بحث عن بحث

 

 

 هـــــدي الرســــــول صلى الله عليه وسلم في التوجيه والفتوى  (7-14)

 

 

6 / استعمال أسلوب المناقشة والحوار

من سُنن المرسلين، وطريقة الذكر الحكيم مخاطبة الفطرة بالمنطق السَّوي، ومحاورة الألباب بالمُسَلَّمات الواقعيَّة، والشَّواهد الحيَّة، والأدلَّة الكونيَّة، لترتبط النفوس بخالقها سبحانه، وتنصاع إلى توحيده وعبادته، عن رضى وقناعة واطمئنان .

ومنذ بواكير الدعوة الإسلامية كان من هدي محمد صلى الله عليه وسلم امتطاءُ أسلوبِ الحوار الهادئ والمناقشة المثمرة مع أصحابه وأعدائه .. لتشرق في النفوس أنوار الهداية، والخير، ولتبلغ غايتها في استجلاء البصيرة واستقامة الطريق إلى الله تعالى .

ولْنَعْرض لأحد الحوادث النبويَّة مع النساء لنعتبر بما يحويه من الفوائد والدروس الجمَّة. يبدأ مشهد الحوار بدخول رجل أجنبي هو : ابن أم مكتوم (الأعمى) - رضي الله عنه - في بيت النبوَّة على بعض أزواجه وهما؛ أم سلمة وميمونة - رضي الله عنهما - حين كانتا على هيئتهما في اللباس والزينة والتكشُّف ... !

فيبادر الحبيبُ صلى الله عليه وسلم إلى أمرهما بالحجاب والتَّستُّر، فإنه أغض للبصر وأطهر للقلوب، وأعفُّ للضمائر .. وأنقى للسلوك والمشاعر ..

وهناك .. انقدح في ذهنيهما تساؤل مدهش ؟!!! انطلق على خلفيَّة ما تعلمتاه من النصوص والمعاني الشرعية في فرضية الحجاب، فقالتا معًا .. بفكر واحد .. وصوت واحد .. وتلقائِيّةٍ مباشرة .. وعفويَّة لم يسبق لها تخطيط .. « يا رسول الله » ..

بنداءٍ لطيف مُهذَّب لا يُنسى في ثورة المحاجَّة، وتألُّق المناقشة .. « أليس أعمى لا يُبْصرنا» ولا يعرفنا ؟!! ولا يرى الصُّور والمحاسن ؟!

ومن هذا الاستنكار يتولَّد سؤال آخر .. يتضمَّنُ معنى الاعتراض.. فكتمتاه لكمال الحياء ومنتهى الأدب، وهو : « فلماذا نحتجب منه ؟!! » - ردًا على أمرهما بالحجاب – فيجيبهن الحبيبُ صلى الله عليه وسلم على الفور بشاهد من أنفسهن مادامت الشبهة قائمة حيَّة في عقولهن .. بهذا السؤال التقريري: « أفعمياوان أنتما ؟! ».

إنها إضاءةٌ لطيفةٌ .. وتذكيرٌ هادئٌ .. بنعمة العافية من العمى وأداء حقِّها بالشكر لله تعالى.. « ألستما تبصرانه ».

استنكار تقريري رديفٌ للسَّابق، مؤكِّد له .. رغم وضوحه وجلائه .. وما دامتا تبصرانه .. فإن جذوة الفتنة ستكون باقية حاضرة .. بريدها هذا النظر الحاصل من المحادثة والمجالسة .. وإزالة الحُجُب .. والبقاء على الهيئة التي كانتا عليها مع زوجهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما فيه من رفع الكُلْفة، وزوال التحرّج من الضَّيف الأجنبي، وفي هذا الأمر خطورةٌ بالغةٌ .. ؟!!

يعظم أُوَارُها في بيت النُّبوةِ المحفوف بمزيد الصِّيانة والتعّفف والاحتشام ! وفي نسائه الطاهرات.. وما لهن من مضاعفة الحُرمة .. وتغليظِ الحجاب عليهن .. ولما لهنّ من الجلالة لمكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد لسمنا عن قرب – من خلال هذا الحوار الهادف القصير – منهجَ النبي صلى الله عليه وسلم في إثراء الحوار، برعاية الروح النقدية الرقيقة المنفعلة، ودعمها بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، التي من شأنها أن توسِّع قاعدة الفهم والإدراك، وتجعل الرؤية أكثر وضوحًا وجلاءً، لكل زوايا القضية ومنحنياتها .

فيكون لهذا الإيضاح الباهرِ أثرهُ الظاهرُ في دحض الشُّبه، وإزالة الشك، وهزيمة الباطل وشموخ الحق وترسيخ الحكم الشرعي، وتعميق القناعة به ..

وسمعنا أيضًا .. تلك الكلمات .. بل قل تلك الرَّفرفات الوديعة الحبيبة السَّامية المحلِّقة من أفق محمد صلى الله عليه وسلم .. وغيرته على أهله .. وكيف يستجيش بها مشاعرَ نسَائِهِ، ويُزكي أحاسيَسهن لتَشِفَّ .. وترقَّ .. وتصفو !!

مستعلية على رغائب النفس .. وشوائب الهوى .. فتصبح أعظم مطاوعةً لأمر الله عز وجل .. وإذعانًا لحكم رسوله صلى الله عليه وسلم .