بحث عن بحث

 

 

 الآدابُ النبويةُ للسائلة (7-7)

 

 

13/ التَّوقُّف عن العمل عند الشَّكِّ في حكم شرعي حتى يسأل عنه أهل العلم

قد يخفى على المرأة الحكم الشرعي في أمر من عبادتها ومسألة في دينها، ويعزّ عليها الاجتهاد والتماس النصوص الشرعية.

فالمتعين هنا التورُّع عن العمل بلا علم، وأداء العبادة بلا هدى، ويلزمها سؤال الراسخين في العلم لمعرفة الحقِّ المبين، وعبادة الله عز وجل على نور وبصيرة، لتنال ما ترجوه من ثواب الله تبارك وتعالى.

إنَّ عائشة - رضي الله عنها - التي بلغت شأنًا عظيمًا في العلم والفقه في الدين لا تأنف أن تمتنع من استضافة عمها من الرضاع حتى تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن حكم دخوله عليها وتستأمره في الإذن له.

تقول - رضي الله عنه - «جاء عمِّي يستأذن عليَّ فأبيت أن آذن له حتى استأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  ».

وتقدُمُ أم أسماء بنت أبي بكر الصديق - وهي مشركة – على ابنتها أسماء - رضي الله عنها - بهدايا وتحف، طامعة في برها وقبول هداياها.

فتأبى أسماء - رضي الله عنها - أن تأخذ منها شيئًا ولم تدخلها منـزلها حتى استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهذا مـن أروع الشواهد وأبلغ النماذج الدالة على حرص نساء السلف - رضي الله عنهن - على السؤال احتياطًا لأمر دينهن و استبراءً لذممهن وصيانة لحرمات الله وحدوده، هو دليل على تقديم محبة الله ورسوله واتباع شرعه على محبة ما سواهما وإن كان أقرب قريب.

14/ إيثارُ طلب العلم والتقرب إلى الله عز وجل على حظوظ الدنيا

لقد تعلَّقت هِمم المؤمنات الأوائل، وتطلّعت نفوسهن للتزوُّد من العلم والحكمة، والتبصر بأحكام الإسلام وسننه وآدابه، بعزيمة صادقة ونيَّة خالصة؛ لأن العلم حياة القلوب ونور البصائر ومناط العمل.

وهو الهدى الذي يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلى.

فنراهنّ كيف يقبلن بشوق إلى مجالس العلم ويخرجن لسماع المواعظ والذكر ويسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ويراجعنه استكثارًا للخير وطمعًا في الأجر والثواب ونيل مرضاة الله عز وجل.

إن من الصور المشرِقَة في السعي لتحصيل العلم قول تلك المرأة – مخاطبة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم  - ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا تعلِّمنا فيه.

ومن الروائع الخالدة في التنافس على أمور الآخرة الشَّرفُ بفضل الهجرة، والظَّفر بدعوات النبي صلى الله عليه وسلم  بالرحمة والمغفرة، والمثابرة على الذكر من تسبيح وتحميد واستغفار، والزهد في الدنيا، وتمني مصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم  في الجنة!

ألا تعجب لتعشّق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  مرافقته بسؤالهن؛ أُّينا أسرع به لحوقًا؟

فيجيبهن: « أطولكن يدًا ».

فيأخذن قصبة يذرعنها، وفي روايةٍ: أنهن مددن أذرعهن على الجدار للمقايسة..!!

ما أجمل المنظر؟! وما أصدق تلك المشاعر والنوايا الطاهرة!!

وما أعذب هذه اللحظات التي نعيشها ونحن نستشرف أحوالهم ونستجلي مآثرهم .

تالله ...

أرأيت محبَّة لله ورسوله، وشوقًا يجتاح القلوب للخروج من الدنيا و بلوغ أول منازل الآخرة... يضارع هذا الشوق والتنافس الكريم؟!

ألا تعجب لهؤلاء الطيبات الصالحات من أزواجه و نساء المؤمنين اللاتي يرين بينهن نبياً مجاب الدعوة ، مخلَصاً لربه تعالى ، مقرباً من جلاله ، مسوَّدا على العالمين ، لو سأله جبال أحد لصيّرها ذهباً خالصاً ، يرين ما أجراه الله عزّ و جل على يديه من الآيات المبهرة و المعجزات الظاهرة ، فلا تغريهن هذه المكانة الشريفة  على انتهاز مقامه للتكثّر من الدنيا و زينتها و زخرفها و الغفلة عن الآخرة و نعيمها ، بل كانت هممهن و همومهن معلّقة بما يقربهن عند الله زلفى و ما يعلي ذكرهن في الملأ الأعلى و يرفع درجاتهن إلى أعلى الجنان !

ألا إنها آثار الإيمان.. وحلاوته التي تتضاءل أمامها النعم العاجلة الزائلة و اللذائذ الفانية ،

و تهون أمامها الدنيا بأسرها إلا ما يتصل بالله تعالى .