بحث عن بحث

 

 

 هـــــدي الرســــــول صلى الله عليه وسلم في التوجيه والفتوى  (3-14)

 

 

2/ العناية بالسُّؤال والفتوى بعلم:

من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تلقِّي السائل بالبِشْر والترحيب ليأنس به ويفضي إليه بما أشكل عليه واحتاج إليه . ويشهد لهذا نداءُ أم محمد بن حاطب – وهي تحمله مسرعةً بين ذراعيها لاحتراق يده - فتقول: «يا رسول الله ».

فيجيبها بأمضى عبارة تسكِّن روعها، وتهدّئ خاطرها قبل أن تسكُنَ آلام الفتى وتبرد: «لبَّيك وسَعديك ».

كان النبيُّ – عليه الصلاة والسلام- حفيًّا بالسؤال النافع، عظيمَ التقدير له، فهو يحسن سماعه من مُورِده، ويصغي إليه على وجهه من غير مقاطعةٍ، أو ازدراء، ثم يوفِّيه حقَّه، بجوابٍ كافٍ وبيانٍ شاف وعطاء وافٍ .

سواء كان السؤال عن حكم شرعي، كاستفتاء المرأة عن وصل الشعر أو كان طلب التفقُّه في العلم، أو شكوى من مرض أو من تعيير وسبٍّ ، أو حصول المشقة والحرج من وضعٍ اجتماعي ما ونحو ذلك مما يدفع للسؤال والطلب .

بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبادر إلى بيان الحكم الشرعي ابتداءً ولو لم يُسأل عنه ويدل على هذا موقفه الحكيم عندما سمع امرأةً تغري صبيَّها بقولها: «تعال أعطك » فيخشى النبي صلى الله عليه وسلم أن تتَّخذها حيلةً باطلة فتبوء بإثمها، فينشدها: «ما أردت أن تعطيه ؟! » فتخبره الأم الصَّادقة الوفيَّة بأنها ستعطيه تمرة، بلا ريب .

فيعقِّب النبيَّ صلى الله عليه وسلم ببيان الحكم الشرعي – بعد إقرارها بذلك المنح - بقوله: « أما إنَّك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة » .

وفي مقام الترغيب يرى النبي صلى الله عليه وسلم زوجه صفيَّة - رضي الله عنها - تُسبحِّ وتذكر الله – عز وجل- بعددٍ وفير من النَّوى، فيدعوها فيرشدها إلى كلماتٍ يسيرةٍ خيرٌ لها وأبقى مما كانت تردِّد .

« ألا أعلَّمكِ بأكثرَ مما سبَّحتِ .. ؟! » فتزداد شوقًا وتعلُّقـًا بما سَيلقي عليها .. وتؤكِّد له: « بلى علِّمني » !

فيعلِّمها: « قولي؛ سبحان الله عدد خلقه » .

ومن يتدبَّر هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التوجه والفتوى يقف على منهج أصيل يتألَّقُ فيه حسن الأدب ومنتهى الحياء مع الله تعالى، وجلال توقيره وتقديسه .

فلا يسبق مولاه جلَّ وعزَّ في أمرٍ أو نهيٍ، أو يتخذ من دونه إرداةً ورأيًا، أو يتعدَّى في الحكم والتشريع مهما كان دافعه !

(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (1) .

إنه يتلقَّاه بفؤاده المصفَّى من الملأ الأعلى، فيسمع ويرى، ويحفظ ما وعى، ويبلّغ كلَّ ما يوحى .

وإن سئل عن أمرٍ أو حكم ما، ليس له فيه من ربِّه نورٌ وسلطان لم يتكلف القول على الله بلا علم، بل يتروَّى ويتريّث حتى ينزلَ عليه الحقّ المبين فيفتي بحكم الله على هدى من الله وبصيرة .

يا لَتحرِّيه واستيثاقه ؟!! ومهابته آيات ربِّه ؟! وإصراره العجيب على أن يكون الحكم إلى الله وحده، لا يجاوزه، أو يتقدم عليه إلا بإذن بارئه سبحانه .

ألا تراه يسمع إلحاح عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - ليحجب النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فلا يستجيب له، ولا يفعل ما رآه عمر حتى وافقه القرآن، وأنزل الله –سبحانه- آية الحجاب وفريضته، فحجبهن !!.

لعمر الله .. ما كانت غَيْرة عمر - رضي الله عنه - على أمهات المؤمنين لتسمو - على غيرة سيِّد المرسلين عليهن، وهُنّ أزواجه وأهله. ولكنَّها حقيقة الانقياد والاتباع لما يقضي به الله!!


 


(1) سورة النجم، الآيتان: 3، 4 .