بحث عن بحث

 

 

هـــــدي الرســــــول صلى الله عليه وسلم في التوجيه والفتوى (13-14)

 

 

12 – الحكمة في تقدير الأمور ومعالجة الأخطاء

العلم بالغيب الذي يحدِّد مواطن الخير، ومواضع الشرِّ محجوب مخبوء عن الناس كافة قد استأثر الله بعلمه وحده.

قال تعالى  (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  )(1) .

فالرسول صلى الله عليه وسلم القريب من ربه تعالى يعلن للخليقة أنه أمام غيب الله الموصد بشرٌ من البشر لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا.. لأنه لا يعرف النهايات والغايات قبل البدايات .. ولا يرى مآلات أفعاله، ومن ثمَّ لا يملك اختيار العاقبة الحميدة من النتيجة الخاسرة .. لكنه يعمل بحكمة وتدبير وهي المفتاح القويم للدلالة على الخير وتحرّيه، والسلاح المحذّر من الشرّ لتوقّيه .. والعاقبة تجيء كما قدّر الله سبحانه في غيبه المكنون .

إنه عليه الصلاة والسلام يقود الأمور ويصرِّفها بحكمة وتقدير وحسن توجيه وتدبير وفق منهج علمي تربوي فريد .. ألا تراه يحقق أسلوب الاعتدال في الثناء والذم، والنصح والإرشاد فلا يكثر منه فيملَّ السامع ويفسد طويَّته ..

ولا يقلِّل منه فيجدب قلبه وتمحل همَّته .. ولا يضعه في غير أوانه فيذهب بددًا بلا فائدة. ومثله الاعتدال في النظر إلى المصائب بحجمها الطبيعي اللائق بها، بلا تهويل أو مبالغة تجر اليأس والإحباط أو تحقير واستخفاف يفضي إلى تجاهل وجودها وعدم المبالاة بآثارها، كما جاءته أسماء بنت عميس - رضي الله عنها - تسأله عن رقيةٍ لتدعو بها لبنيها بني جعفر الذين تسرع إليهم العين، فيأذن لها الحبيب صلى الله عليه وسلم أن تَرقيهم .

ولم يفزعها من منظر أجسامهم الضَّارعة التي يظنُّ من يراهم أن الحاجة تصيبهم !

وفي طبيعة الحياة الزوجية تهبُّ خلافات ومعارضات، يا ليتنا نتدبّر هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم في احتواء تلك الأزمات وإدارتها بحكمة وحزم ومعالجتها برفق وفهم والخروج منها بسلام.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في ظلِّ الخلاف مع أزواجه يتمسّك بالحقائق والاعترافات البيّنة ويتجنّب التهم والشكوك والظنون المحتملة التي لا تغني من الحق شيئًا ..

وكان يهتم للأحداث الطارئة ويفكّر بجدّية في إصلاحها مستحضرًا غاية التوكل على الله سبحانه مع بذل الأسباب النافعة، الممكنة، والسبل الصالحة وإنفاذ الوسع لانكشافها وزال غمتّها.

وكان يمكِّن أزواجه من البوح عمّا يلتهب في سرائرهن من الهموم والأحزان فينفّس عنهن ويسلِّيهن .. حتى يرضين. وكان يعاتب المخطئة بقدر إساءتها لتنتبه من غفلتها وتبادر بالتوبة إلى الله عز وجل وتقرّ بإساءتها وتعتذر برقَّةٍ ولطف .. !! .

ومن عجبٍ .. أن تجد في ختام تلك الخلافات – القليلة - مسك المحبّة الفوَّاح .. يتجدّد.. ويتودَّد لتعود القلوب إلى سابق عهدها من الألفة الغامرة والمودَّة العامرة .


(1) سورة الأعراف، الآية: 188 .