بحث عن بحث

 

 هـــــدي الرســــــول صلى الله عليه وسلم في التوجيه والفتوى (8-14)

 

7 /  النصيحة بما يناسب حال السائلة مع التيسير عليها

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم معلِّم الأمة وهاديها في الدنيا، والشَّهيد عليها في الآخرة .. كان يعتني بالمؤمنين أكثر من عنايتهم بأنفسهم، حريص عليهم، يبتغي تحقيق حاجاتهم والقيام على شؤونهم بحبٍّ وإيثار .. ويسعى لإصلاح أحوالهم ومراعاة ظروفهم المتفاوتة بحكمة وإشفاق، لتظل الآمال والأعمال موصولة بالله سبحانه .

إنه يرى المقبلَ بقلبه الخاشع إلى الله تعالى، ونفسِه المشتاقةِ إلى تعظيمه وعبادته، لكن عوارض الكِبرَ، وتقدم العمر تنهش جسمه، وتوهن قِواه، وتهدِّده بالحرمان من كثير من الطاعات؟!!

فيبادر الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى إعانته وتلقِّيه باهتمام بالغ .. فيحوط ذاك الشعور القَلقِ الملتاع المندفع بيده الرحَّيمة، وإحسَاسة الحيِّ المرهف ..

ويفتح لتلك النفس الشغوفة بالعبادة منافذَ الطاعة الوارفة السَّابغةِ الهاديةِ لليسرى، الممكِنةِ في الصِّغر والكِبَر، والقوَّة والضَّعف، والجلوس والاضطجاع ‍‍!!

كما قال لأم هانئ بنت أبي طالب إذ جاءته راغبةً في الخير، فنادته؛ يا رسول الله إني امرأةٌ قد ثَقُلت فعلِّمني شيئًا أقوله وأنا جالسة .. فأجابها: « قولي الله أكبر مائةَ مرَّة ... ».

ذكر هيِّن يسير، جزيل الثواب، كثير الأجر عظّيم الفضل في الآخرة .

وتشتكي إليه سهلة بنت سُهيل - رضي الله عنها - ما ضاقت به ذرعًا من تكدُّر زوجها أبي حُذيفة، وتغيرُّ وجهه لكثرة دخول سالمٍ حَلِيفَةُ، وتحرُّجها من خشية انكشاف شيء من العورة أمامه. فيفتيها النبي صلى الله عليه وسلم بأمرٍ يحفظ لها حياءها وعفافها .. ويبيح لها النّظر والخلوة، ورفع الحجاب؟!! ليس هذا فحسب ؟!!

بل إن الحبيب صلى الله عليه وسلم يمنحها أمرًا فوق ما سألت .. تتوق إليه كل امرأة في الدنيا .. ألا وهو (الأمومة) بقوله: « أرضعيه »  !!

فتندهش السائلة لهذا الحكم الشرعي الذي يأمرها أن تضع في حجرها رجلاً كبيرًا ذا لحيةٍ و تطعمه درّها ؟!

فأجابت مستنكرةً : « إنه رجلٌ كبير ؟! ».

وإنني ألمح في ابتسامة النبي صلى الله عليه وسلم وضحكه وإقراره بأنه يعلم حال المرتضع وما بلغ من العمر.. معنىً بديعًا .. وتناسبًا ذريعًا !

فاختيار (الرضاع) يستدعي معنى (الأمومة) وما في أعطافها من سبق التربية والحضانة والألفة غالبًا وما يضارعه من استمرار الحنان والرحمة مع إدرار الحليب، وما توحيه تلك البنوَّة من لوازم البرِّ والإحسان والصِّلة، لا رفع الحجاب فحسب، وهذا له أثره الجميل في تهذيب المشاعر وطيب الكلمُ وطهارة السلوك وخفض الجناح من الرحمة وإسباغ الحياء والحشمة.

الرضاع تسري الحرمة فيه إلى زوج المرضعة فيكون أبًا للمرتضع، وإرواء عاطفة الأبوّة تجاه هذا المرتضع يذهب كل توجّس منه أو غيرة على الزوجة من أجله، ويحلُّ مكانها الرحمة والعطف والإشفاق ! ولذا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : « أَرْضعيه يَذهبُ ما في وجه أبي حُذَيفة ». وقالت –بعدما أرضعته- : « والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة ».