجليل، والخلق الفضيل، قصة أسماء بنت عميس - رضي الله عنها - وهي من المهاجرات إلى الحبشة لما قدمت زائرة حفصة أم المؤمنين - رضي الله عنها - دخل عليهما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم  منكم، فغضبت أسماء - رضي الله عنها - واستاءت لمقالته وحلفت أن لا تذوق طعامًا ولا تشرب شرابًا حتى تذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ما قاله لها.

وبالرغم من هذا التأثر البالغ والحزن الشديد نراها تلوذ بكلمة الحق ومنطق الصدق، فلا تبالغ في الشكوى ولا تنحرف لداع الثأر والهوى، بل قالت بحزم وثبات: « والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه » !

وهذا محمد بن حاطب الجمحي - رضي الله عنه - يروي رُقْيَة النبي صلى الله عليه وسلم  له حينما احترقت يده، فيقول: - متحرِّيًا الصِّدق والدِّقة في النقل – فلا أكذبُ على رسول الله، فلا أدري أنفث أو مسح على رأسي ودعا فيَّ بالبركة وفي ذرِّيتي .

لقد أدرك هذه الصّحابي الجليل رغم صغره في التحمّل عظم مسؤولية الخبر وقداسة الأثر ولزوم الأمانة في الرواية، والتثبت في التحديث، فبادر إلى بيان موضع الشك في الحديث الذي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم  ووهم فيه لحداثة سنه عند السماع.

ولدى استقراء كثير من المواقف الجارية بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  تملكتني مشاعر الدهشة والتقدير لاعتصامهن بالورع والصدق في الحديث رغم هواتف الغيرة اللازمة بين الضرائر!

فتشهد إحداهن للأخرى بمالها من الخير والفضل بكل شفافية ونقاء سواء في أمور الدنيا

كقول عائشة - رضي الله عنها -: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية !!

أو في أمور الآخرة. كشهادة عائشة - رضي الله عنها - في محنة الإفك لزينب بنت جحش أم المؤمنين - رضي الله عنها - وقولها: « تلك التي عصمها الله بالورع » كانت امرأة صناعةُ اليد تدبغ و تخرز وتصدّق في سبيل الله – عز وجل -.

12/ الإفصاح عن الأسماء عند الشكوى ليتيسر نصر المظلوم من المعتدي عليه

التظلُّمُ للقاضي أو المفتي يبيح للشّاكي التصريح باسم من خاصمه أو خالفه، ولا يُعدُّ هذا من الغيبة المحرمة، لحاجة العالم إلى الكشف عن هويّة الخصم، ومن ثمَّ يتهيأ له الفصل بينهما، وإظهار الحق ونصرة المظلوم، وتسديد المخالف إلى الصواب، وهداية الضال إلى سبيل الهدى والرشاد.

ويدل على هذا... شكايةُ أم المؤمنين سودة - رضي الله عنها - لرسول الله صلى الله عليه وسلم  إنكار عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - خروجها من بيتها وهي مستترة بحجابها مبالغة في الغيرة على أمهات المؤمنين.

فحكم النبي صلى الله عليه وسلم  لها ولسائر النساء بجواز الخروج لحاجتهن .

وحينما تبكي أم المؤمنين صفية - رضي الله عنها -، وتحكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ما ضاقت به ذرعًا من سبِّ منكر بلغها من إحدى أزواجه، لم تأبه أن تسمّيها حفصة - رضي الله عنها -! وأنها عيّرتها بقولها: ابنة يهودي!! فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم  عليها معاتبًا ومؤدِّبًا «اتقي الله يا حفصة » .


(1) سورة الأنفال، من الآية: 24.

(2) سورة التوبة، الآية: 119.

(3) سورة النحل، الآية: 105.