بحث عن بحث

 

هـــــدي الرســــــول صلى الله عليه وسلم في التوجيه والفتوى  (12-14)

 

 

11 / التصدَّي لغرس الفضائل واجتثاث الرذائل:

المتَأمِّل في منهج النبي صلى الله عليه وسلم الإرشادي يلمح في أعطافه عناية النبي صلى الله عليه وسلم بترسيخ الفضائل والآداب التربوية والخلقية المعينة على بناء الشخصية الإسلامية الراشدة، المتَّزنة، ومن تلك الفضائل:

التفاؤل بالخير :

ونراه في محبَّة الأسماء الحسنة وكراهة الأسماء القبيحة وتغييرها، كما حول اسم عاصية إلى جميلة.

ملازمة الجليس الصالح ونبذ رفيق السوء :

ونلمس ذلك في اشتياق النبي صلى الله عليه وسلم لنزول جبريل عليه السلام وتحرّي لقائه ومجالسته، والفزع من إبطائه ، والنهي عن اتخاذ ما يمنع دخول الملائكة - الطوافة بالرحمة والاستغفار - البيت من صورة أو كلب.

والحث على التنزه من مخالطة الصاحب الخبيث كما طرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المخنث من بيته ونهى عن دخوله البيوت.

بل بلغ من حرصه على تجنّب الشِّر وأهله أن أقصى ناقة بكماء ذليلة ونزع ما عليها من المتاع وأعراها فلا تركب ولا تصاحبهم لأنها ملعونة؛ إشفاقًا على نفسه وأصحابه أن يصيبهم بسببها غضب الله تعالى .

التسامي عن حب المظاهر والتعلّق بالماديّات :

وذلك بتحريم التزوير في الأقوال والأفعال ولو في افتخار الضَّرَّة، بادعِّاء التَّشُّبع من النعمة والفخر بالغنى، والحقيقة ليست كذلك، وفي هذا التزوير كذب وإفساد بين الزوج وأهله.

وفي هتافات الحبيب صلى الله عليه وسلم لعائشة - رضي الله عنها - وغيرها بحب المساكين والقرب من الفقراء والإحسان إلى المحتاجين  والتخلِّي عن متاع الدنيا وبهجتها والرضى منها باليسير الذي يكفّ عن المسألة ويقيم العيش أظهر برهان على استعلائه على حطام الملذات الدنيوية الزائلة والتعلّق بالدار الآخرة ..

التحرُّر من آفات اللسان وغوائله :

اللسان نعمة جليلة القدر بليغة الأثر، اعتنى به الحبيب صلى الله عليه وسلم فسخره في اللهج بالأذكار؛ من دعاء وتسبيح واستغفار، وتحري الصدق والحق في الأخبار، والتعبير به عما يحتاجه في أمر دنياه وأخراه، والفرار به عن دنس الكذب حتى مع الأطفال الصغار، أو كان كذُيبةً قليلة الضَّرر، وأمر بتجنب الغيبة والنميمة ولو كانت كلمةً أو إشارة سريعة.. فإنها من محقّرات الذنوب المتوعد عليها بعذاب النار .

تقبُّل المسيء والإغضاء عن هفوته وزلّته :

تُعلِّمنا سيرةُ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم المعاملةَ الحسنة المثمرة مع ذوي الإساءة، وهدايتهم برفق إلى سواء الصراط .. تحبيبهم للخير وتقريبهم للحق بلطف ورحمة .

ومن الشواهد الدالة على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أحد أصحابه: « بئس أخو العشيرة» فلما أتاه أحسن استقباله، وتطلّق في وجهه وألان القول له مداراةً له وتأليفًا لسلِّ السخيمة من قلبه ورده إلى الهدى ردًا جميلاً .

ولا شك أن طيب المعاشرة، وإظهار المودّة وبشاشة الوجه ونداوة الكلمة لها تأثير سحري بليغ في عطف القلوب وجذبها إلى المراد واستمالتها إلى الخير والصلاح .

إشباع الحاجات النفسية والعاطفية :

في أعماق الطبيعة البشرية تموج مشاعر وخواطر، وتعتمل دوافع ونوازع، وشأنُ المنهج الإسلامي اكتناف تلك الحاجات وحفظها من الاضطراب والتفلُّت، والكبت، والسعي لتيسير جريانها في منافذها المشروعة بتوسُّط واعتدال لتواصل نشاطها النافع وتؤدي وظيفتها في الحياة.

ومن تلك الحاجات : حبّ اللعب والتَّسلية، ويظهر إشباع تلك الحاجة في المنهج النبوي الأصيل بتمكين عائشة – رضي الله عنها - من اللعب بالدُّمى وتسريب صويحباتها ليشاركنها بهجة المرح.

وإباحة الدفّ في أوقات اللهو التي تشتاق النفوس فيها إلى الترويح والسرور .

ويبدو تقدير الحاجة العاطفية بملامحَ وصور شتىَّ، روّت عروقها ينابيع الحب والرحمة المتدفقة من قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو لا يفتأ يذكر حبه لخديجة - رضي الله عنها -.

وأن تلك المودَّة العذبة نعمة رزقه الله عز وجل إيّاها .. !

ولا يكتم ميله القلبي المنصب لعائشة - رضي الله عنها - عمن يسأله ويراجعه فيها.

ولطالما احتوى انفعالات الغيرة الثائرة بين الضرائر .. واصطبر على محنتها راضيًا ومقدِّرًا لها.

لقد فاضت نسائم المحبة والوداد على أهل بيته، وامتدت إلى أصحابه الكرام - رضي الله عنهم -.

فكان يرى نساء الأنصار مقبلات فيشهد أنهنّ من أحبِّ الناس إليه ! ويميط الأذى عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - وهو يهتف لأهله: «يا عائشة أحبِّيه فإني أحبُّه » ! .

هذه نخبة من الأمثلة الغزيرة، والحقائق الوفيرة المؤكدة على قيمة العاطفة، وأنها سمةٌ من سمات النفس البشرية، يحتشد في جوانحها كمٌّ هائل من المشاعر والأحاسيس .. لا يُراد تجاهلها ولا نحتمل قمعها، ولا يصح إطلاقها وإهدارها بلا قيد ولا حدٍّ، فيعبث بها الهوى، وتنحرف بها الشهوات.

إن التصّور النبوي الحكيم يتميّز باعترافه بتلك الانفعالات والعواطف الحيّة، وضرورة توفير الحصانة اللازمة، والرعاية التامة لضمان سلامتها، واستقرارها، وأداء مهمتها في الحياة على النحو الأمثل .